فقدان التفوق العسكري

 

يبدو أن الجيش الأمريكي فشل في مضاهاة الدعايات المتعددة حول تفوقه، خاصة عند النظر إلى السجل المتواضع من الإنجازات العسكرية التي حققها. فمنذ الحرب الكورية، لم تنتصر الولايات المتحدة في أي حرب ضد أي عدو، وهذا يكشف عن خلل في التطبيق الفعلي للقوة العسكرية الأمريكية في العالم. يتوقف هذا العمل عند التفوق العسكري الأمريكي، ومدى صحته وتأثيره، ويسلط الضوء على القوة الروسية والصينية التي باتت في حكم المنافس لها.
للثقافة الأمريكية الاستثنائية جذور عميقة في المؤسسة الأمريكية الحاكمة، التي لاحظها ألكسيس دي توكفيل في عمله المؤثر «الديمقراطية في أمريكا» في عام 1837. ولكن في حين أن الاستثنائية ليست فريدة من نوعها بالنسبة لأمريكا، فإن شدة إيمانها وعواقبها العالمية هي الفريدة. وقد أدت هذه النظرة عن استثنائية الولايات المتحدة إلى إساءة تفسير العوامل المسببة للأحداث الرئيسة في القرنين الماضيين بشكل فادح، وفي بعض الأحيان يكون عمداً. وبناءً عليه، تم استخلاص الاستنتاجات المغلوطة، وإعطاء دروس خاطئة للغاية. ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً في الفكر العسكري الأمريكي وتطبيقه الفعلي للقوة العسكرية.

يستكشف هذا الكتاب الفرق الكبير بين المقاربة الروسية والأمريكية للحرب، والتي تتجلى في جميع جوانب الأنشطة من الفن والاقتصاد، إلى الثقافات الوطنية المتعلقة بها. كما يوضح حقيقة أن «النخبة» الأمريكية لم تعد تعتقد أن الحقائق والقوى الاقتصادية والعسكرية والثقافية الروسية تعمل على معالجة قدرات روسيا الجديدة والعالية في مجالات الحرب التقليدية وكذلك الحرب الإلكترونية والفضاء؛ ويدرس بعمق عدة طرق يمكن للولايات المتحدة ببساطة أن تدخل في صراع مع روسيا وما يجب فعله لتفاديه.
يقع الكتاب في 250 صفحة صادر عن دار «كلاريتي بريس» في مايو 2018 باللغة الإنجليزية. ويتكون جدول المحتويات فيه من مقدمة بعنوان: «النرجسية الأمريكية الخطيرة»، وثمانية فصول هي: الأول: المقاييس الحقيقية للقوة العسكرية. الثاني: ولادة الميثولوجيا العسكرية الأمريكية الحديثة. الثالث: عدد من التفسيرات الخاطئة للحرب العالمية الثانية. الرابع: عجز النخب الأمريكية عن فهم حقائق الحرب. الخامس: العجز التربوي والرسوم الكاريكاتورية الثقافية. السادس: التهديد بالتضخم والتصوير الإيديولوجي وأسئلة السياسة العقائدية. السابع: الفشل في التعامل مع التجديد الجيوسياسي الحديث. الثامن: شبح «القوة المجوفة». وفي نهاية العمل يقدّم الكاتب خلاصة تحت عنوان: «تهديد سوء التقدير العسكري الأمريكي الضخم»، ثم ينهيه بخاتمة بعنوان: قواعد بوتين في اللعبة: السلام من خلال القوة.

حقيقة مخفية

يرى الكاتب أندري مارتيانوف بحكم خلفيته العسكرية وخبرته في المجال العسكري الأكاديمي، أن البعد التكنولوجي «للاستراتيجية» الأمريكية قد طغى تماماً على أي اهتمام بالمتطلبات الاجتماعية والثقافية والتشغيلية وحتى التكتيكية للصراع العسكري (والسياسي).
ويرى أنه «مع ظهور حرب باردة جديدة مع روسيا، تدخل الولايات المتحدة فترة جديدة من الاضطراب الجيوسياسي، وهي غير مستعدة لها تماماً سواء فكرياً أو اقتصادياً أو عسكرياً أو ثقافياً، لمواجهة حقيقة كانت مخفية خلال السنوات السبعين الماضية خلف ستار من خداع استراتيجي لا ينتهي بشأن روسيا».
كما يقول الكاتب: «قد يؤدي مجيء نظام الدفاع الجوي الثوري S-500 إلى إغلاق المجال الجوي لروسيا وحلفائها بالكامل في وجه أي تهديدات جوية أو بالستية. هذه التطورات وحدها تقلل تماماً من قيمة الملاحة القتالية في خط المواجهة للقوات الجوية الأمريكية التي تكلفها أرقاماً فلكية، واستثمارها الهائل في الفوائد المحدودة جداً للاختراق والتسلل».
ويضيف: «تقنيات الكشف عن أشعة ضوئية ستجعل جميع النفقات على الشبح، دون استثناء، مجرد إهدار للمال والموارد. وكما هو معروف لا يوجد خبراء أفضل في كيفية إهدار الموارد من أولئك الذين يرعاهم المجمع الصناعي العسكري الأمريكي».

القوة البحرية

 

كما يتوقف الكاتب عند القوات البحرية العسكرية الأمريكية قائلاً: «الوضع ليس أفضل في البحر. إن إطلاق الصاروخ زيركون هايبر-سونيك 3 إم 22 في عام 2017 يعيد بالفعل تعريف الحرب البحرية، ويجعل حتى المناطق البحرية النائية منطقة»بدون شراع»لأي مقاتلة أمريكية كبرى على السطح، وخاصة حاملات الطائرات. وفي الوقت الحالي، وفي المستقبل المنظور، لا توجد أي تكنولوجيا قادرة على اعتراض مثل هذا الصاروخ». مضيفاً: «لا تزال البحرية الأمريكية تحتفظ بقوة تحت سطح البحر من الطراز العالمي، ولكن حتى هذه القوة ستواجه صعوبات كبيرة عند مواجهة تحدي الغواصات غير النووية القاتلة الصامتة والقادرة، إلى جانب القوات البحرية المضادة للغواصات البحرية والقوية، على إغلاق سواحلها بالكامل أمام أي نوع من التهديد. وبمجرد الوصول من خلال السواحل والبحر وحتى بعض المناطق في المحيطات، يتم إغلاقها، كما هي الآن، بالتالي فإن أحد الركائز الأساسية لعقيدة واستراتيجية البحرية الأمريكية أي القدرة على إظهار القوة ينهار..».
ويستشهد برأي الراحل سكوت شوغر الذي تحدث عن التناقض البحري الأمريكي قائلاً: «عندما تتجاهل قوة قارية مثل الولايات المتحدة حواجزها الدفاعية الطبيعية وتبني أساطيل قتالية كبيرة، فإنها تحولت من واقع جيوسياسي إلى نوع من التظاهر المزعج. هذا النوع من البحرية موجود فقط لهزيمة القوات البحرية الأخرى التي تحمل النزعة ذاتها. وهذا لا يمكن تبريره إلا في حالة وجود أساطيل أخرى مماثلة لتلك الموجودة بالفعل».
ويضيف: «لا توجد سفن بحرية تتمحور حول الناقلات، بخلاف البحرية الأمريكية، ولن تكون موجودة في المستقبل القريب حيث إن جميع اللاعبين البحريين الرئيسيين في العالم، باستثناء الولايات المتحدة والقوات البحرية الملكية البريطانية، اتخذوا من عقيدة القتل المميت حتى الصميم نمطاً لهم، واستمروا بالاستثمار في قدرات خطيرة ضد النقل البحري عبر مجموعة كبيرة من المنصات، مع الاتحاد السوفييتي، ومع روسيا اليوم، التي تعمل على تطوير الأسلحة الفتاكة الفائقة والضخمة. وتصبح صواريخ كروز الجديدة التي تستطيع تنفيذ هجوم بعيد المدى، أدوات فعالة للغاية في الردع والقوة ضد أي نوع من الخصوم».
كما يستشهد الكاتب برأي القومى الأمريكي المتشدد بات بوتشانان الذي قال بمرارة: «لم يعد أحد في مأمن، بعد الآن». فالولايات المتحدة، سواء كانت راغبة أو غير راغبة، خلال العشرين سنة الماضية، من خلال سلسلة من المغامرات العسكرية التي تم تصويرها بشكل سيىء وخاطئ إلى حد كبير، كشفت الحدود المأساوية لقوتها وقدراتها العسكرية والجيوسياسية، ولاحظ العالم ذلك. وبعيداً عن التبادل النووي، لا يمكن للولايات المتحدة أن تهزم روسيا أو الصين بشكل تقليدي في مواقعها الجغرافية المباشرة. إن القوة العظمى العسكرية – التي لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بها بالتأكيد – والتي لا تستطيع هزيمة أي قوة عظمى أخرى، هي بالكاد تجسيد جيد للمصطلحات العسكرية الفائقة التي تستخدمها لوصف نفسها».
ويرى أن إعلان أمريكا باستمرار عن نفسها على أنها كلية القدرة عسكرياً دون تقديم دليل مقبول عالمياً يثبت هذا القدر من القوة، فذلك لا يشكل حالة صحية لمثل هذه الادعاءات. وهذه ليست الطريقة التي تدار بها الأشياء في الواقع، كما هو الحال مع أي شيء في الحياة. يمكن لحملات الإعلان والدعاية أن تمضي بعيداً، وتصبح أقل فعالية بشكل متزايد كلما مر الوقت دون تقديم سجل إنجاز حقيقي. لكن المشكلة مع الجيش الأمريكي هي أعمق من ذلك….

 

روسيا العنيدة

 

خلال الحرب الجورجية-الروسية في أغسطس 2008، والتي شهدت محاولة من الدولة الجورجية للسيطرة على منطقة جنوب أوسيتيا الانفصالية والمؤيدة لروسيا والمستقلة بحكم الأمر الواقع، مما أدى إلى تدخل عسكري روسي. وصفت روسيا العمليات لجيشها الثامن والخمسين ب«فرض السلام بالإكراه». ويعلق الكاتب على ذلك: «إنه وصف اصطلاحي مناسب عندما نتذكر ما كان على المحك في ذلك الوقت. في الحقيقة، انتصر الروس في تلك الحرب، وأجبروا جورجيا، حقاً، على القبول بوضع سلمي أكثر. وفق فلسفة المنظر والكاتب العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، فإن روسيا قد حققت الهدف الأساسي من الحرب من خلال إجبار العدو على المضي وفق إرادتها، والتي كانت تهدف إلى إبقاء السلام والاستقرار في المنطقة. الروس، كما أظهرت الأحداث في السنوات ال19 الماضية، لم تعد لديهم أوهام حول إمكانية من أي نوع بشأن وسيط غربي متحضر مع الغرب مجتمعاً، أقله مع الولايات المتحدة التي تستمر في العيش ضمن فقاعتها التي تعزل فيها روسيا عن أي صوت خارجي من أصوات المنطق والسلام»، وفي نهاية تعليقه يقول: «السجل الأمريكي العسكري الكئيب خلال العقود القليلة الماضية لا يتطلب أي إسهاب خاص، لأنه سجل من الكوارث الإنسانية والعسكرية».
ويشير إلى أن كلمة فلاديمير بوتين في 1 مارس، 2018 أمام الجمعية الاتحادية الروسية لم تكن حول انتخابات روسيا الرئاسية المقبلة، كما يشير إلى ذلك العديد في الغرب المهووس بالانتخابات. بدلاً من ذلك، كانت كلمته محاولة لإجبار النخب الأمريكية بطريقة مماثلة، على الالتزام بالسلام، أو على الأقل الالتزام بشكل من العقلانية، بالنظر إلى أنها (أي النخبة) منفصلة تماماً عن الوقائع العسكرية، والجيوسياسية، والاقتصادية لتشكيلات القوى الجديدة الناشئة في العالم.
ويضيف: «كما كانت الحالة مع جورجيا في 2008، فإن توضيح بوتين لقوى الفرض الروسية كانت قائمة على القوة العسكرية، فبرغم العيوب الفعلية الموجودة، استطاع الجيش الروسي التخلص من القوة الجورجية المدربة أمريكياً والمجهزة بشكل جزئي في غضون خمسة أيام، فتكنولوجية الجيش الروسي وطواقمه، والفن العملياتي لديه كانت ببساطة أفضل بكثير. من الواضح أن مثل هذا السيناريو السريع وغير المؤلم بشكل نسبي غير ممكن بين روسيا والولايات المتحدة، ما لم يتم نسف الأسطورة الأمريكية عن التفوق التكنولوجي والانخراط العسكري المعد مسبقاً».

 

هل تنحدر الإمبراطورية؟

 

في ختام هذا العمل البحثي العميق والدقيق يقول الكاتب إنه «لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة دولة عظمى ويوجد بين شعبها نوابغ بشكل حقيقي. إنها دولة قوية وقوة عظمى مع تاريخ قصير لكنه ساطع. ولا يزال رواد الأعمال وعمالقة التكنولوجيا الأمريكيون يبهرون العالم كل يوم. لكن في الواقع، هناك انحدار حقيقي لكل ذلك، إنه تعفن حقيقي يصبح أكثر وضوحاً مع مرور كل يوم. وقد سبق أن حدث هذا الأمر مع إمبراطوريات أخرى، أبرزها وأحدثها الإمبراطورية البريطانية العظمى.
ويقول:»اليوم، نلاحظ المستوى الكارثي لحالة الابتعاد عن التصنيع في الولايات المتحدة، مع عدم تعافي أهم المراكز في الولايات المتحدة من أزمة 2008، أو عندما نرى أن الأزمة الأفيونية تضرب المدن الأمريكية، أو عندما نحصي العدد الحقيقي للناس الذين لا يزالون عاطلين عن العمل، أو كانوا في السابق من دون عمل، نضطر إلى تذكر مصير أم أمريكا: الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، وكيف أن السيناريو ذاته يتكرر، مع بعض التعديلات، أمام أعيننا في الولايات المتحدة.
لكن إذا كان الرحيل البريطاني من العظمة متوارياً ضمن الأحداث المؤثرة في الحرب العالمية الثانية، ومع اعتبار الانسحاب من قناة السويس ختاماً قانونياً لها، فإن الرحيل الأمريكي يهدّد بإعلان حرب عالمية نووية حرارية، والتي يمكن أن تبيد الحضارة الإنسانية برمتها، وهذه عاقبة يجب منعها بكل السبل الممكنة».

 

نبذة عن الكاتب

 

أندريه مارتيانوف خبير في القضايا العسكرية والقوات البحرية الروسية. ولد في باكو، اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية في عام 1963. تخرج من أكاديمية (Kirov Naval Red Banner)، وشغل منصب ضابط في موقع سفن وطاقم خفر السواحل السوفييتية حتى عام 1990. شارك في الأحداث في القوقاز التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي. في منتصف تسعينات القرن الماضي، انتقل إلى الولايات المتحدة حيث يعمل حالياً كمدير مختبري في مجموعة طيران تجاري. وهو مدون على مدونة معهد البحرية الأمريكية باستمرار.

 

 

 

اليابان في القرن الأمريكي

 

لم تتأثر أي دولة بصعود الولايات المتحدة إلى القوة العالمية أكثر من اليابان، فقد أدت سياسة الرئيس فرانكلين روزفلت المتشددة المتمثلة في الاستسلام غير المشروط إلى النهاية الكارثية لحرب آسيا والمحيط الهادئ. يعاين هذا الكتاب كيفية استجابة اليابان، بتراثها المحافظ، إلى السياسة الأمريكية في فرض نظام ليبرالي جديد عليها، ويتناول التطورات الحاصلة على السياسة الخارجية اليابانية في القرن الواحد والعشرين.
كان الثمن الذي دفعته اليابان لإنهاء الاحتلال الأمريكي هو تحالف الحرب الباردة مع الولايات المتحدة الذي ضمن هيمنة أمريكا في المنطقة. ورغم أن اليابان ما تزال تعاني صدمة بسبب تجربتها في زمن الحرب، إلا أنها طورت استراتيجية كبيرة من الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية حتى تتمكن الدولة من التركيز على النمو الاقتصادي. لكن منذ البداية، وعلى الرغم من التوقعات الأمريكية، أعادت اليابان العمل بالإصلاحات الأمريكية لتلائم ظروفها الخاصة وتفضيلاتها الثقافية، مشكلة بذلك الاختلافات اليابانية بشكل واضح ومميز في الرأسمالية والديمقراطية والمؤسسات الاجتماعية.

اليوم، مع تراجع النظام العالمي ما بعد الحرب، اليابان تمر بتغيير جوهري في سياستها الخارجية، لتعود إلى دور نشط ومستقل في السياسة العالمية لم تشهدها منذ عام 1945. مع قضائه فترة طويلة في أبحاثه عن اليابان والولايات المتحدة، يقدّم كينيث بايل تاريخاً مدروساً لعلاقة البلدين في وقت تتغير فيه طبيعة هذا التحالف. فقد بدأت اليابان تتخلص من القيود التي فرضت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، مع تداعيات على علاقاتها مع الولايات المتحدة ودورها في الجغرافيا السياسية الآسيوية.
يأتي الكتاب في 472 صفحة من القطع المتوسط، صادر عن مطبعة جامعة هارفارد (15 أكتوبر، 2018) ويتكون من 11 فصلاً بعد مقدمة بعنوان «ألفة غير طبيعية»، والفصول هي: 1 قوتان صاعدتان. 2 سياسة الاستسلام غير المشروط. 3 قرار استخدام القنبلة الذرية. 4 ثورة أمريكية في اليابان. 5 تبعية اليابان. 6 لأجل روح اليابان. 7 تحالف غريب. 8 الرأسمالية المنافسة. 9 المجتمع الياباني غير المتقارب. 10 الديمقراطية في اليابان. 11 اليابان في شفق القرن الأمريكي.

فرض الهيمنة الأمريكية

يبدأ الكتاب مع القضية المركزية في خصومتهما، وهي الرؤى المتباينة بشكل كبير حول كيفية فرض النظام في منطقة آسيا-المحيط الهادئ. وهذه الخصومة متشابهة بطريقة ما للتنافس الصيني-الأمريكي في أوائل القرن الواحد والعشرين، فكلا البلدين أراد نظاماً إقليمياً يتطابق مع قيمه ومصالحه. بعد الحرب العالمية الأولى، أسست الولايات المتحدة نظاماً متعدد الطبقات قصير المدى بهدف احتواء الأهداف التوسعية اليابانية على حساب الصين الضعيفة والمنقسمة. هذا النظام المليء بالعيوب بقيادة الولايات المتحدة، والذي عمل على ترسيخ المبادئ الليبرالية لتقرير المصير، والتجارة الحرة (الباب المفتوح)، وتقييد الأسلحة البحرية، والأمن الجماعي، فشل في تقديم أي آلية إلزام. واليابان، كأول قوة صاعدة في آسيا ومتعارضة في قيمها مع الحضارة الغربية – قبل ظهور القوة الحالية في زمننا – سرعان ما أصبحت في حالة من التحدي مع الولايات المتحدة. فاليابان اعتبرت أنها أثبتت أن إنجازات حضارتها يمكن أن تطرد القوة الغربية، وتشكل نظاماً آسيوياً جديداً. وفي الحقيقة أثارت خصومتهما لتحديد نظامين إقليميين، نيران الأخطاء والتفسيرات الخاطئة، التي كثفها الشعور القومي المتفشي، والحقد العرقي، مما أفضى إلى أكبر صراع شهدته آسيا عبر تاريخها.
في الحرب العالمية الثانية، في أعقاب الهجوم الياباني على بيرل هاربر، شنت الولايات المتحدة حملة لتخليص العالم من الفاشية والنزعة العسكرية، ولم تكن مدفوعة فقط بالأهداف المحددة للمصلحة الوطنية، بل أيضاً بالإرادة لأجل إنشاء سلام دائم، والرئيس فرانكلين روزفلت أصر على اتباع سياسة الإخضاع غير المشروط للقوى الفاشية، لكي يمتلك مطلق الحرية في تأسيس نظام عالمي مركزه الولايات المتحدة. ولكن حكمة سياسة الاستسلام غير المشروط كما كانت مطبقة في حرب آسيا-الباسيفيك هي محل شك.
كانت الحرب العالمية الثانية هي الحرب الخارجية الوحيدة التي شنتها أمريكا لتحقيق الاستسلام غير المشروط. في كل حرب كان يتم السعي إلى مفاوضات سلام، لكن ببساطة بدلاً من أن يدفع الأمريكيون اليابانيين للعودة إلى حدودهم الأصلية، طالبوا بحقهم في إعادة تشكيل وصناعة اليابان من الجذور إلى الأغصان. وجاء تطبيق سياسة الاستسلام غير المشروط على حساب الحياة البشرية، حيث لحق بها الدمار. وقد مهدت المقاومة الأخيرة للقادة اليابانيين، الطريق أمام نهاية كارثية للحرب التي طالت، ودفعت إلى معركة أوكيناوا العنيفة، وقصف أكثر من ستين مدينة يابانية، ولجوء الأمريكيين إلى استخدام القنبلة الذرية في هيروشيما وناغازاكي.

تحالف أمريكي – ياباني

 

خلقت الولايات المتحدة مؤسسات دولية جديدة لأجل الحرب الباردة. وفي آسيا، كان هناك التحالف الياباني-الأمريكي. فاليابان كانت تابعة لنظام الحرب الباردة الأمريكي بشكل واضح. فقد أبدع يوشيدا شيغيرو، الذي شغل موقع رئيس الوزراء الياباني في المرة الأولى (1946-1947) والمرة الثانية (1948-1954)، في قبول التحالف العسكري مع الولايات المتحدة على المدى الطويل، وسمح بإنشاء القواعد الأمريكية في بلاده مقابل إنهاء الاحتلال. وهذا التحالف وضع اليابان إلى جانب الولايات المتحدة في الصراع ضد الكتلة السوفييتية، وشكّل بشكل مؤثر سياق اليابان ما بعد الحرب الباردة. وعلى الرغم من أن الاحتلال انتهى بشكل رسمي في 1952، إلا أن وزير الخارجية جون فوستر دالاس وصف بشكل خاص أن التحالف، في الواقع، أشبه ما يكون باستمرار للاحتلال.
ويشير الكاتب إلى أن التحالف أصبح متناقضاً وملتوياً، مفتقداً إلى الهدف المشترك. بالنسبة للأمريكيين، أصبح وسيلة للتحكم بالسياسة الخارجية اليابانية، ضامناً أن اليابان لن تختار الحيادية في الحرب الباردة، كما تسمح بوجود القواعد العسكرية الأمريكية التي تعد حاسمة جدا في العقيدة الأمريكية للانتشار والتوسع أكثر. والقادة اليابانيون وجدوا بنجاح طرقاً للتأقلم مع خضوعهم للنظام الأمريكي في الحرب الباردة. كما صاغوا استراتيجية فريدة في السعي إلى مصالحهم الاقتصادية في الوقت الذي أذعنوا فيه بشكل سلبي للهيمنة العسكرية والسياسية الأمريكية. ومن خلال الاعتماد على الضمان الأمني الذي قدمته القواعد الأمريكية، وعلى المساعدة الأمريكية السخية، والتكنولوجيا، والوصول إلى الأسواق، كرّس اليابانيون مصادرهم وجهودهم لبناء قوة اقتصادية استعادت لليابان الهيبة والتأثير الدوليين، في حين وجهت انخراطها النشط في صراعات الحرب الباردة لصالح الولايات المتحدة.

الحداثة اليابانية

 

ومن جهة أخرى يقول الكاتب إن اليابانيين دخلوا في صراع طويل لإعادة صياغة المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الليبرالية المفروضة من الولايات المتحدة لكي تتلاءم مع ظروفها التاريخية وتفضيلاتها الثقافية. على الرغم من ثقة الأمريكيين بعالمية قيمهم، واعتقادهم أن التقدم سوف يدفع باليابان لتواكب نموذج المؤسسات الأمريكية، إلا أن اليابان التزمت بسياق مختلف، وصاغت طريقها الخاص إلى الحداثة. فبدلاً من تبني مبادئ الاقتصاديات الكلاسيكية وقوانين السوق الحرة والمؤسسات التي أنشأها الاحتلال، قام الاقتصاديون اليابانيون بصياغة استراتيجية اقتصادية ذكية للاستفادة من مبادئ التجارة الحرة للنظام الاقتصادي الدولي الجديد. وهذا دفعهم ليصلوا باقتصادهم إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة، وأصبحت نموذجاً للدول الصاعدة اقتصادياً، وتحدياً للنموذج الاقتصادي الليبرالي، كما قادت إلى الصراعات التجارية اليابانية-الأمريكية الثنائية.
يجد الكاتب أنه رغم التدخل الأمريكي لإعادة بناء الاقتصاد السياسي والمجتمع وفقاً للقيم الغربية الليبرالية، إلا أن اليابان في الوقت نفسه احتفظت بالنظام المحلي الفريد الخاص بها، حتى إن كانت تستوعب ببطء العملية الديمقراطية. فثقل الثقافة اليابانية وتاريخها لا يمكن أن يلغى بنمط عالمي مفترض من التطور.
ويشير الكاتب إلى أنه مع بدايات القرن الواحد والعشرين، بدأ النظام الدولي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة في التآكل، وأن فترة الهيمنة الأمريكية الاستثنائية لليابان ما بعد الحرب أصبحت تختفي. ففي آسيا، باتت القوة في تغير متواصل بشكل لم يسبق له مثيل، إذ إنها تنتقل بسرعة إلى القوى الصاعدة الجديدة في المنطقة، فإطار القواعد والمؤسسات التي أنشئت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تشهد تحدياً من قبل الصين، لأنها أصبحت عتيقة الطراز، ولا تعكس التوزيع المتغير للقوة الدولية.
ويضيف: «النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة يخضع لتغيرات أصيلة في الطرق التي يتم فيها اختبار التفوق الأمريكي في منطقة آسيا-الباسيفيك، وتخلق علاقة تبادلية أكثر وجديدة مع اليابان تكون حاسمة للاستراتيجية الأمريكية للإبقاء على قدرتها للقيادة. بالاستجابة إلى مستقبل غير محدد للنظام الإقليمي، تخضع اليابان إلى تغير عميق في سياستها الخارجية، فقادتها أعادوا تفسير دستورهم ليسمح لهم بالدفاع الجماعي، وأسسوا بنية تحتية للأمن القومي، وتبنوا سياسة خارجية استفزازية. بكلمات رئيس وزرائها القومي، شينزو آبي في 2013:«اليابان عائدة». في 2016، عندما كان شينزو آبي يحضر نفسه لزيارة مصالحة تاريخية إلى النصب التذكاري الحربي في بيرل هاربر، وذلك رداً على زيارة أوباما قبل شهور إلى هيروشيما، قال آبي: (أود أن أبيّن أن«عصر ما بعد الحرب»قد وصل إلى نهاية كاملة)».

صياغة تحالف جديد

 

على مدى الفترة الطويلة ما بعد الحرب – يرى الكاتب – أن كلاً من اليابان والولايات المتحدة اقتربا من بعضهما في نموذجهما الخاص بهما. فقد أخذت الرأسمالية التطورية لليابان طريقاً مختلفاً بشكل مميز عن رأسمالية السوق الحرة الأمريكية، لكن مع تحقيق هدفها في اللحاق بالركب، تبنت اليابان أشكالاً أكثر للاقتصادات الليبرالية. وبالطريقة ذاتها، تقدمت الديمقراطية اليابانية عبر مراحلها الخاصة، حيث إن الأشكال الديمقراطية اكتسبت تأثيراً أكبر، ولو أنها على طريقة يابانية واضحة. وأيضاً، وجد المجتمع الياباني انفتاحاً أكبر على أشكال جديدة من الفردانية من النمط الياباني.
باختصار، ببطء وعلى مراحل، تغيرت اليابان بطرق تبدو أنها تردم درجة الاختلاف بين المجتمع الأمريكي والياباني، حتى أن أمريكا نفسها تتغير. واليابان، على أي حال، تبقى اليابان. ولا تزال مسألة إذا ما كان سيحدث التقاء أكبر في المستقبل بين الجانبين غير واضحة.
ويقول في خاتمة الكتاب: «اليوم نشترك كأمريكيين مع اليابانيين بعديد الأشياء أكثر مما مضى، وبالتالي يمكن أن نأمل في تشكيل نظام عالمي جديد ومستقر يعكس قيمنا الليبرالية، ويحافظ على السلام عبر توازن حيوي للقوة. وأي تشكيل لنظام تشاركي مع شرعية سوف يتطلب استراتيجية طويلة المدى تتسم بالصبر، من شأنها أن تبدأ مع فهم الواقع الناشئ الذي يبين أن آسيا سوف تكون منطقة الحداثات المتعددة».

الكاتب في سطور:

– كينيث بايل أستاذ كرسي هنري إم جاكسون للتاريخ والدراسات الآسيوية في جامعة واشنطن، والرئيس المؤسس للمكتب الوطني للبحوث الآسيوية. وهو مؤلف ومحرّر للعديد من الكتب حول اليابان الحديثة وتاريخها، وفي إحدى الكتب اشترك في تأليفها مع مايكل أرماكوست، السفير السابق في اليابان. من عام 1978 إلى عام 1988 كان الدكتور بايل مديراً لكلية هنري م. جاكسون للدراسات الدولية في جامعة واشنطن. وقد عينه الرئيس بوش الأب لرئاسة لجنة الصداقة بين اليابان والولايات المتحدة (1992-1995)، وهي وكالة فدرالية تدير صندوقاً بقيمة 50 مليون دولار لدعم الدراسات اليابانية في الولايات المتحدة والدراسات الأمريكية في اليابان. وفي الوقت نفسه، شغل منصب الرئيس المشارك لمؤتمر الولايات المتحدة واليابان بشأن التبادل الثقافي والتربوي، وهي المنظمة الثنائية الرسمية للإشراف على العلاقات الثقافية والتعليمية بين البلدين.
تخرج الأستاذ بايل من أكاديمية فيليبس، وأندوفر (1954)، وحصل على شهادة البكالوريوس من كلية هارفارد (1958)، وشهادة الدكتوراه من جامعة جونز هوبكنز (1965). حصل على زمالة مؤسسة فورد في المركز المشترك بين الجامعات للدراسات اليابانية في طوكيو (1961-1964). في عام 1999، قامت حكومة اليابان بتقليده بأهم وسام في الإمبراطورية، وهو وسام الشمس المشرقة، لمساهماته في المنح الدراسية والتبادل الثقافي بين البلدين.

ترجمة : نضال إبراهيم