الشركات تصنع القرار الأمريكي

لا يخفى على الكثيرين في أمريكا، وخارجها، أن السياسة الأمريكية تخضع إلى حد كبير، للشركات الكبرى المتحكمة في الاقتصاد الأمريكي، وكثيراً ما تفرض هذه الشركات سياسات تدعم مصالحها على حساب مصالح الشعب. ويناقش هذا الكتاب كيفية صناعة القرار السياسي عبر تأثير هذه القوة المفصلية في المجتمع الأمريكي، وكيف يعمل السياسيون القادمون لأجل تحقيق التغيير على خلق حالة التوازن بين مصالح الشعب، وأصحاب الأعمال.
ليس سراً أن «1%» – النخبة التجارية التي تسيطر على أكبر الشركات والشبكة المتصلة بها من المؤسسات العامة والخاصة – تمارس سيطرة هائلة على الحكومة الأمريكية. في حين تُعزى هذه السيطرة عادة، إلى تبرعات الحملات وكسب التأييد، ويجد هذا الكتاب أن قوة الشركات تنبع من السيطرة على الموارد الاقتصادية التي تعتمد عليها الحياة اليومية.
ويذكر المؤلفون أنه يجب أن يسعى المسؤولون الحكوميون باستمرار لإبقاء الرأسماليين سعداء، خشية من «إضراب رأس المال» – أي رفض الاستثمار في صناعات أو مواقع معينة، أو نقل ممتلكاتهم إلى بلدان أخرى – وبالتالي فرض مشقة مادية على مجموعات معينة، أو الاقتصاد ككل. لهذا السبب، حتى السياسيين الذين لا يعتمدون على الشركات لتحقيق نجاحهم الانتخابي، يجب عليهم تجنب انقطاع استثمار الشركات.
يوثق الكتاب القوة المنتشرة للشركات والمؤسسات الأخرى على صنع القرار في تجمعات كبيرة لرأس المال، ولا سيما «البنتاجون». كما يُظهر أن أكثر حركات الإصلاح نجاحاً في تاريخ الولايات المتحدة الحديث – من أجل حقوق العمال والحقوق المدنية وضد الحروب الإمبريالية – قد نجحت من خلال الاستهداف المباشر للشركات، وغيرها من الخصوم المؤسسيين الذين بدأوا واستفادوا من السياسات القمعية. وعلى الرغم من أن معظم الحركات الاجتماعية اليوم تركز على الانتخابات والسياسيين، فإن حركات «99%» تكون أكثر فاعلية عندما تفرض تكاليف مباشرة على الشركات والمؤسسات الحليفة لها. وهذه الاستراتيجية هي أيضاً أكثر ملاءمة لبناء حركة جماهيرية ثورية يمكن أن تحل محل المؤسسات الحالية ببدائل ديمقراطية.

 

في عام 1931، أعرب الفيلسوف جون ديوي، عن أسفه لأن «السياسة هي الظل الذي تلقيه الشركات الكبرى على المجتمع». الحكومة بشكل عام، هي صدى «وفي بعض الأحيان شريك مباشر» لمصالح الشركات الكبرى. اليوم، كما في زمن ديوي، تعتبر سيطرة الشركات الكبرى على الحكومة الأمريكية سراً مكشوفاً. لدينا مؤسسات ديمقراطية رسمياً، لكن 1% يمارسون سيطرة واضحة على صنع السياسات الحكومية. وفي السنوات التي أعقبت الانهيار الاقتصادي في عام 2008، اتفق نحو الثلثين على أن استجابة الحكومة قد أفادت «البنوك والمؤسسات المالية الكبيرة» و«الشركات الكبيرة والأثرياء»، وأن بقية السكان قد استفادوا «ليس كثيراً»، أو «لم يستفيدوا على الإطلاق».
إن الانتقادات تجاه الأثرياء – حكم الأغنياء – ليست جديدة. فلطالما شجب الماركسيون واللاسلطويون (الأناركيون) تأثير الرأسماليين في الحكومة. وكان بعض الليبراليين، مثل ديوي، أعربوا عن انتقادات مماثلة تعود على الأقل إلى شكوى آدم سميث في عام 1776 من أن «التجار والمصنعين» في إنجلترا كانوا «المهندسين الرئيسيين للسياسة الاقتصادية ومصالحهم» التي يتابعها السياسيون بعناية. ويدعم التاريخ وجهة نظر ديوي. فقد واجهت الحكومات المنتخبة بتفويض تقدمي قوي، من تشيلي في سبعينات القرن الماضي إلى فنزويلا، واليونان، مؤخراً، اضطراباً اقتصادياً هائلاً، وغالباً انقلابات عسكرية؛ عندما تشكل إصلاحاتها تهديداً لمزايا وامتيازات الرأسماليين. وكان الإصلاحيون الأقل طموحاً، مثل باراك أوباما، تسببوا أيضاً بغضب قطاع الأعمال، على الرغم من بذلهم جهوداً هائلة لاستيعاب مصالح الشركات.

لماذا الأعمال قوية جداً؟ يعزو معظم المحللين نفوذها السياسي إلى التبرعات الانتخابية، وكسب التأييد. لكن تمويل الحملات الانتخابية هو مجرد وسيلة واحدة تؤثر بها الأعمال التجارية في الحكومة. ويرى المؤلفون أن المشكلة تذهب إلى ما هو أبعد من المال في السياسة، إلى هيكل الاقتصاد ذاته. وتنبع القوة السياسية للبنوك والشركات في نهاية المطاف من القوة التي تمارسها على الاقتصاد نفسه. إنهم يتحكمون في معظم الموارد الحيوية التي يعتمد عليها المجتمع، بما في ذلك رأس المال الاستثماري، (وبالتالي الوظائف والقروض)، إضافة إلى الغذاء، والنقل، والطب، وخدمات الرعاية الصحية، وأشياء أخرى لا حصر لها.
يقول المؤلفون: «أقوى سلاح للبنوك وأرباب العمل هو الإضراب الرأسمالي: سحب رأس المال الاستثماري من قطاع أو أكثر من قطاعات الاقتصاد، أو «سحب الاستثمار» في شكل تسريح العمال، أو نقل الأموال إلى الخارج، أو تحويل رأس المال المالي إلى الخارج، وتشديد الائتمان وغيرها من التدابير التخريبية. ويمكن تنفيذ هذه الإجراءات من قبل الشركات الفردية أو الصناعات بأكملها، أو عندما يتخذ كبار المستثمرين قراراً جماعياً بعدم الاستثمار.
ويضيفون: «إن حجب رأس المال لا يمثل دائماً إضراباً متعمداً من قبل الرأسماليين لأغراض سياسية، فقد يسحب الرأسماليون الاستثمار لمجرد ظروف السوق، مثل انخفاض الطلب على منتجاتهم، كما يحدث عندما يقطع صانعو السيارات الإنتاج ويسرحون العمال عندما ينخفض ​​الطلب على سيارات معينة. ويتميز إضراب رأس المال عن هذه الحالات «العادية» لسحب الاستثمارات من قبل الرأسماليين الذين يطالبون بتغيير سياسة الحكومة، ووعودهم بأن التغييرات الإيجابية ستجلب استثمارات جديدة، أو متجددة. بعبارة أخرى، يشكل سحب الاستثمار إضراب رأس المال عندما يكون حجب رأس المال مصحوباً بوعد بالاستثمار، مقابل خدمات من الحكومة. ونظراً لأن الأعمال تتحكم في معظم الموارد التي نعتمد عليها جميعاً، يجب على المسؤولين الحكوميين إرضاء الرأسماليين باستمرار حتى يواصلوا استثمار هذه الموارد بشكل منتج».
ويؤكدون أن «الحكومات الأكثر جرأة فقط هي على استعداد لإكراه الرأسماليين على الاستثمار، لأن القيام بذلك عادة ما يدعو إلى إضرابات رأسمالية أعمق، ويؤدي إلى عرض يجب على الدولة فيه إما مصادرة المشاريع الخاصة، (متحدية الاتهامات بالاستبداد)، وإما الاستسلام للحكومات في كل مكان، وبالتالي تستثمر طاقة كبيرة وموارد عامة لدرء السخط من قبل المديرين التنفيذيين والمستثمرين الغاضبين».

تستخدم الأعمال مجموعة من الأدوات اليومية إلى جانب إضراب رأس المال. لديها موارد هائلة لإنفاقها على الحملات الانتخابية، وتبرعاتها تفوق تلك التي تقدمها جميع الفئات الأخرى في المجتمع في عملية صنع السياسات. يفعلون ذلك، أولاً، من خلال ضمان انتخاب المرشحين الودودين في مجال الأعمال. وفي بعض الأحيان يأتي المرشحون مباشرة من عالم الأعمال، وأحياناً لا.ويخضع جميع المرشحين على المستوى الوطني لعملية فحص صارمة من قبل مانحين أثرياء قبل تقديمهم للجمهور. وعادة ما يقترب المرشحون للرئاسة من نخب الأعمال لقياس دعمهم حتى قبل الإعلان عن ترشيحاتهم. وبمجرد انتخاب المرشح، سيتم سداد التبرعات السابقة من خلال التشاور الوثيق مع جماعات الضغط التجارية، ومن خلال تعيين موظفين ودودين للعمل، ومستشارين، ومنظمين، وقضاة. وتساعد العلاقة في تحديد التشريعات التي يتم تقديمها، والسياسات المستبعدة من الاعتبار، كيفية تنفيذ القوانين الحالية. ويواصل كلا الجانبين تنمية هذه العلاقة على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن المانحين هم الأكثر قوة. إنهم في الأساس مستثمرون «يجعلون السياسيين يشبهون الأسهم إلى حد ما»، ويستثمرون في أولئك الذين يرجح أن يحققوا عائداً، أولئك الذين لديهم سجل حافل من التدابير المؤيدة للأعمال التجارية والتخلص من أولئك الذين ثبت أنهم مخيبون للآمال.
ويقول المؤلفون: «إذا خيب أحد السياسيين الظن، وفشلت الشركات في الحصول على كل ما تريده من الحكومة، فإن الجهات المانحة لديها الكثير من أسلحة الاضطراب الأخرى في ترسانتها. حيث تساعد تهديدات الإضرابات الرأسمالية، وإضرابات رأس المال الحقيقية في بعض الأحيان، على إبقاء السياسيين والمنظمين في صف واحد. وتستفيد الشركات أيضاً من نظام المحاكم بشكل كامل، وتنفق مبالغ هائلة على التقاضي لتحدي القوانين التي لا تحبها. ومن أجل تدبير جيد، غالباً ما تضغط الشركات على حلفائها في الكونجرس لقطع التمويل عن الوكالات التنظيمية، وبالتالي ضمان أن أهداف التقاضي التجاري ستكون ناقصة التمويل وغير مجهزة للدفاع عن أفعالهم ضد الشركات الكبيرة. وبهذه الطريقة، تصبح العديد من السياسات بؤرة حرب لا تنتهي أبداً إلى التنفيذ، والتي تستمر لفترة طويلة بعد أن يوقع الرئيس على قانون جديد، وحتى بعد فترة طويلة من تركه لمنصبه».
وتوضح المعركة حول إصلاح «وول ستريت» وقانون حماية المستهلك («دود-فرانك») عام 2010 كيف تعزز استراتيجيات الشركات المتنوعة بعضها بعضاً. أولاً، ضمنت مجموعة تبرعات حملة وول ستريت، والتحذيرات الرهيبة بشأن سحب الاستثمار في أعقاب انهيار عام 2008 أن أوباما عيّن منظمين ومستشارين صديقين للبنوك، وضمن أيضاً أن جماعات الضغط في «وول ستريت» سيكون لها وصول مباشر إلى المفاوضات بشأن الإصلاح. ونتيجة لذلك، كانت المسودات الأولية للتشريعات التي قدمتها الإدارة أقل راديكالية بكثير مما توقعه معظم الناس استناداً إلى خطاب أوباما في حملته الانتخابية عام 2008، بحسب المؤلفين.

لغز أوباما

هذا الكتاب (الصادر عن دار فيرسو للنشر باللغة الإنجليزية في يوليو/ تموز 2020 ضمن 224 صفحة)، هو نتاج أكثر من عقد من البحث والمناقشة. بدأت المحادثات لكتابته في أواخر عام 2009، مدفوعة بنمط ناشئ هو «لغز أوباما». وعلى الرغم من أن إدارة أوباما الجديدة قد تم انتخابها بتفويض قوي من أجل «التغيير الذي يمكننا أن نؤمن به»، وتمتعت بالسيطرة الواضحة على الكونجرس، إلا أنها لم تقدم إصلاحات تقدمية كبيرة. يقول المؤلفون: «بدأنا نرى هذا النمط على أنه انعكاس لسؤال نظري أكبر بكثير: ما هي عقبات التغيير السياسي التقدمي في مجتمعات العصر الحديث، وكيف يمكننا التغلب عليها؟ وتم تشكيل إجابتنا من خلال بحثنا والمناقشة المستمرة بين المؤلفين، مع مدخلات من دائرة كبيرة من الأصدقاء والزملاء».
كما يوحي مثال إصلاح «وول ستريت»، أن الشركات بشكل كامل استفادت من كل هذه الأدوات خلال إدارة أوباما. ولذلك خصص المؤلفون الكثير من تركيزهم في هذا الكتاب على رئاسة أوباما، ليس لأن أوباما كان أكثر خضوعاً للرأسماليين من الرؤساء الآخرين، بحسب رأيهم، ولكن لأنه كان هناك مثل هذا الانفصال الدراماتيكي بين وعود التقدم التي قدمها وسياساته الفعلية. ويذكرون: «كمرشح، تعهد بمواجهة شركات الوقود الأحفوري، وشركات التأمين الصحي، وبنوك وول ستريت، وغيرها من المصالح التجارية المفترسة. وفي جميع هذه المجالات، حظيت وعوده بتأييد ساحق بين الناخبين الديمقراطيين، كما كانت تحظى بشعبية لدى العديد من الناخبين الجمهوريين، والمستقلين. ومع ذلك، فإن إصلاحاته السياسية لم ترق إلى مستوى خطابه. كان المحير بشكل خاص هو حقيقة أن بعض الإصلاحات كانت في متناول اليد خلال عامين من سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس، أو يمكن تحقيقها باستخدام السلطات التنفيذية».

وعد أوباما لم يتحقق

تُظهر سنوات حكم أوباما كيف أنه على الرغم من الانتصار الانتخابي المدوي للرئيس، والتفويض العام القوي للتغيير، ظلت الشركات في دفة القيادة. على سبيل المثال، وعد أوباما بإصلاحات بيئية ملحة، ولا سيما لمنع تغير المناخ الكارثي.
وكان الجمهور داعماً. وفي عام 2008، فضل 78 في المئة معاهدة دولية للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وفضل 66 في المئة اللوائح الحكومية التي من شأنها إجبار المرافق على استخدام المزيد من مصادر الطاقة النظيفة. عند الحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي في ذلك العام، توقع أوباما أن تكون رئاسته هي اللحظة التي بدأ فيها ارتفاع المحيطات في التباطؤ وبدأ كوكبنا بالتعافي. ومع ذلك، فإن الإصلاحات البيئية لإدارته توقفت كثيراً عما هو ضروري علمياً.

ترجمة: نضال إبراهيم

لقاح كوفيد لن يتوافر على نطاق واسع قبل منتصف 2021 وفق منظمة الصحة

 

جنيف – (أ ف ب) – قالت منظمة الصحة العالمية الجمعة إنها لا تتوقع حملات تلقيح واسعة النطاق ضد كوفيد-19 حتى منتصف عام 2021، مع تسارع الاستعدادات لتوزيع لقاح في الولايات المتحدة.
وقالت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية مارغريت هاريس في مؤتمر صحافي في جنيف، “كما تعلمون، دخل عدد كبير من اللقاحات التجريبية الآن المرحلة الثالثة من التجارب. نحن نعرف ما لا يقل عن 6 إلى 9 لقاحات تجريبية قطعت بالفعل شوطًا طويلاً في مراحل البحث”.
وأضافت “لكن في ما يتعلق بجدول زمني واقعي، لا نتوقع حقًا أن نرى اللقاح يُعطى على نطاق واسع حتى منتصف العام المقبل”.
وأوضحت أن المرحلة 3 من التجارب السريرية – أي مرحلة الاختبار المكثف على متطوعين – تستغرق وقتًا، إذ يحتاج العلماء إلى التحقق مما إذا كان اللقاح فعالًا وآمنًا.
تعهد العديد من مديري شركات الأدوية من جانبهم الخميس أنهم لن يتهاونوا وسيحترمون معايير “السلامة” في السباق لإنتاج لقاح ضد كوفيد-19، على الرغم من دعوات ملحة أحيانًا لإعطاء الأولوية للسرعة.
لكن “الخبر السار”، وفق هاريس “هو أن المصنعين يراهنون بالفعل على اللقاح المحتمل، ويفكرون بالفعل في كيفية زيادة إنتاج اللقاح بمجرد أن نعرف أي لقاح سيتم استخدامه”.
في الولايات المتحدة، البلد الأكثر تضرراً جراء الجائحة، دعت مراكز الوقاية من الأمراض ومكافحتها مختلف الولايات الأميركية و”بشكل عاجل” إلى القيام بما هو ضروري لتجهيز مراكز توزيع اللقاح المرتقب لتعمل بكامل طاقتها بحلول 1 تشرين الثاني/نوفمبر، قبل يومين من الانتخابات الرئاسية.
وفي نهاية آب/أغسطس، وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بلقاح “هذا العام” ضد كوفيد-19.
في جنيف، قالت سوميا سواميناثان، كبيرة العلماء في منظمة الصحة العالمية، للصحافيين هذا الأسبوع إن المنظمة عملت مع خبراء من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك من وكالة الأدوية الأميركية والوكالة الأوروبية للأدوية “لاقتراح معايير” لسلامة وفعالية اللقاحات المرتقبة.
وقالت “نود أن نرى لقاحًا فعالاً بنسبة 50% على الأقل، ويفضل أن تكون فعاليته أعلى من ذلك”.

الذكاء الاصطناعي يلقي قصيدته الأولى

 

قبل أيام، تجمع عشرات الطلبة أمام مقر وزارة التعليم البريطانية لشتم أم الخوارزمية، تمامًا كما أخبرك، لقد قالوا بالحرف: “F*ck the algorithm”، ربما كان الحقّ معهم، فلقد تسببت خوارزمية بانخفاض حاد في درجاتهم الدراسية. القصة باختصار أن الإغلاق في إنجلترا الناتج عن جائحة كورونا تسبب بإلغاء الامتحانات، فوجدت السلطات التعليمية طريقة لتقييم الطلاب من غير إجراء امتحانات فعلية، وذلك بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي الذي يحلل جهود الطلاب خلال السنوات الثلاثة الماضية وتقييمات المعلمين، أعلنت النتائج في 13 من أغسطس/آب، وقد أظهرت انخفاضًا حادًا بدرجات الطلاب عما لو اعتمدت على تقييمات المعلمين وحدها، انخفاض يصل إلى 40%! هذا ما أشعل حراك هؤلاء الطلاب الذي نجح أخيرًا في تنحية الذكاء الاصناعي جانبًا، وتنفس الطلاب الصعداء.

ثمة أسباب كثيرة للغضب من الخوارزميات، لا يتعلق الأمر بدرجاتنا الدراسية وحسب، إنما والأهم، بخصوصياتنا، بل بحياتنا برمتها.

يصعب اليوم تخيّل الحياة دون خوارزميات، دون ذكاء صنعناه، أعني صنعته الشركات الرأسمالية الكبرى، ولا يقف الموضوع عند خرائط جوجل التي تكشف لنا حالة الطرقات، ولا المساعدات الصوتية التي ترد بظرافة على أسئلتنا السخيفة، ولا هزيمة أعتى أبطال الشطرنج، ولا الإعلانات المستهدفة على شبكات التواصل التي تعرف حتى هرموناتنا وحالتنا المزاجية ومناسباتنا وبمن نلتقي وما يثير اهتمامنا وتعرض إعلانات طبقها، فتؤثر على عاداتنا الاستهلاكية وحتى قراراتنا الانتخابية وتوجهاتنا السياسية، بل بجمهرة واسعة من التطبيقات الفعلية، فهل كنا سنعرف محمد صلاح لولا الذكاء الصناعي الذي اقترح على ليفربول أن يسارع لاستقطابه؟

وحتى اليوم، أمكن للذكاء الصناعي – أيضًا وأيضًا – المساهمة بتطوير أنواع جديدة من العطور بناء على تحليل ملايين التراكيب لعطور رائجة، وخلق توابل ونكهات فريدة لطعامنا، والتنبؤ بالأمراض والأوبئة، وكبح جماح انتشار الأوبئة عن طريق تعقب المرضى كما في جائحة كورونا الجارية، ومكافحة الفقر والجوع وتطوير الزراعة، واستُخدم لمعرفة مصير أبطال مسلسل درامي شهير، بل وحتى توقع مخاطر الوفاة المبكرة، ويستخدمه المستبدون لمراقبة شعوبهم والسيطرة عليهم.

وفي جوانب إبداعية تبدو محصورة بالبشر، شاركت الخوارزميات بكتابة مسرحية وعزف مقطوعات موسيقية ورسم لوحة بيعت بسعر باهظ وصياغة أخبار صحفية بصورة آنية. دعنا نقف هنا. فلا شك أنك تعرف الكثير من التطبيقات الفعلية التي باتت واقعًا في حياتنا للذكاء الاصناعي، ويصعب حقًا حصر كل تلك الاستخدامات، لكن بشأن هذه الأمثلة الأخيرة المتعلقة بالجانب الإبداعي البشري، فعن هذا حديثنا، عن الجديد الخلّاق هنا، عن لغة GPT-3 التي أعلن عنها شهر يوليو/تموز المنصرم.

ما هي؟

لغة GPT-3 هي الجيل الثالث من برمجية التنبؤ اللغوي (بعد جيلين سابقين، هما PTB وGPT-2) التي تطورها مؤسسة OpenAI، وهي شركة أبحاث ذكاء اصطناعي ربحية يدعمها عدد من رواد الأعمال المشاهير على رأسهم إيلون موسك (مؤسس speacx وتسلا وغيرها) وريد هوفمان (مؤسس شركة ليكندإن) ومارك بينيوف (المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة salesforce) وسام ألتمان (الرئيس التنفيذي لشركة Y Combinator) وآخرين. أعلن عنها لأول مرة في ورقة بحثية أعدها 31 باحثًا ونشرت في 28 من مايو/أيار 2020.

مع تضمينها 175 مليار متغيّر (النسخة السابقة GPT-2 كانت تضم 1.5 مليار متغيّر وهو رقم هائل بدوره، فتخيل القفزة!) أصبحت GPT-3 أقوى نموذج لغة على الإطلاق، وهي منافس حاسم لنموذج لغة T-NLG التي تطورها شركة مايكروسوفت وتباهت حين الإعلان عنها في فبراير/شباط الماضي بأنها تضم 17 مليار متغيّر، لكن هذا كان أقل من 10% من سعة GPT-3 التي سيعلن عنها بعد بضعة أشهر!

تتيح GPT-3 إمكانية توليد سيل لا منتهي من النصوص المقنعة من خلال اقتراح جملة افتتاحية، فبمجرد إرسال مقدمة قصيرة من معطيات قليلة لا تتجاوز عدة كلمات، ستقدم لك لغة GPT-3 نصًا يشبه النصوص التي يصوغها البشر من ناحية طولها وبنيتها النحوية، مكوّن من جمل عشوائية تصل لعدة فقرات، مع قدر كبير من التعبيرية والدلالة، وسيكون من الصعب تمييزها عن النصوص التي ننتجها نحن، وأنها مجرد تدفقات نصية ركبتها خوارزمية تتعلم من تلقاء نفسها، وكما وصفها فرهاد مانجو في مقاله بصحيفة نيويورك تايمز، “تنتج نثرًا أصليًا متماسكًا وأحيانًا واقعيًا بطريقة مدهشة ومخيفة ومتواضعة بل ومرعبة”.

بإمكان GPT-3 توليد قصص وقصائد شعرية وبيانات صحفية، ونكاتًا، وصياغة أخبار، والترجمة، والإجابة على أسئلتك بطريقة فلسفية منمقة، وكتابة كود برمجي بعدة لغات مثل CSS وJSX وPython وSQL وغيرها، وهي قادرة على التصميم أيضًا!

دعنا نجرب

ما زالت اللغة تجريبية، لكن OpenAI أتاحت لبعض المطورين الوصول المدفوع إلى نظامها عبر واجهة برمجة تطبيقات API، فأطلقوا عددًا من التطبيقات التي تساعدنا في تجربتها، وقد استخدمنا أحد تلك الأدوات لتجربتها بدورنا، وهي أداة Philosopherai، ودعني أوضح بدايةً أن هذا التطبيق يوفر إجابات ذات طابع فلسفي كما يظهر من اسمها، ويبدو أن OpenAI تقدم لكل مطوّر يطلب الولوج إلى بياناتها، دخولًا مشروطًا بتخصص ما، ما يعني وجود تطبيقات بمجالات مختلفة، من غير توفير تطبيق مفتوح على كل المجالات، فيما يبدو.

 

الآن، ما رأيكم أن نبدأ باختبار اللغة عبر محاولة إيجاد حبكة جديدة لقصة ماوكلي؟ ما النهاية التي سيقترحها الذكاء الصناعي؟

سنعطي الذكاء الصناعي ما يبدو أنها بداية حكاية صديقنا فتى الأدغال، ونرى كيف تجري الأمور.. “كان يا ما كان، كان هناك فتى صغير ترعرع في الغابة، وفي أحد الأيام…”.

واو! لقد حصل ماوكلي على صديق لطيف، إنه ذئب صغير على ما يبدو، ولعبا معًا حتى نسي الفتى العودة إلى المنزل. بداية موفقة! (شاهد النتيجة هنا باللغة الإنجليزية)

ربما من الجيد أن نطلب منه كتابة مقالة قصيرة في أمر ما، لنجرب أن يكتب شيئًا عن التطوّر، مثلاً: “4 معلومات مهمة حول التطور”، يا سلام، إنها نتيجة ممتازة!

والآن سأطلب منه قصيدة من شعر أبو نواس، هممم يبدو أنه اختار أن يحدثني عن تاريخ الشعر، لا بأس، طلبت منه أن يعيد المحاولة، لقد حدثني هذه المرة كم أن أبو نواس عظيم! في الثالثة راح يقلل من شأنه! أما في المحاولة الرابعة فقد كتب لي قصيدة من أربعة أبيات بالفعل! عظيم! في المرة الخامسة تحدث عن شيء لا دخل له لا بالشعر ولا بأبي نواس، في الواقع تحدث عنا نحن البشر وصراعاتنا، (في الحقيقة أنا أواجه مشكلة مع الخوارزميات التي تنظر لنا باستعلاء، تكاد لا توفر فرصة إلا وتنتقدنا فيها)، وفي المرة السادسة اجترح قصيدة عن الخمر، أوووه! أما هذا فأبو نواس بحق وحقيق!

 

حاولت استنطاقه نكاتًا، لكن لم أفلح، إما لأنني لم أجد الاستهلال المناسب الذي يحفزه على إلقاء النكات وإما لأن هذه الأداة ليس من بين مهامها طرح النكات، وعمومًا، استبدلت الأمر بسؤاله عن “كيف نبتكر نكتة؟”، والحقيقة، أنه قدم إجابة رائعة هنا، وهنا إجابة أخرى ممتازة، يمكن أن تكوّنا معًا مقالة جيدة عن الموضوع أو بذرة مقالة جيدة جدًا، ويمكنك إن قررت ذلك، أن تجعل هذه الإجابة (التي تضمنت نكتة بالمناسبة) مقدمة استهلالية لمقالتك عن كيف نبتكر النكات.

حتى تستطيع الخوارزمية إنتاج نص بهذه الجودة، جرى تزويدها بـ45 تيرابايت من البيانات، أي مئات المليارات من الكلمات التي جرى تدريب GPT-3 عليها، تحليليها والتعلم العميق منها، مصادر هذه البيانات تتوزع بنسب متفاوتة بين الكتب وصفحات الإنترنت وويكيبيديا ولغات البرمجة، يقول جاك كلارك Jack Clark، مدير السياسة في OpenAI، إنه كلما كانت الخوارزمية أكبر، كانت “أكثر تماسكًا وأكثر إبداعًا وأكثر موثوقية”، وهذا ما يمكنك لمسه فعليًا عند تجربتها.

يرى مطوّرو OpenAI أن “الخوارزميات الأكبر، أي التي تضم أكبر قدر من المتغيرات، تتيح نتائج أكثر عمومية. فعلى سبيل المثال، تتمثل الوظيفة الأساسية لـGPT-3 في التصرف مثل الإكمال التلقائي. أعطه كلمة واحدة أو جملة وسوف يولد ما يَعتقد أنه يأتي بعد ذلك، كلمة بكلمة، ويمكنه أيضًا الإجابة عن الأسئلة أو حتى إجراء الترجمات، دون الحاجة إلى أي تغييرات في الخوارزمية”.

انتقادات

تحظى لغة GPT-3 بثناء متواصل، وقد وصفها الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز وهو عالم إدراكي متخصص في أبحاث العلوم العصبية وفلسفة اللغة، بأنها “أحد أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي إثارة للاهتمام والأكثر أهمية على الإطلاق”، لكن هذا لا يلغي وجود انتقادات حادة للغة.

بل حتى مؤسسي وشركاء GPT-3 لم يظهروا أعلى قدر من التفاؤل، فـSam Altman أقر بنقاط ضعفها و”أخطائها السخيفة” واعتبر أنها “مجرد لمحة مبكرة جدًا” عن مستقبل العالم الذي قال إن الذكاء الصناعي سيغيره.

في مقالة لها، انتقدت مجلة MIT Technology Review لغة GPT-3، واعتبرت أن ناتجها الشبيه بنتاج النصوص البشرية وتعدد الاستخدامات المذهل لها، إنما هو نتيجة هندسة ممتازة، وليس ذكاءً حقيقيًا، وأرجعت رأيها إلى أن هذا “الذكاء” ما زال يمثل صدى سخيفًا يشف عن نقص في البديهة والافتقار إلى العمق، معتبرة أن الأمر لا يعدو عن تراكيب وضعت بطريق القص واللصق أكثر من كونها صياغة أصلية ذكية، إنها – بحسب المجلة – أداة جيّدة لتركيب نصوص وقصاصات عثر عليها في أماكن مختلفة على الإنترنت، حيث يتم تركيبها ولصقها بجانب بعضها بصورة خلاقة ومبدعة عند الطلب.

ترى MIT أن أعظم حيل الذكاء الاصطناعي هي إقناع العالم بوجوده، والـGPT-3 هي قفزة هائلة إلى الأمام، لكنها في نهاية المطاف أداة من صنع البشر.

وفي ورقتهم البحثية، أشار منشئوها أنفسهم إلى مجموعة من المخاطر، من بينها “المعلومات المضللة والبريد العشوائي والتصيد الاحتيالي وإساءة استخدام العمليات القانونية والحكومية وكتابة المقالات الأكاديمية الاحتيالية ومشكلات تتعلق بالهندسة الاجتماعية”.

يضيف لها مقال نيويوك تايمز مخاطر أخرى، يقول فرهاد: “يحتمل أن يعكس GPT-3 العديد من التحيزات الموجودة في المجتمع. إذ كيف يمكننا التأكد من أن النص الذي ينتجه ليس عنصريًا أو جنسيًا؟ كما أن GPT-3 ليس جيدًا في إخبار الحقيقة من الخيال”.

وتقييمنا، من واقع تجربتنا لأداة Philosopherai، بشكل أساسي، مع أداة توليد التغريدات هذه، وتطبيق تاغلاينز، مع عشرات عمليات الاستنطاق والتوليد، فإن نموذج اللغة GPT-3 خلاق وحاذق، ومليء بالظرف اللماح الذي يدل على نباهة لا يمكن تجاوزها، ويقدم بثوان إجابات قد تتجاوز المأمول في بعض الأحيان، هذا مع الإقرار بالطبع بوجود سذاجة وركاكة في كثير من الطلبات، والحاجة لأكثر من محاولة للوصول إلى الإجابات التي نتوقعها.

أخيرًا، كما لاحظت من الأمثلة، فإنّ GPT-3 تنتج نصوصًا بالإنجليزية فحسب، وحتى يمكن أن تنتج نصوصًا باللغة العربية، فيجب بطبيعة الحال تزويد الخوارزمية بمليارات المتغيرات العربية ومليارات الباياتات من البيانات بما فيها صفحات الإنترنت والكتب والمعاجم، وهنا لديّ بعض الأخبار السيئة، ربما لا يوجد مليار متغير عربي متوافر فعلًا، فضلًا عن “مليارات كثيرة” تحتاجها الخوازمية للتعلم.