«نيويورك تايمز»: هل حقًّا يمكنك أن تثق في معلومات «جوجل» الطبية

 

يقول المثل إنَّ «درهم وقايةٍ خيرٌ من دينار علاج»، وربما كان هذا هو أحد أسباب لجوء الناس إلى الإنترنت للحصول على معلوماتٍ تتعلَّق بأعراض الأمراض التي يُعانونها وعلاجاتها، فضلًا عن سرعته ومجَّانيته بالطبع.

لكنَّ الإنترنت مساحةٌ مفتوحةٌ للجميع، وليس هناك ما يمنع البعض من إضافة معلوماتهم الخاطئة إليه. وفي حالة المعلومات الطبية؛ ربما تُشكِّل تلك المعلومات خطرًا جمًا على حياتك، بحسب حيدر واريك، طبيب أمراض القلب، الذي ألقى الضوء على ذلك الخطر في مقالٍ  نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

يشير حيدر إلى قصةٍ حدثت خلال أحد صفوف اليوجا. حيث شَعَرَت سيدةٌ ما بسحبةٍ غريبةٍ في رقبتها وشعورٍ غير مألوفٍ بالنسبة لها. واقترح صديقها أن تُسرع إلى غرفة الطوارئ. فاتضح أنَّها كانت تُعاني نوبةً قلبية.

يُوضح الطبيب أنَّ حياة السيدة لم تَكُن مُتوافقةً مع الصورة النمطية لشخصٍ يُحتمل أن يُصاب بنوبةٍ قلبية. إذ كانت تُمارس الرياضة وتهتم بتغذيتها، ولا تدخن السجائر. لكن بمراجعة تاريخها الطبي، وجد حيدر أنَّ مستوى الكوليسترول لديها مُرتفعٌ للغاية. كان طبيب قد وصف لها أحد أدوية الستاتينات لخفض الكوليسترول، لكنَّها امتنعت عن تناول الدواء بسبب الأشياء المُرعبة التي قرأتها عن الستاتينات على الإنترنت. لقد كانت واحدةً من ضحايا داء المعلومات الطبية الخاطئة الذي سيتحول قريبًا إلى أحد الأوبئة المعاصرة.

في حين حظيت المعلومات الزائفة بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام في السياسة، يرى حيدر أنَّ المعلومات الطبية المُضلِّلة يُمكن أن تُوقع عددًا أكبر من الضحايا. وكما هو الحال مع الأخبار الكاذبة عمومًا، تميل الأكاذيب الطبية للانتشار أكثر من الحقائق على الإنترنت، ولها تداعياتٌ شديدة الخطورة.

يُشير حيدر في هذا الصدد إلى الدراسات العديدة التي أظهرت أنَّ فوائد الستاتينات تتخطى مخاطرها بمراحل، وخاصةً بالنسبة للأشخاص الأكثر عرضةً للإصابة بالأمراض القلبية. لكنَّ تلك العقاقير تتعرض للهجوم على الإنترنت بواسطة مجموعةٍ متنوعةٍ من المهووسين والأشخاص الذين يبيعون علاجاتٍ بديلة، وأولئك الذين يرغبون فقط في زيادة أعداد المشاهدات والإعجابات. وتُبالغ العديد من صفحات الإنترنت ومنشورات الشبكات الاجتماعية في عرض المخاطر النادرة، وتسليط الضوء على مزاعمَ لا أساس لها، بدايةً من التأكيد على أنَّ الستاتينات تُسبِّب السرطان، ووصولًا إلى اقتراح أنَّ الكولسترول المُنخفض هو أمرٌ سيئٌ لصحتك في الواقع. ووجدت دراسةٌ أُجريت عام 2016 أنَّ التقارير التي تقارن بين مخاطر وفوائد الستاتينات بصورةٍ مُبسَّطة ترتبط بتوقف المرضى عن تعاطي العقاقير المُخفِّضة للكولسترول، وهو الأمر المُرتبط بارتفاع نسبة الإصابة بالنوبات القلبية

 

ويُمكن أن تُؤدي المعلومات الطبية الكاذبة إلى تعريض المرضى لآثارٍ جانبيةٍ أكبر نتيجة «تأثير نوسيبو». إذ يوضح حيدر أنَّ المرضى يستفيدون في بعض الأحيان من التدخُّل الطبي نتيجة قناعتهم بجدواه، ويُعرف هذا بـ«تأثير البلاسيبو». أما تأثير «نوسيبو» فهو عكس ذلك. إذ يُمكن أن يُعاني المرضى تأثيرًا جانبيًا لمجرد أنَّهم يتوقَّعون ذلك. وهذا حقيقيٌ للغاية في ما يتعلَّق بالستاتينات. ففي التجارب المُعماة، لا تزيد احتمالية شعور الأشخاص الذين يتعاطون الستاتينات بآلامٍ عضليةٍ عن الأشخاص الذين يتعاطون العلاج الوهمي. لكن في التجارب السريرية، أبلغ قرابة خُمْسِ المرضى الذين يتعاطون الستاتينات عن آثارٍ جانبية قادت كثيرًا منهم للتوقف عن تعاطي العقار، وفقًا لإحدى الدراسات.

ويشير حيدر إلى عنصرٍ آخر مهم على قائمة المعلومات الطبية الكاذبة، وهو اللقاحات. إذ عُثِرَ مؤخرًا على جثة عالم أوبئةٍ في مراكز مكافحة الأمراض واتقائها في الولايات المتحدة بجوار ضفة نهر في أعقاب إثارته للمخاوف بشأن لقاح الإنفلونزا، وفقًا لتقريرٍ مُضلِّلٍ انتشر انتشارًا كبيرًا. وفي الشهر الماضي، كرَّر مارك جرين، عضو الكونجرس المُنتخب حديثًا والطبيب المُقيم في ولاية تينيسي، الكذبة المُفنَّدة عن أنَّ اللقاحات يُمكن أن تُسبِّب الإصابة بالتوحُّد (وقال لاحقًا إنَّ تعليقاته «أُسيء فهمها»).

وأدَّت المخاوف الكاذبة عن أنَّ لقاح فيروس الورم الحليمي البشري يُسبِّب نوباتٍ وآثارًا جانبيةً أخرى إلى تقليل نسب التغطية في اليابان من 70% إلى أقل من 1% خلال السنوات الأخيرة. ويتعرَّض الأطباء الذين يُوفِّرون لقاح شلل الأطفال في باكستان لهجماتٍ مُتكرِّرة من المسلحين لأنَّهم يعتقدون أنَّ اللقاح مُعَدُّ لإصابة السكان المحليين بالعُقم.

ويُوضح حيدر أنَّ السرطان يُعَدُّ من الأهداف الكبرى الأخرى بالنسبة لمن ينشرون المعلومات الطبية المُضلِّلة، وكثيرٌ منهم يكسبون قوتهم من العلاجات البديلة. تقرأ في إحدى تلك التقارير الإخبارية الكاذبة التي أشار لها حيدر: «رغم أنَّ الكثيرين يعتقدون أنَّ الأورام السرطانية سيئة، لكنَّها في الواقع الطريقة التي يُحاول بها جسدك احتواء الخلايا الضارة. فضلًا عن أنَّ التدخُّل الجراحي يزيد من خطر انتشار الخلايا الضارة. ويلزم الحذر من أنَّ الأدوية الموصوفة طبيًا تجعل الجسد حامضيًا، مما يزيد الطفرات الخلوية التي لا يُمكن التحكُّم بها».

وأشار حيدر إلى دراسةٍ أخرى أُجريت عام 2017، ووجدت أنَّ مرضى السرطان الذين يلجأون إلى علاجاتٍ بديلةٍ مثل الحمية الغذائية والأعشاب والمُكمِّلات الغذائية عوضًا عن العلاجات التقليدية تزيد احتمالية وفاتهم بنسبة 2.5%. ويرى الكاتب أنَّ الأشخاص الذين ينصحون المرضى بالعدول عن استخدام العلاجات القائمة على الأدلة أياديهم مُخضَّبةٌ بالدماء، لأنَّهم استغلوا مخاوف الناس.

ورغم سعي الأطباء والممرضين المحموم لإثناء مرضاهم عن اللجوء إلى الإنترنت من أجل الحصول على إجابات، فإنَّ المرضى مستمرون في البحث عن أعراضهم وأدويتهم على جوجل، لأنَّ الإنترنت لا يتطلَّب موعدًا مسبقًا وانتظارًا طويلًا، ولا يتعجَّل ولا يحكم عليك ولا يحتاج إلى مبلغٍ كبيرٍ من المال، فضلًا عن أنه يُقدِّم معلوماتٍ يسهُل فهمها.

 

ويُؤكِّد حيدر على أهمية أن تعترف شركات وادي السيليكون بهذه المشكلة، ويرى ضرورة تحميل مُحركات البحث ومنصات الشبكات الاجتماعية ومواقع الإنترنت المسؤولية عن ترويج واستضافة المعلومات الكاذبة؛ لأنَّ صحة البشر على المحك

 

ويعتقد حيدر أنَّ المجتمع العلمي ينبغي له أن يؤدي دوره في تثقيف العامة بشأن المفاهيم الرئيسية في الأبحاث، مثل الفارق بين الدراسات القائمة على الملاحظة والتجارب المنضبطة العشوائية. ويضيف أيضًا أنَّ الشفافية تُعَدُّ أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على ثقة العامة، وتقارير مثل التقرير الذي نُشر عن باحثي معاهد الصحة الوطنية، الذين تواطؤوا وحصلوا على تمويل من شركة كحولياتٍ كُبرى مقابل دراسةٍ عن فوائد تناول الكحول باعتدال، تُثبِت مدى سهولة تقويض تلك الثقة.

 

وفي نهاية حديثه، يحُثُّ حيدر الصحفيين على تأدية وظيفتهم بطريقةٍ أفضل في ما يتعلَّق بنشر المعلومات الدقيقة. إذ تميل المواقع الإخبارية إلى تغطية الدراسات المشوقة عوضًا عن التجارب المُنضبطة المعمَّاة، لأنَّه من المستبعد أن تخرج الأخيرة بنتائجَ مفاجئة. ويُبالغ هذا النوع من التغطية في تقدير الفوائد، التي تدَّعي على سبيل المثال أنَّ الستاتينات يُمكنها أن تُعالج السرطان أو تساعد الرجال على زيادة الانتصاب، فضلًا عن أنَّها تُبالغ في التأكيد على المخاطر المُحتملة، مثل افتراض وجود رابطٍ مُضلِّلٍ بين العقار ومرض الخرف. (ورغم أنَّ عددًا قليلًا فقط من الناس ظهرت عليهم أعراض فقدان الذاكرة المُؤقت إثر تعاطي الستاتينات، لم تتوصَّل أي تجربةٍ منضبطةٍ معمَّاة إلى وجود ارتباطٍ بين العقار والإعاقات الإدراكية مثل الخرف).

لكنَّ حيدر يوضح أنَّ تقديم الحقائق الطبية ربما لا يكون كافيًا لحل تلك المشكلة. إذ يُمكن أن يؤدي تحدِّي المفاهيم الطبية الخاطئة لدى المريض إلى عنادهم وإيمانهم بصدق معتقداتهم. وليُقنع حيدر مريضته أنَّ تعاطي الستاتينات يصُبُّ في مصلحتها، شرح لها الأسباب الطبية، وقصَّ عليها قصةً شخصية: إثر إصابة والده بنوبةٍ قلبية، طلب حيدر من أطبائه منحه الستاتينات بأعلى جرعةٍ مُمكنة. وأوضح لها أنَّ الستاتينات لا تضمن عدم تعرُّضه لنوبةٍ قلبيةٍ أخرى، لكنَّه أراد أن يتمتَّع والده بأفضل حياةٍ ممكنة. وحينها فقط وافقت على أخذ الوصفة الطبية.

ويُشدِّد حيدر على أنَّ الفوز بمعركة المعلومات يتطلَّب أن يقدم الأطباء والباحثون العلم في صورة قصص. وهذا هو السبيل الوحيد لرأب الصدع بين الطب والجموع، وهو الصدع الذي يستغلُّه حاليًا تُجَّار المعلومات الطبية المُضلِّلة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *