إعادة ابتكار دولة الرفاه

كشفت جائحة «كورونا» بشكل مأساوي كيف أن نموذج دولة الرفاه اليوم لا تستطيع حماية مواطنيها بشكل صحيح في عدد من الدول الأوروبية، وخاصة بريطانيا. فعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها القطاع العام، فإن اختلالات كبيرة ظهرت إلى السطح، وتحتاج إلى معالجة. توضح المحللة السياسية البارزة أورسولا هووز كيف يمكننا إنشاء دولة رفاه عادلة في المملكة المتحدة، من شأنها أن توفر الأمن للجميع على كافة الأصعد.

بالاعتماد على بحث استمر معها طيلة حياتها حول بعض القضايا الرئيسية في عصرنا مثل اقتصاد الوظائف المؤقتة، والرعاية الصحية الشاملة والمجانية، والرعاية الاجتماعية؛ تشرح المؤلفة في كتابها « إعادة ابتكار دولة الرفاة» بوضوح لماذا نحتاج إلى إعادة التفكير جذرياً في كيفية تغييرها، وتقترح أفكاراً سياسية جديدة ومبتكرة، بما في ذلك المناقشات النقدية للدخل الأساسي العالمي والتشريعات الجديدة لحقوق العمال العالمية، كما أنها تحدد «دولة الرفاه الرقمية» في القرن الحادي والعشرين. ويشمل ذلك إعادة استخدام تقنيات المنصات الإنترنيتية لتكون تحت السيطرة العامة؛ بهدف تحديث وتوسيع الخدمات العامة، وتحسين إمكانية الوصول.

انقسامات بين العمل والأحزاب السياسية

منذ عام 2016، ظهرت انقسامات مقلقة داخل الطبقة العاملة البريطانية، وبين الأحزاب السياسية التي تدعي أنها تمثل مصالحها. لقد استجاب الكثيرون لهذا الموقف؛ من خلال التراجع إلى المواقف المستقطبة أو الاستسلام لأشكال عميقة ومشلولة من الاكتئاب تجعلهم يائسين أو غير فاعلين.

يأتي هذا الكتاب في محاولة لمواجهة ردود الفعل هذه؛ إذ ترى الكاتبة أنه على الرغم من هذه الانقسامات المؤلمة، هناك ما يوحد الناس أكثر بكثير مما يفرقهم. تقول المؤلفة: «قبل كل شيء، وضد بعض الأدلة المستمدة من الانتخابات العامة لعام 2019، يبدو لي أن هناك جوعاً عميقاً بين الشعب البريطاني، عبر كافة أطيافه، إلى دولة رفاه تهتم حقاً بمواطنيها، بكافة تنوعاتهم من المهد إلى اللحد. ظهرت أدلة جديدة على هذا الجوع خلال أزمة فيروس كورونا، على الرغم من أنه لا يزال من السابق لأوانه، كما أكتب، معرفة إلى أين سيؤدي ذلك. على الرغم من الإغراءات العديدة لإلقاء القبض على جعل الآخرين كبش فداء لأوجه القصور في دولة الرفاه الحالية، أو الاستسلام للانهزامية، أعتقد أن هناك أعداداً كبيرة من الأشخاص ذوي المبادئ ممن لديهم الشجاعة لتنحية خلافاتهم جانباً، والقيام بحملة لتأسيس دولة رفاه أفضل».

وتضيف المؤلفة: «لذلك، أكتب من موقع التفاؤل، وأقدم هذا الكتاب كمساهمة بناءة في تطوير بيان للأمل وشكل تعاوني للسياسة يمكنه بناء مستقبل بديل. نحن مدينون لأبنائنا وأحفادنا بتزويدهم ببيئة اقتصادية واجتماعية لا يضطرون فيها إلى إهدار طاقاتهم من أجل البقاء على قيد الحياة، ولكن يمكنهم العيش حياة كريمة ومرضية يركزون فيها طاقاتهم على مواجهة التحديات الضخمة التي تواجه الكوكب. دعونا نعطيهم أفضل ما لدينا. من الواضح أن دولة الرفاه التي لدينا في المملكة المتحدة لم تعد مناسبة. لكن ما الذي يمكن عمله حيال ذلك؟ هذا من أكبر التحديات التي تواجهنا ونحن ندخل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. هل نحاول إعادة خلق العالم المريح في منتصف القرن العشرين، أم أننا بحاجة إلى تصميم شيء جديد، لعصر رقمي عالمي؟ تلعب دولة الرفاه في منتصف القرن العشرين دوراً قوياً في الخيال الاشتراكي، فهي لا توفر فقط أصل العديد من مؤسساتنا الحالية، على الرغم من أن بعضها قد يكون كذلك، ولكنها تمثل أيضاً نموذجاً طموحاً. في أوروبا، على وجه الخصوص، لا يزال الكثيرون يعدونها المعيار الذي يتم من خلاله قياس الحياة الكريمة، مع وجود الأمن والأمان، والتضامن الاجتماعي، وحماية الشعب من المهد إلى اللحد من الفقر، وتكافؤ في الفرص، ورؤية التقدم.

عندما يُسأل الناس عن الشكل الذي تبدو عليه «الوظيفة المناسبة» – تقول المؤلفة – لا يزال معظمهم يشير إلى النموذج الذي تم إنشاؤه بعد الحرب العالمية الثانية، على الأقل بالنسبة لأقلية مميزة، للعمل بدوام كامل ودائم مع ساعات عمل منتظمة، مع وجود التأمين ضد مخاطر المرض أو العجز أو البطالة، ومعاش في النهاية؛ لتوفير تقاعد سعيد. وبالمثل، فإن هناك دعماً واسع النطاق لفكرة أن المجتمع المتمتع بحياة كريمة هو المجتمع الذي يوفر المأوى الكافي لضمان عدم اضطرار أي شخص إلى النوم في الشارع، وشبكة أمان للرفاهية تمنع حدوث مجاعة. لا يزال الكثيرون يتفقون مع هدف الاقتصادي الإنجليزي وليام بيفريدج (1879 – 1963) الذي لا يُنسى في القضاء على «الشرور العملاقة» الخمسة؛ المتمثلة في الفساد والجهل والعوز والكسل والمرض. وبهذه الروح، أعطتنا حكومة أتلي بعد الحرب العديد من السمات الأساسية التي لا يزال معظم البريطانيين يعدونها حقوقاً اجتماعية معيارية؛ وهي: الرعاية الصحية الشاملة والتعليم الشامل ونظام التأمين الوطني الذي يوفر معاشات تقاعدية وإعانة الأطفال والتحرر من العوز عبر شبكة أمان اجتماعي.

تفكك دولة الرفاه

تذكر الكاتبة أن الأجيال التي نشأت في احتضان دولة الرفاه هذه، أو على الأقل من بينهم الاشتراكيون، شاهدت تفككها البطيء على مدى العقود الأربعة الماضية بصورة مرعبة، واضعين طاقاتهم السياسية في محاولة للمحافظة على ما يستطيعون منها، مطالبين بإعادة تأميم ما تمت خصخصته، وإعادة تنظيم ما تم تحريره، وإعادة الميزانيات التي تم تخفيضها. بعبارة أخرى، يطالبون بحل يبدو للكثيرين وكأنه عودة إلى الوراء. في الأغلب تكون المؤسسات الحكومية الحالية أمراً مفروغاً منه في المشهد الاجتماعي؛ بحيث يصعب على الأشخاص من مواليد هذه الفترة الفصل بين السمات المحددة لتلك المؤسسات والأهداف الاجتماعية التي ألهمت تصميمها. إن تجربتهم في محاولة الدفاع عن هذه الهيئات في القرن العشرين خلال السنوات الصعبة الطويلة بين صعود النيوليبرالية في نهاية السبعينات والأزمة المالية في عام 2008 جعلتهم يشككون بشدة في الإصلاح؛ لكن هذا ربما جعل من الصعب عليهم فهم مدى نشوء الفجوة بين تلك الأهداف الاجتماعية الأصلية والطريقة التي تعمل بها هذه المؤسسات الآن. وربما تكون هذه التجارب ذاتها قد أزالت حساسيتهم تجاه آراء الأجيال الشابة التي لم ترَ دولة الرفاه إلا من منظور النيوليبرالية.

وترى أنه بالنسبة لأي شخص دخل سوق العمل بعد عام 1990، فإن عالم العمل في فترة ما بعد الحرب – الذي يهيمن عليه المعيلون من الذكور في وظيفة دائمة بدوام كامل يدعمون الأسر المعالة – أمر لا يمكن تصوره تقريباً، وتقول: كان سقوط جدار برلين علامة على التأسيس الرمزي لتقسيم دولي جديد للعمل؛ حيث واجهت القوى العاملة المحمية في الاقتصادات الغربية المتقدمة تحدياً متزايداً؛ بسبب وجود جيش احتياطي عالمي من العمالة، يمكن الوصول إليه من قبل أرباب العمل خارج الحدود الوطنية إما عن طريق نقل العمل إلى الخارج وتأسيس اقتصادات منخفضة الأجور وإما من خلال الاستفادة من قوة عاملة مهاجرة غير مستقرة في بلدانها الأصلية. أدى ذلك إلى خلق قوة عاملة مشتتة وإن كانت مترابطة، منظمة في سلاسل القيمة العالمية، في الأغلب خارج نطاق المواطنة الوطنية وبالتالي تم استبعادها من تغطية الرعاية الاجتماعية أو قوانين حماية العمالة. في هذا السياق، قد تبدو الاستراتيجيات لمحاولة استعادة نموذج التوظيف والرعاية بعد الحرب وكأنها محاولة رومانسية من خلال الرؤية في نظارات وردية. في الواقع، إذا تم نقل معظم الشباب «اليقظين» الذين نشأوا في أوائل القرن الحادي والعشرين، إلى الخمسينات من القرن الماضي، من المحتمل أن يشعروا بأنهم في جحيم حقيقي، مقيد بالفئوية، ومتحيز ضد المرأة، وعنصري. من الصعب تخيل العودة إلى بعض من سمات الحياة اليومية في منتصف القرن العشرين.

في هذا الكتاب تدعو المؤلفة إلى نهج مختلف. بالاعتماد على بحث مكثف حول التغييرات في العمل والرفاه، يجادل بأن ما نحتاج إليه الآن ليس إعادة خلق حنين إلى المشهد المؤسسي لدولة الرفاه بعد الحرب ولكن العودة إلى المبادئ التي ألهمتها. بعد تحديد هذه المبادئ، تجادل بأنه ينبغي إجراء تحليل صارم للواقع الاجتماعي لبريطانيا الحديثة من أجل معرفة كيف يمكن تطبيق هذه المبادئ على أفضل وجه لتلبية احتياجات السكان الحاليين.

ترى الكاتبة أن السياق الذي يجب تطبيق هذه المبادئ فيه هو السياق الذي يتم فيه تنظيم العمل والاستهلاك بشكل متزايد في الأسواق العالمية من قبل الشركات متعددة الجنسيات المتهربة من الضرائب؛ حيث تُستخدم التقنيات الرقمية لاستخراج قيمة من مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث من المحتمل أن تنخرط المرأة في عمل مدفوع الأجر مثل الرجال، وينتشر التشرد والفقر، ويكون للسكان المسنين احتياجات يائسة بشكل متزايد للرعاية الصحية والاجتماعية، وحيث يبقى ظل تغير المناخ يخيم على كل شيء».

تقول المؤلفة: «في رأيي، سيكون من الخطأ الفادح محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لدينا فرصة تاريخية لإعادة التفكير في المبادئ الأولى من الشكل الذي يمكن أن تبدو عليه دولة الرفاه في القرن الحادي والعشرين، ونحن مدينون لضحايا العولمة النيوليبرالية بتقديم أفضل ما لدينا. وهذا يتطلب شيئاً أكثر طموحاً من محاولة إعادة إنشاء نسخة مصححة من الربع الثالث من القرن العشرين (يُنظر إليها من خلال النظارات الوردية في القرن الحادي والعشرين)، وأكثر تركيزاً على القضايا المحددة التي تواجه الطبقة العاملة في اقتصاد معولم رقمي. لفهم طبيعة التحدي، من الضروري أولاً تقدير ضخامة التحول في دولة الرفاه في منتصف القرن العشرين الذي حدث خلال العقود السبعة الماضية».

بنية الكتاب

يقع الكتاب في 240 صفحة، وهو صادر باللغة الإنجليزية عن دار بلوتو للنشر في 20 سبتمبر/أيلول 2020. ويتكون من مقدمة ثم فصول هي: ماذا حدث لدولة الرفاه في القرن العشرين؟؛ ماذا حدث في سوق العمل؟؛ ماذا حدث للمساواة بين الجنسين؟؛ إعادة ضبط آليات إعادة التوزيع؛ دخل أساسي عالمي يمكن إعادة توزيعه حقاً؛ صفقة جديدة للعمل؛ منصات رقمية للصالح العام؛ إلى الأمام.

تتناول المؤلفة أولاً (في الفصل الثاني) كيفية تحول مؤسسات دولة الرفاه من خلال سلسلة من التحولات من وسائل تحسين مستويات المعيشة، وزيادة الاختيارات وإعادة توزيع الثروة بشكل متساوٍ عبر المجتمع إلى آليات إعادة التوزيع من الفقراء إلى الأغنياء.

ينظر الفصل الثالث في التغييرات في سوق العمل وكيف حدث تآكل في نموذج التوظيف القياسي في القرن العشرين، ما أدى إلى انتشار غير رسمي وظهور أشكال جديدة من العمل غير المستقر المُدار رقمياً. يلخص الفصل الرابع التغييرات التي حدثت في تقسيم العمل بين الجنسين خلال الفترة نفسها، مما أحبط العديد من الأهداف الكبرى للحركة النسائية في السبعينات. ويوضح هذا الفصل الطريقة التي تفاعلت بها التطورات في نظام الرعاية وسوق العمل مع بعضها لإنتاج حلقة مفرغة يدفع فيها الفقر الزمني والفقر المالي بعضهما إلى دوامة لا تنتهي، بطرق ضارة للغاية بالمساواة وكذلك نوعية الحياة في العمل والمنزل.

يبحث الكتاب في الطرق التي يمكن من خلالها عكس هذه الحلقة المفرغة، وكيف يمكن تطوير السياسات التي تعزز المساواة وحرية الاختيار والتوازن بين العمل والحياة، مع معالجة بعض تحديات السياسة الرئيسية الأخرى التي تواجهنا بما في ذلك الرعاية لشيخوخة السكان، وتطوير الاقتصادات المحلية ومعالجة نفايات الغذاء والطاقة.

تلقي المؤلفة في الفصل الخامس نظرة على آليات إعادة التوزيع والمبادئ الأساسية التي يجب أن تدعم مثل هذه السياسات. ثم تقدّم بعض الاقتراحات الملموسة: من أجل أشكال الدخل الأساسي الشامل الذي يمكن إعادة توزيعه بشكل حقيقي (في الفصل السادس) ومن أجل ميثاق جديد للحقوق العالمية للعمال (في الفصل السابع).

في الختام، يبحث الكتاب في الخدمات التي تقدمها دولة الرفاه، أو ينبغي أن توفرها لجعل أهداف إعادة التوزيع والمساواة هذه حقيقة واقعة. ويركز الفصل بشكل خاص على الخدمات التي يمكن تقديمها عبر المنصات الرقمية، مثل التي تتضمن النقل وتوصيل الطعام والمطابقة بين العرض والطلب بين العمال والعملاء في خدمات مثل رعاية الأطفال والرعاية الاجتماعية. على العموم، لا يقترح الكتاب حلولاً فيما يتعلق بنطاق هذه الخدمات أو كيف ينبغي تنظيمها. بل يقترح، بدلاً من ذلك، مجموعة متنوعة من الطرق الممكنة والمختلفة، على سبيل المثال، من خلال دمجها في المؤسسات القائمة أو إنشائها كشراكات أو مؤسسات اجتماعية أو تعاونيات، بهدف تشجيع نهج يبدأ من القاعدة إلى القمة على المستوى المحلي متجذر في التعاون بين مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة الاجتماعية المختلفة.

عن المؤلفة

* أورسولا هووس أستاذة العمل والعولمة في جامعة هيرتفوردشاير. لها العديد من الكتب والأبحاث الرائدة عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للتغير التكنولوجي، وإعادة هيكلة التوظيف والتقسيم الدولي المتغير للعمل.. وهي تحاضر وتقدم المشورة لصانعي السياسات على المستوى الدولي.

ترجمة: نضال إبراهيم

 

 

هل يمكن تفويض الذكاء الاصطناعي بمهمة التوظيف؟

يعدنا الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي – كأداة ذات قاعدة واسعة – بحل المشكلات التجارية، ما أفسح الطريق لأشياء محدودة لكنها ذات فائدة مثل خوارزميات علم البيانات التي تجعل التنبؤات أفضل مما نستطيع القيام به حتى الآن.

فبخلاف النماذج الإحصائية المعتادة التي تركز على عامل أو اثنين معروفين بالفعل ومرتبطين بالنتائج مثل الأداء الوظيفي، تبدو خوارزميات التعلم الآلي محايدة بشأن المتغيرات التي نجحت من قبل وسبب نجاحها.

الأكثر مرحًا أنها تجمعهم معًا وتنتج نموذجًا واحدًا يتوقع بعض النتائج مثل من سيكون جيدًا عند توظيفه، بمنح كل متقدم للوظيفة درجة واحدة سهلة التفسير عن مدى احتمالية أدائه بشكل جيد في العمل.

كانت وعود هذه الخوارزميات عظيمة، لكن الاعتراف بمحدوديتها جذب الكثير من الانتباه خاصة فيما يتعلق بحقيقة أنه عند استخدام البيانات الأولية لبناء نموذج متحيز فإن الخوارزميات الناتجة عن تلك البيانات ستكون متحيزة على الدوام

 

أفضل مثال على ذلك في المؤسسات هو التحيز ضد المرأة في الماضي، حيث كانت بيانات الأداء في العمل متحيزة أيضًا مما يعني أن الخوارزميات القائمة على تلك البيانات ستكون متحيزة أيضًا، لذا كيف يمكن لأصحاب العمل التقدم بينما يفكرون في تبني الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات خاصة بالموظفين؟ إليكم 4 أشياء تضعونها في اعتباركم:

 

قد تكون الخوارزميات أقل تحيزًا من الممارسات الحاليّة

دعونا لا نتحدث برومانسية عن مدى سوء الحكم البشري الآن ومدى انعدام النظام في معظم الممارسات الإدارية للبشر، فعلى سبيل المثال عندما نفوض المشرفين بمهمة التوظيف فمن المحتمل بشدة أن يكون لديهم تحيزات لصالح أو ضد بعض المرشحين للوظيفة بناءً على صفات لا علاقة لها بالأداء الجيد.

فقد تفضل المشرفة (أ) المرشحين خريجي كلية معينة لأنها ذهبت إليها، بينما يفضل المشرف (ب) العكس لأن لديه تجربة سيئة مع بعض خريجيها، أما الخوارزميات على الأقل ستعامل الجميع على قدم المساواة حتى لو لم يكن عادلًا تمامًا.

 

مقاييس جيدة لكل النتائج التي نرغب في توقعها

ربما أيضًا لا نعلم كيف نقيم العوامل المختلفة عند اتخاذ القرارات النهائية، فعلى سبيل المثال ما الذي يجعل “موظفًا جيدًا”؟ يجب أن ينجز مهامه جيدًا، يجب أن يتعاون مع زملائه بشكل جيد، أن يتناسب مع ثقافة المكان ولا يستقيل ويترك العمل وهكذا.

إن التركيز على مظهر واحد فقط حيث نملك مقاييس سينتج عنه خوارزمية توظيف تختار بناءً على مظهر واحد فقط غالبًا عندما يكون غير مرتبط تمامًا بالمظاهر الأخرى، مثل موظف المبيعات المتميز مع العملاء لكنه سيئ مع زملائه في العمل.

 

مرة أخرى، لا يبدو واضحًا أن ما نفعله الآن أفضل من ذلك، فالمشرف صاحب قرار الترقية قد يكون قادرًا بشكل نظري على أن يضع في اعتباره كل هذه العوامل، لكن تقييم كل منها يكون محملًا بالتحيزات وطريقة تقييمها قد تكون تعسفية، فنحن نعلم من خلال البحث الدقيق أنه كلما استخدم المديرون أحكامهم الخاصة في تلك الأمور كانت قراراتهم أسوأ.

 

البيانات التي يستخدمها الذكاء الاصطناعي تثير قضايا أخلاقية

الخوارزميات التي تتنبأ بمعدل ترك الموظفين للعمل تعتمد الآن على بيانات مواقع التواصل الاجتماعي مثل منشورات فيسبوك، ربما نرى أن جمع تلك البيانات يعد انتهاكًا لخصوصية الموظفين، لكن عدم استخدام تلك البيانات سيكون له أثر على تلك النماذج التي ستتنبأ بشكل أقل جودة.

قد يكون الأمر كذلك في بعض الحالات، حيث تقوم الخوارزميات بعمل جيد بشكل عام في التنبوء بالنسبة للموظفين بمعدل متوسط لكنها تحقق أداءً سيئًا مع بعض المجموعات الفرعية، الأمر ليس مفاجئًا فنموذج توظيف موظفي المبيعات لن يعمل جيدًا لاختيار المهندسين.

الحل ببساطة أن نتملك نموذجًا لكل مجموعة، لكن ماذا لو كانت تلك المجموعات عبارة عن رجال ونساء أو سود وبيض؟ في تلك الحالات تمنعنا القيود القانونية من استخدام ممارسات مختلفة أو نماذج توظيف مختلفة مع المجموعات السكانية المختلفة.

 

من الصعب أو المستحيل شرح وتبرير المعايير الكامنة خلف قرارات الخوارزميات

في معظم أماكن العمل الآن يكون هنا بعض المعايير المقبولة لاتخاذ قرارات تخص الموظفين، فهو يحصل على فرصة لأنه هنا منذ فترة طويلة، وهي إجازة في نهاية هذا الأسبوع لأنها عملت في مناوبة نهاية الأسبوع الماضي، هذه هي طريقة التعامل مع الموظفين من قبل.

 

إذا لم أحصل على الترقية أو المناوبة التي أريدها يمكنني أن اشتكي الشخص الذي اتخذ القرار، والذي يمكنه أن يشرح السبب وراء ذلك ويساعدني المرة القادمة إذا لم يكن القرار عادلًا بالنسبة لي.

لكن عندما تقوم الخوارزميات بهذا القرار فإننا نفقد القدرة على تفسير سبب اتخاذ القرار للموظفين، فالخوارزمية تجمع كل المعلومات المتاحة ببساطة لتنبي نموذجًا معقدًا يتنبأ بالنتائج السابقة.

سيكون من غير المحتمل بشكل كبير أن يشرح المشرف القرار إذا تطابقت تلك النتائح مع أي مبادئ، فالنموذج يقول إن هذا الأمر ناجح، لكن المشرف لا يستطيع شرح القرار أو معالجة مخاوف عدم الإنصاف.

عندما لا يختلف أداء تلك النماذج كثيرًا عما نقوم به بالفعل فإننا نتساءل هل يستحق الانزعاج الذي سيسببه للموظفين، فميزة السماح لكبير الموظفين باتخاذ القرار هو أنه يختار الجدول الذي يسهل فهم معاييره ويسهل تطبيقه وله فوائد كبيرة على المدى الطويل، في نقطة ما قد تستطيع الخوارزميات معالجة مثل هذه القضايا لكننا لسنا قريبين من ذلك في الوقت الحاليّ.

إن النماذج الخوارزمية ليست أسوأ مما نقوم به الآن، لكن مشكلات العدالة الخاصة بها من السهل تحديدها لأنها تحدث على نطاق واسع، ولحل تلك المشكلة يجب أن نحصل على معايير بيانات أكثر وأفضل وغير متحيزة، إن القيام بذلك سيساعدنا حتى لو لم نكن نستخدم خوارزميات التعلم الآلي لاتخاذ قرارات الموظفين.

المصدر: هارفرد بيزنس ريفيو

تعرّف على أنواع الاقتصاد العشرة ومعايير تصنيفها

 

إليكم حوصلة لمختلف أنواع النظم الاقتصادية بحسب المعايير المعتمدة في هذا المجال، وهي عديدة منها معيار الحجم ومعيار درجة التدخل الحكومي. ويعد الاقتصاد علما واسعا ومعقدا تتعدد فيه النماذج والمعايير. ومن خلال هذا المقال سوف نستعرض أبرز الأنظمة الاقتصادية، والخصوصيات التي تميز كل منها.

 

أهم أنواع الاقتصاديات

يعتبر نوع المنوال الاقتصادي موضوعا فضفاضا يمكن التحدث عنه لوقت طويل، وذلك بحسب السياق والمعايير التي نعتمدها. وهذا لا يعني أن هنالك نموذجا اقتصاديا أفضل من غيره، بل إن الأمر يرتبط باحتياجات الدول والشعوب في كل مكان وزمان.

التصنيف بحسب أنظمة السوق:
إذا كنا نريد تحليل الاقتصاديات بحسب قوانين الملكية والسوق ودور السلطة، يمكننا أن نميز هنا بين نماذج مختلفة:

 

1 السوق الحر:

ضمن هذا الإطار نجد الرأسمالية، وهي منظومة فكرية سائدة في الدول الغربية، تتميز بتحرير السوق وتطبيق مبادئ الملكية الخاصة لكل البضائع وجزء كبير من الموارد المتوفرة. ضمن هذا المنوال يتم تعديل السوق بناء على قوانين العرض والطلب السائدة. ومن أبرز الدول التي تدافع على الرأسمالية هنالك الولايات المتحدة، التي لا تزال الأسواق فيها تتميز بحرية النشاط والخضوع لقوانين العرض والطلب.

2 الإشتراكية:

في الجانب الآخر يمكن أن نجد النظام الإشتراكي في صورته الأكثر نقاء، وهو برنامج اقتصادي محدد تلعب فيه الدولة دورا محوريا، وتتحمل مسؤولية التدخل في السوق لضمان توفر الخدمات والبضائع الأساسية، وجعل هذا الدور أهم من مبدأ الملكية الفردية.

هذه المنظومة انبثقت عنها نسخة أخرى أكثر تطرفا وهي الماركسية أو الشيوعية، حيث أن الدولة لا تلعب فقط دورا تعديليا في السوق، بل تسيطر على كل وسائل الإنتاج. هذا المنوال يعود في الأصل إلى المقاربات الاشتراكية، وهنالك بعض القوانين الإشتراكية المعتمدة في الدول الغربية، حيث تم إدماجها في الفكر الرأسمالي ولكن دون السماح لها بالتدخل في الملكية الخاصة للأفراد.

3 النظام المختلط:

هنالك نوع ثالث من الاقتصاد، وهو المختلط. ويطالب المدافعون عن هذا الخيار بالحفاظ على اقتصاد السوق الحر، ولكن تحت قواعد تفرضها الحكومات. بمعنى أن السوق لا تعدل نفسها بنفسها من خلال آليات العرض والطلب، بل يقوم المسؤولون بهذه المهمة، وهذا النموذج يسمى أيضا بالنظام الكينزي.

4 الاقتصاد التقليدي:

النموذج الرابع والأخير ضمن هذا التصنيف هو الاقتصاد التقليدي، حيث لا توجد مجتمعات معقدة. في هذه الحالة فإن مختلف الأطراف المتدخلة في الاقتصاد تنظم نفسها عبر أنماط تتشكل من خلال عاداتها ومعتقداتها. هذا النوع من الاقتصاد يتميز بأنه محلي، يشمل مجموعة محدودة من الناس أو شركة صغيرة. وقد كان موجودا في البلدان الغربية قبل ظهور الدولة بمفهومها الحديث وتطور المجتمعات.

هذا المنوال يعتبر الأكثر بساطة ولكنه لا يتناسب إلا مع المشاكل الاقتصادية البسيطة. كما أنه تنتج عنه علاقات اقتصادية تحقق فوائد محدودة للأفراد، باعتبار أنه لا تزدهر فيه فكرة إعادة استثمار الأرباح لتطوير وسائل الإنتاج. واليوم لا يزال هذا النموذج قائما في بعض الدول غير المتقدمة، وفي المجتمعات البسيطة التي تلجئ في كل أزمة إلى طلب المساعدة من الدول الغنية.

 

التصنيف بحسب الحجم

هنالك طريقة أخرى لتصنيف الاقتصاديات، تتعلق بالنطاق الذي تشمله، ويوجد هنا نوعان من النظم الاقتصادية.

2. 1 الاقتصاد الجزئي:

ضمن اقتصاد الدول، يعتبر الاقتصاد الجزئي هو المستوى الذي يتم فيه تطوير نماذج تفسر سلوك الأفراد، مثل الشركات والمستهلكين والموظفين والمستثمرين. إضافة إلى ذلك فإن الاقتصاد الجزئي يدرس العلاقات بين مختلف هذه الأطراف، وكيفية مساهمتها في تشكل السوق. وعند القيام بهذا التحليل الاقتصادي سوف نحصل على بيانات حول البضائع وأسعارها داخل السوق المذكورة.

2. 2 الاقتصاد الكلي:

هذا النموذج الآخر يدرس سلوك الأطراف الكبرى المتدخلة في الاقتصاد. في هذه الحالة يتم تحليل الظواهر الاقتصادية المعقدة، وتحليل بيانات خلق الوظائف وإنتاج البضائع، ونماذج السلوكيات الشرائية وضبط الأسعار في الأسواق، وموارد الإنتاج، أو حتى الحصول على بيانات حول ميزان الدفعات في المؤسسات والكيانات الكبرى.

2. 3 التمييز بين الاقتصاديات بحسب التقييم:

هنالك طريقة أخرى لتصنيف النظم الاقتصادية، وذلك من خلال محاولة ضبط قيمة محددة لمختلف البيانات ومكونات النظام الاقتصادي، وهذا يعطينا هذه النماذج:

1 الاقتصاد الإيجابي:

هذا النوع هو الذي يعرض مختلف المسائل الاقتصادية بشكل موضوعي. وضمن هذا النموذج لا يتم إطلاق أحكام حول القيمة بناء على البيانات، ولهذا لا يمكننا الحديث عن نتائج جيدة أو سيئة، بل يتم تقديم الأرقام بشكل محايد. على سبيل المثال ضمن هذا النموذج تتم الإشارة على الناتج المحلي الخام لبلد معين برقم محدد من اليوروهات أو الدولارات، دون تقييم ذلك الرقم المحقق ووصفه بأنه جيد أو سيء.

نفس الشيء يحصل مع معدلات البطالة، ومدى تطور قطاع صناعي معين، ونسب الفائدة، والمعاشات، والاستثمار في مجال معين، وأي بيانات أو مؤشرات اقتصادية أخرى. هذا النوع من الفكر الإقتصادي يستخدم لوضع توقعات للتطورات المستقبلية بناء على البيانات المتوفرة. ولكن كل هذه البيانات يجب أن تكون موضوعية وقابلة للتثبت، حتى يكون العمل برمته محايدا.

2 الاقتصاد المعياري:

هذا النموذج على عكس الاقتصاد الإيجابي، يقوم على اعتماد وجهة نظر ذاتية عند تناول البيانات الاقتصادية، ولذلك يمكننا الحديث عن كون الناتج المحلي الخام مرتفع أو منخفض، ومعدلات البطالة تبعث على التفاؤل أو مثيرة للقلق، والنشاط الاستثماري منتعش أو غير كاف، ومعدلات الفائدة مشجعة أو خانقة للاستثمار.

 

وعلى عكس الاقتصاد الإيجابي، فإن الاقتصاد المعياري يتمحور حول تصوير الأوضاع الاقتصادية كما يراد لها أن تكون وليس بناء على الحقائق فقط. ويتم تنظيم هذا النموذج الاقتصادي بناء على الأحكام القيمية، وبالتالي تتدخل فيه الآراء الشخصية. وغالبا ما يتم التلاعب بالمؤشرات الاقتصادية وتصويرها بالشكل الذي يريده كل طرف بحسب انتمائه السياسي، وهكذا فإن نفس الأرقام والبيانات الاقتصادية قد يجعلها البعض سببا للاحتفال، ويعتبرها الآخرون مقلقة وموجبة للمحاسبة.

4. أنواع النماذج الاقتصادية بحسب التسميات والتعريفات:

في الأوساط الأكاديمية هنالك تصنيفات أخرى لأنواع النظم الاقتصادية، وذلك بحسب التسميات المعتمدة لتعريف كل منوال. بحسب هذه الطريقة يمكننا أن نفرق بين نوعين آخرين من الاقتصاديات.

4. 1 الاقتصاد الأرثوذكسي:

بحسب هذا التصنيف، فإن الاقتصاديات الأرثوذكسية والسلوكية هي أكثر الطرق شيوعا في تدريس علم الاقتصاد في الجامعات. هذا المعيار المعتمد يأخذ في الاعتبار مفاهيم المنطق والفردانية والتوازن. ويتم تقديم الاقتصاد على أنه علم صحيح، يفسر سلوك الأفراد والأطراف المتدخلة في هذا المجال من وجهة نظر منطقية. وبالتالي فإن من يبحثون في هذا المجال يفترض أن يكونوا قادرين على توقع المستقبل، وذلك من خلال وضع آليات وحسابات تمكنها من استباق التطورات والأحداث الاقتصادية بحسب سلوك الأفراد وحالة الأسواق.

4. 2 الاقتصاد البدعي:

في مواجهة النموذج السلوكي المنطقي، هنالك نوع آخر من النظم الاقتصادية وهو الذي يقوم على المؤسسات ودراسة التاريخ والهياكل الاجتماعية التي يتواجد ضمنها السوق. هذا الاقتصاد البدعي، عند تناوله للبيانات والمعلومات، فإنه على عكس النموذج السابق، يأخذ الأمور من وجهة نظر اجتماعية وبالتالي فهو لا يقدم تحليلا موضوعيا بل ذاتيا.

وبحسب الاقتصاد البدعي، فإن العوامل الاقتصادية يمكن أن تتحرك أحيانا بشكل عشوائي لا يمكن توقعه، ولهذا فإن نماذج التوقعات التي يتم وضعها تكون محدودة الدقة، ويجب علينا دائما أن نتذكر أن النتائج التي توقعناها يمكن أن تكون بعيدة جدا عن الواقع إذا قرر أحد الأطراف المتدخلة في هذا المجال تغيير موقفه أو سلوكه عن الذي كان متوقع.

 

التصنيف بحسب النظرية والممارسة

آخر نوع من التصنيفات بين النظم الاقتصادية هو الذي يميز بينها من خلال نوعية ممارستها، بمعنى ما إذا كانت نظرية بحتة أو على العكس من ذلك مطبقة.

5. 1 الاقتصاد النظري:

مثلما تشير إليه التسمية، فإن المنوال الاقتصادي النظري هو المعتمد لإنشاء نماذج مختلفة، ويكون ذلك نظريا فقط على الورق، من أجل تفسير سلوك الأسواق والأفراد.

5. 2 الاقتصاد التجريبي:

على العكس من الأول، هنالك نوع من الاقتصاد يعتمد على الواقع الميداني والتطبيق، ويتم تجريب كل نموذج بشكل فعلي من أجل التأكد من صحته وقربه من الواقع. ومنطقيا تبقى هذه الطريقة ضمن نطاق محدود، باعتبار أن تطبيق التجارب العملية في بيئة حقيقية هو أمر صعب، خاصة في مجال حساس كالاقتصاد، الذي يخضع لسلسلة طويلة من المخاطر والعوامل التي لا يمكن توقعها.

المصدر: بسيكولوخيا إي منتي