إضاءات تعليمية …. التعليم وأثره في اقتصاد الدول والأفراد

 

يعتبر التعليم محركًا قويًا للتنمية الاقتصادية للدول وأحد أدوات الحد من الفقر، ويساعد التعليم على نشر السلام والاستقرار بين الدول. كذلك يساعد التعليم على توفير فرص توظيف للأفراد وزيادة الدخل المادي للأسر. فحسب دراسة للبنك الدولي حول تأثير التعليم على الدخل فإن دخل الفرد يزيد بنسبة 9% في الأجر بعد التحاقه بسوق العمل مقابل كل عام إضافي من التعليم المدرسي. ولا يقتصر الأمر على المستوى الفردي لكنه يمتد ليشمل المستوى القومي أيضًا، حيث أجرت المؤسسة الدولية دراسة عن العلاقة بين جودة التعليم (والتي تم قياسها باستخدام اختبارات عالمية في الرياضيات والعلوم) ومستوى نمو الدخل القومي، وخلصت الدراسة التي أجريت على بيانات 50 دولة طيلة 40 عامًا إلى تفوق الدول التي تتمتع بتعليم أفضل على تلك التي لا تتمتع به في معدلات النمو بنسبة تبلغ 2% سنويًا خلال تلك الأعوام الأربعين. كذلك يحفز التعليم الابتكار في المؤسسات ويعزز التماسك الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين الجنسين.
وتشير دراسة لـجامعة هارفارد إلى أن أهمية التعليم وتأثيره في النمو الاقتصادي والاجتماعي يرجعان لأكثر من سبب منها أن الاستثمار في رأس المال البشري يزيد من الناتج العالمي بنسبة 62%، وتزيد هذه النسبة في الناتج مع زيادة نسبة الخدمات المقدمة للأفراد كما تشكل زيادة الآلات والموارد الطبيعية النسبة الباقية. وتؤكد هذه البيانات أن الاستثمار في الموارد البشرية أمر مربح أكثر من الاستثمار في الآلات أو في اكتشاف الموارد الطبيعية على الرغم من أهميتهما. كما تؤشر الدراسة إلى أن الدولار الواحد الذي يتم إنفاقه على التعليم في أي دولة، خاصة في الدول النامية، يعود إليها دخلًا سنويًا يتراوح بين 7-10 دولارات بين 15-20 سنة والذي يزيد من الاستثمارات طويلة المدى بالإضافة إلى أن فرص التعليم تساعد على تحسين مهارات وقدرات المتعلمين.
في الوقت الحالي تمر جميع الدول سواء المتقدمة أو النامية بجائحة كورونا والتي أدت إلى إغلاق المدارس منذ أوائل عام 2020، ما أدى إلى خسائر في التعليم وهذه الخسائر لن يتم تعويضها بسهولة حتى لو عادت المدارس إلى مستويات أدائها السابقة قبل الإغلاق. سيكون لهذه الخسائر آثار اقتصادية طويلة المدى على كل من الطلاب المتضررين وعلى مستوى الدول ما لم يتم علاج هذه الخسائر بشكل فعال. وفقدان فرص التعليم سيؤثر في اقتصاد الدول والأفراد خاصة في الدول النامية التي تعاني من تسرب الطلاب من المدارس بسبب هذه الجائحة.
إن خسائر التعليم غير معروفة حتى الآن بشكل دقيق، إلا أن الأبحاث الحالية تشير إلى أن الطلاب في الصفوف في المراحل الابتدائية والثانوية المتأثرين بإغلاق المدارس قد يتوقعون دخلًا أقل بنسبة 3% خلال سنوات حياتهم. أما بالنسبة للدول، فإن هذه الخسائر ستؤدي إلى انخفاض متوسط الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 1.5% للفترة المتبقية من القرن بسبب انخفاض النمو على مستوى الطلاب. وستزداد هذه الخسائر الاقتصادية إذا كانت المدارس غير قادرة على تعويض هذا الفقدان في التعليم. وبالطبع فإن الخسائر الاقتصادية ستكون أكبر في الدول الفقيرة التي تسرب فيها الطلاب من المدارس بسبب هذه الجائحة. حيث يؤكد إريك أ. هانوشيك الخبير في اقتصاد التعليم في جامعة ستانفورد أن الدول ستتكبد خسائر اقتصادية هائلة وإن إعادة المدارس إلى حيث كانت في عام ٢٠١٩ لن يجنبنا مثل هذه الخسائر وربما سيجعل الوضع أفضل.
هناك بعض الأساليب التي يمكن أن تخفف من حدة هذه الخسائر وهي بالتركيز على الاستثمار في جهود المعلم والطالب. إن الاهتمام بالنواحي اللوجستية مهم ولكن لابد أن يتم التركيز على الطالب والمعلم للتخفيف من هذه الخسائر وبالتالي حماية اقتصاد الدول والأفراد. حيث تشير الأبحاث الحالية إلى أن الاهتمام بتطوير مهارات المعلمين لتتماشى مع المهام والأنشطة التي يحتاجها الطالب يمكن أن ينقل المدارس بسرعة إلى أداء عالٍ. بالإضافة إلى أن الاضطرابات التي حدثت لأنظمة التعليم ستؤدي إلى زيادة الاختلافات في مستويات التعلم داخل الفصول الدراسية، لذلك فإن التركيز على المزيد من التدريس الفردي يمكن أن يجعل جميع الطلاب أفضل حالًا.
إضاءة أخيرة: مع استمرار جائحة كورونا واحتمالية إغلاق المدارس مرة أخرى، من الطبيعي تركيز اهتمام كبير على آليات ولوجستيات إعادة الفتح الآمن. لكن الآثار الاقتصادية طويلة الأجل تتطلب أيضًا اهتمامًا جادًا من خلال الاستثمار في رأس المال البشري فهو أساس تقدم الدول.
باحثة في سياسات التعليم
د.أسماء الفضالة

مفاتيح لتنمية ذاكرة الأطفال

لا يمكن التحدث عن التعلم دون الحديث عن الذاكرة المسؤولة عن تخزين كل المعرفة التراكمية التي اكتسبناها حتى نتمكن من استخدامها لاحقًا. لذلك، من المهم تقوية ذاكرة الطفل منذ نعومة أظفاره.
يمكن تقوية ذاكرة الطفل مع مراعاة ما يحفزه ومدى اهتمامه بالمحتوى الذي يتعين عليه تذكره. إن الذاكرة مهمة جدا في حياتنا أكثر مما نتصوّره. تحتفظ أدمغتنا بالمعلومات بشكل لا إرادي فيمات يسمى بـ “الذاكرة التلقائية” في حين أن نسبة ضئيلة من المعلومات نحتفظ بها بصفة طوعية. لهذا السبب، يعتبر الاهتمام عاملا أساسيا في عملية التعلم.

أنواع الذاكرة لدى الأطفال

يمكن تعريف ذاكرة الرضيع خلال الأشهر الأولى من ولادته بأنها الطريقة التي يتعرف بها الأطفال على مواقف معينة مروا بها سابقًا. قبل بلوغ السادسة، تكون الذاكرة أشبه بسيرة ذاتية، أي أن الطفل في هذه المرحلة يتذكر الأحداث الماضية لكن ليس لديه القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات طواعية. وحين يبلغ الطفل السادسة، تصبح الذاكرة ناضجة ويكون دماغ الطفل قادرا على تخزين المعلومات طواعية. وهذا يعني أن هناك أنواعا مختلفة من الذاكرة التي تصنف حسب معايير معينة.

حسب نوع المعلومات

– الذاكرة الدلالية: مسؤولة عن تخزين المعلومات المتعلقة بالمعرفة والحقائق العامة للعالم.
– الذاكرة العرضية: تتمثّل وظيفتها في تخزين الأحداث واللحظات والأماكن والعواطف من أحداث الحياة الماضية.
– الذاكرة الإجرائية: تشير إلى القدرات أو المهارات التي تم اكتسابها والتي نقوم بتنشيطها دون وعي وتلقائيا من خلال الحركات أو الاستراتيجيات المعرفية مثل التزلج وركوب الدراجة والقيادة، من بين أنشطة أخرى.
– الذاكرة اللفظية: تجعل المعلومات تأتي إلينا عبر القناة السمعية حيث علينا أن نتذكر الكلمات وعنصرا لفظيا آخر بعد فترة قصيرة من الزمن.
– الذاكرة غير اللفظية أو المرئية: يكون الحافز الذي يجب أن نتذكره في شكل صورة بصرية.

حسب كيفية احتفاظنا بالمعلومات التي حصلنا عليها

– الذاكرة العاملة أو التشغيلية: تتعلق بالقدرة على الاحتفاظ بالمعلومات والتفاصيل التي ستكون ضرورية للنشاط الذي نقوم به.
 – الذاكرة طويلة المدى: حين نقوم بتخزين المعلومات، سنحتاج إلى استرجاعها على مدى فترة زمنية طويلة.

أفكار لتنمية ذاكرة الأطفال

بعد تسليط الضوء على أنواع الذاكرة، فيما يلي بعض الأفكار لتطوير ذاكرة الطفل وتعزيز اهتمامه بما يتعلمه لأن الاهتمام يلعب دورا ضروريا في تقوية الذاكرة. خلال عملية التعلم، من المهم أن يكون الأطفال سعداء ويستمتعوا بذلك لتحقيق نتائج أفضل.

احكي له قصة ثم أطرح عليه أسئلة عنها

تعتبر قراءة القصص من بين الأدوات المفيدة في تنمية ذاكرة الأطفال. احكي لطفلك قصة ثم اطرح عليه أسئلة بسيطة حولها، لتعرف ما يتذكره من أحداث وتفاصيل.

استخدام التكنولوجيا بشكل متقطع وفي الوقت المناسب

تتوفر العديد من تطبيقات الألعاب لتعزيز الذاكرة المرئية والسمعية، لكن يبنغي الحرص على عدم إساءة استخدام الشاشات.

اصنع ألغازا أو أحجية صور مقطوعة لتنمية ذاكرة الأطفال

تعد محاولة صنع الألغاز والأحجيات بعد رؤية الصورة المراد تشكيلها نشاطا رائعا لتنشيط الذاكرة وتحفيز الانتباه. كما يساعد هذا النشاط على تحسين التنسيق بين اليدين والعينين والمهارات الحركية الدقيقة.

الموسيقى

يمكن استخدام الموسيقى لتخمين الأغاني المفضلة لدى طفلك أو الكلمات، خاصة مع الأطفال الأكبر سنا.

تركيب جمل متفاوتة التعقيد

اطلب من طفلك القيام بشيء ما من خلال جملة بسيطة، ثم أضف المزيد من التفاصيل بشكل تدريجي. فعلى سبيل المثال، اطلب منه “إخراج البيجامة”، ثم “إخراج البيجامة الموجودة في الدرج” ثم “إخراج البيجامة الزرقاء من الدرج السفلي من الخزانة”. من خلال إضافة الكلمات إلى الجملة تزيد من عدد التفاصيل التي يجب عليه تذكرها للعثور على ما تطلبه منه وبالتالي تعزيز ذاكرته.

ألعاب الذاكرة

هناك أنواع مختلفة من ألعاب الذاكرة التي تقوم بشكل أساسي على نشر بعض البطاقات المقلوبة على الطاولة وتحديد مكان المتشابهة من بينها. تكمن الصعوبة في أنه عليه تذكر مكان بعض هذه البطاقات ليتمكن من مطابقتها. يمكن أيضا ممارسة لعبة “سيمون يقول”، حيث عليه تذكر تسلسل الألوان لإعادة قولها بنفس الترتيب.

تحسين ذاكرة السيرة الذاتية

يمكننا أن نطرح على الطفل أسئلة حول الأحداث الماضية وعيد ميلاده وعطلات الصيف وكيف كان يومه، وما إلى ذلك. بالإضافة إلى تمرين الذاكرة، سيكون هذا الأمر مفيدا أيضًا لمعرفة ما يفكر به أطفالنا ويشعرون به.
ليس من الصعب تطوير ذاكرة الطفولة. إذا قمنا بذلك منذ سن مبكرة، ستكون قدرة الطفل على تذكر المعلومات أكثر تطورا في المستقبل. كما تمنحك جميع النصائح المذكورة آنفا فرصة لقضاء بعض الوقت مع أطفالك ولمعرفة ما يفكرون ويشعرون به. لا تتردد في ممارسة هذه الألعاب واتباع هذه الأفكار لتحسين ذاكرة أطفالك الصغار، لأنك بذلك ستجعلهم يستمتعون بوقتهم وستتمكن من تنشيط ذاكرتهم بشكل فعال.

المصدر: مادريس إي ماس

منطق الحرب

يتواجد الجيش الأمريكي، عسكرياً أو استخباراتياً، في معظم الحروب العالمية منذ ما يقارب القرن. ولم يكن الأسلوب في كل حرب، وفي كل فترة، مشابهاً، بل اختلف وفق رؤية بعض المنظّرين العسكريين. ويتساءل هذا الكتاب عن أشكال التفكير الاستراتيجي الأمريكي وطريقة هذه القوة الساحقة على المستوى العالمي في الحرب.
 يكشف المؤرخ أنتوليو جوزيف إتشيفاريا في هذا العمل كيف فكرت الأجيال المتعاقبة من المنظرين الاستراتيجيين الأمريكيين في الحرب. ويحلل أعمال عدد من المفكرين، متناولاً المفاهيم النقدية والمبادئ الأساسية والافتراضات الرئيسية حول طبيعة الحرب، محدداً أربعة نماذج لطبيعة الحرب: تقليدية، وحديثة، وسياسية، ومادية، شكّلت الفكر الاستراتيجي الأمريكي.
 ويقدّم الكتاب منظوراً جديداً للفكر الاستراتيجي الأمريكي في القرن العشرين. والأهم من ذلك، أنه يقدم رؤى فريدة حول كيفية تصور العديد من المنظرين الاستراتيجيين الأمريكيين البارزين للنزاع المسلح. ويرمز العنوان «منطق الحرب» إلى طريقة عامة للتفكير في الحرب، فهو يشير إلى المنطق الذي يكمن وراء المفاهيم النقدية، والمبادئ الأساسية، والافتراضات المتعلقة بطبيعة الحرب وشخصيتها. ويستشهد الكاتب بكارل فون كلاوزفيتز، الذي يرى أن منطق الحرب دائماً سياسي بطبيعته. وبالمثل، فإن الطريقة الأمريكية في التفكير في الحرب كانت في كثير من الأحيان ذات طبيعة سياسية على حد قوله.

 سبعة أجيال من التفكير الاستراتيجي

 يعاين الكتاب على وجه التحديد، أفكار اثني عشر من كبار المنظّريين الاستراتيجيين الأمريكيين، هم: ألفريد ثاير ماهان، وويليام (بيلي) ميتشل، وبيمارد برودي، وروبرت إي أوسجود، وتوماس سي شيلينج، وهيرمان كان، وهنري إي إيكلس، وجوزيف سي ويلي، هاري جي سامرز جونيور، وجون بويد، وويليام س.ليند، وجون واردن الثالث.
 ويقول الكاتب: «في حين أن مفاهيمهم ونظرياتهم لا يمكن أن تعبّر عن الحصيلة الكاملة للطريقة الأمريكية في التفكير بشأن الحرب، إلا أنهم يمثلون جانباً معقولاً من وجهات النظر العسكرية وغير العسكرية: اثنان من الجيش الأمريكي، بما في ذلك ميتشل؛ وثلاثة من البحرية الأمريكية؛ واثنان من القوات الجوية الأمريكية، أحدهما (بويد) أصبح عضواً فخرياً في سلاح مشاة البحرية الأمريكية؛ وخمسة مدنيين، تغطي أفكارهم في مجملها أكثر من سبعة أجيال من التفكير الاستراتيجي الأمريكي. ومن المسلّم به أنه ليس كل مؤلف مذكور هنا مؤهل ليكون منظّراً استراتيجياً. فقد كان ميتشل وسامرز من النقاد والمعلقين العسكريين أكثر من كونهما منظّرين. واهتم بويد وليند وواردين بتحسين فن العمليات بدلاً من التنظير حول الاستراتيجية العسكرية. ومع ذلك، حاول كل مفكر منهم تغيير النهج الأمريكي للحرب، ونجح كل منهم على الأقل جزئياً».
 ولأغراض هذه الدراسة، تشير طبيعة الحرب إلى إحساس المؤلف بما كان عليه النزاع المسلح، من حيث الجذور؛ في حين أن طبيعة الحرب تشير إلى الجوانب الإجرائية للنزاع المسلح، أو طريقة للقتال يشمل أنواعاً من النزاعات، مثل الحرب الثورية أو الأهلية، إضافة إلى أنواع الحرب، مثل الحرب البحرية أو الحرب الجوية.
 وقدم السياق دليلاً بشكل معقول حول ما إذا كان المؤلف يعني طبيعة الحرب أو طابعها، كما هو محدد في هذه الدراسة. على سبيل المثال، يكشف في الفصول الأولى من الكتاب نقاش ماهان مع نورمان أنجيل حول ما إذا كان القتل في الحرب يمكن تبريره أخلاقياً، فقد اعتقد الاستراتيجي البحري أن الصراع المسلح أساساً هو امتداد عنيف للجانب التنافسي للطبيعة البشرية.علاوة على ذلك، من الممكن أن يكون لدى اثنين من المنظرين فهمٌ مشابه لطبيعة الحرب، ولكن هناك إحساس مختلف تماماً بطابعها. ورأى ماهان «أن القوة البحرية هي عامل حاسم». بينما اعتبر ميتشل أن «القوة البحرية طغت عليها القوة الجوية».
 ويضيف: «بالمقارنة، يستخدم المهنيون العسكريون في القرن الحادي والعشرين مصطلح طبيعة الحرب، للإشارة إلى تلك الخصائص التي تشترك فيها جميع النزاعات المسلحة.. وكل الحروب تتضمن «صراع إرادات متعارضة»، على سبيل المثال، إضافة إلى عناصر الصدفة وعدم اليقين التي تجعل من المستحيل اختزال الحرب إلى علم يمكن التنبؤ به.. ويُنظر إلى طبيعة الحرب على أنها غير متغيرة لأن تلك القوى، على الرغم من ديناميكيتها ومتغيراتها، موجودة دائماً، حتى لو كانت في حدها الأدنى. في المقابل، تشير عبارة طابع أو شخصية الحرب إلى العديد من أنواع النزاعات المسلحة، بما في ذلك أنواع المشاركين وطرقهم القتالية، والتي تختلف بشكل طبيعي عبر الزمن والثقافات.

 أربعة نماذج متميزة

 وكما يوضح هذا الكتاب، فإن ما لا يقل عن أربعة نماذج أو نماذج متميزة لطبيعة الحرب دعمت التفكير الاستراتيجي الأمريكي في القرن العشرين: التقليدية، والحديثة، والمادية، والسياسية. ويقول المؤلف: «صنف ماهان وميتشل النموذج التقليدي الذي رأى الصراع المسلح نتيجة طبيعية للغرائز التنافسية للطبيعة البشرية. ونشأ ماهان وفقاً للقيم الأسقفية وكان يعتقد أن الطبيعة البشرية لها صفة «ساقطة»، أو فاسدة. وعلى الرغم من أن ميتشل نشأ في مدرسة داخلية أسقفية، إلا أنه كان، بالمقارنة معه، أكثر حيادية. ومع ذلك، يعتقد كلاهما أن السلوك السلبي لا ينفصل عن الحالة الإنسانية، التي بدورها جعلت الحرب حتمية، ولكنها مؤسفة. والنموذج التقليدي، الذي ساد خلال الحرب العالمية الثانية، طبّق بشكل جيد على النزاعات النظامية، وغير النظامية. كما أنه لم يكن أمريكياً بشكل فريد، حيث يمكن العثور على محاولات لشرح الصراع المسلح باعتباره ثمرة للطبيعة البشرية في الكتابات العسكرية الأوروبية الكلاسيكية، مثل تأملات ماركوس أوريليوس».
أما النموذج الثاني، أو الحديث، فيرى الكاتب أنه قد توسع وصقل النموذج التقليدي بمساعدة الترجمة الإنجليزية لكتاب كلاوزفيتز عن الحرب لمايكل هوارد وبيتر باريت. ويرى الكاتب أن هذا النص الذي ساهم أيضاً في نهضة كلاوزويتز نوعاً ما، زوّد الممارسين العسكريين والسياسيين الأمريكيين بإطار عمل جاهز لتوضيح الدور المركزي للصدفة، وعدم اليقين في الحرب. وكانت الحرب لا تزال امتداداً عنيفاً للطبيعة البشرية، لكن عوامل الصدفة وعدم اليقين المنهكة حظيت باهتمام إضافي. وبحلول الخمسينات من القرن الماضي، بدأ إيكلز وويلي بدمج هذه العناصر في نظرياتهما. وساعد هذان الضابطان البحريان، إلى جانب العقيد بالجيش الأمريكي هاري سمرز، في تهيئة الظروف للتحول إلى النموذج الحديث لطبيعة الحرب.
 ويذكر الكاتب أنه تم تبني هذا النموذج بحماس من قبل ليند وبويد، ومجموعة من منظّري المناورة الآخرين خلال الثمانينات، قائلاً: «جسدت أفكار بويد أيضاً التحول العلماني المتزايد للنموذج. ورغم أنه وُلِد في عائلة كاثوليكية رومانية، لكنه أصبح يعتقد أن الطبيعة التنافسية للطبيعة البشرية محددة بيولوجياً، وهو دافع أساسي وليس عيباً روحياً».
 ويعتبر النموذج الثالث، أو المادي، لطبيعة الحرب، نزاعاً مسلحاً إلى حد كبير من خلال عدسة تكنولوجية. وقد بدأ هذا النموذج بالتشكل في أوائل التسعينات في أعقاب عملية درع الصحراء/ عاصفة الصحراء التي ظهرت فيها لأول مرة بعض قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى، وإن كان ذلك بأعداد محدودة. واعتبرت التأثيرات المنهكة للصدفة وعدم اليقين على أنها قابلة للتخفيف إلى حد كبير من خلال تكنولوجيا المعلومات، وانتقدت النموذج الحديث لكونه ضيق الأفق ومعادياً للابتكار.
 يقول الكاتب، إن «الجودة المادية للنموذج جاءت من الافتراض المزدوج بأن تدمير القدرة المادية المقاومة لطرف ما سيكون كافياً لتدمير استعداده للقتال، وإنه يمكن إيجاد حلول ملموسة لمعظم معضلات الحرب، على وجه التحديد، إذ إن تكنولوجيا المعلومات يمكن أن «ترفع الضباب عن حرب ما». باختصار، سعى النموذج المادي إلى تجاهل الطبيعة غير الملموسة للحرب لمصلحة طابعها الملموس. وبعد كل شيء، كان من المفترض أن يتعامل الممارسون العسكريون مع العالم المادي، وليس نظيره الميتافيزيقي. وأرست نظريات واردن الأساس لهذا النموذج، بينما طورها منظّرو القوة الجوية والمتخصصون في الضربات الدقيقة. والجدير بالذكر أن «ثالوث كلاوزفيتز» أغفل تأثيرات التكنولوجيا والقوة الاقتصادية. ومع ذلك، اقترح المؤرخ مايكل هاندل «تربيع» «الثالوث» من خلال إضافة بعد مادي عليه. وكان من الممكن أن يخلق هذا الاقتراح المساحة المفاهيمية المطلوبة لدمج النماذج الحديثة والمادية. ومع ذلك، رأى معظم مؤدي كلاوزفيتز أن الإضافة غير ضرورية، ولم يدعموها أبداً بما يكفي لاكتساب الزخم».
 النموذج الرابع، أو السياسي، كما يتحدث عنه الكاتب، يشبّه طبيعة الحرب بنابض ملفوف، ويقول عنه: «يعتبر الهدف السياسي هو المحدد الرئيسي لطبيعة الحرب، والعنصر الوحيد ذا المعنى لدى كلاوزفيتز. فهو يعتقد أن وقوع حادث صغير، أو خطأ في التقدير يمكن أن يؤدي إلى تصعيد عنيف بشكل مدمّر، ليس بسبب الطابع الآلي للحرب النووية فقط، ولكن أيضاً لأن الغرائز العسكرية والعواطف العامة كانت تُعتبر متفجرة. وحقق هذا النموذج أوضح تعبير له مع ظهور نظرية الحرب المحدودة في الخمسينات من القرن الماضي، على الرغم من أنه يمكن للمرء أن يجد دليلاً على ذلك قبل ذلك بفترة طويلة، ولا يزال يؤثر في الكثير من الاستراتيجية الأمريكية، كما يتضح من حقيقة أن القرارات المعاصرة للحد من الأعمال العسكرية هي انعكاسية إلى حد كبير، وليست محسوبة. وروّج برودي وأوسجود وشيلنج وكان – مثقفو استراتيجية ويجلي – بنشاط لهذا النموذج، بحجة أن السياسة فقط هي التي تتمتع بالمنظور الواسع اللازم لضمان إدارة غرائز الجيش وعواطف الجماهير بشكل صحي».
 ويعلق الكاتب على هذا النموذج بالقول: «إن الخلل المتأصل في هذا النموذج، بالطبع، هو افتراضه أن السياسة نفسها هي عقلانية استباقية، بينما يقدم التاريخ حالات عدة يكون فيها العكس صحيحاً». ويقول في النهاية: «تظهر هذه النماذج الأربعة أدلة قليلة على «التحول» بالمعنى الذي أشاعه مؤرخ العلوم توماس كون في عمله عام 1962، «هيكل الثورات العلمية». وعرّف كون النماذج العلمية على أنها: «الإنجازات العلمية المعترف بها عالمياً، والتي توفر لبعض الوقت مشكلات وحلولاً نموذجية لمجتمع من الممارسين»، والتي تؤثر في القواعد والتوقعات والتعليم لتشكيل «الأساس لممارسة العلم»».

 الاستراتيجية وفق التحولات

 يرى المؤلف أنه في سياق مماثل، تم اشتقاق النماذج الاستراتيجية التي تمت مناقشتها من الإنجازات العسكرية المعترف بها (الاستخدامات الناجحة للقوة) التي قدمت لبعض الوقت مشاكل وحلولاً نموذجية (المفاهيم والإجراءات العقائدية) للمجتمعات العسكرية والسياسية، والتي بدورها شكلت القواعد والتوقعات، والتعليم المهني لتشكيل الأساس للممارسة الاستراتيجية الحالية. وعلاوة على ذلك، تستمر النماذج الحديثة والمادية والسياسية في المساهمة في تشكيل وتعزيز المنظر الاستراتيجي، كما يتضح من المعارك التي لا نهاية لها على ما يبدو حول ميزانية الدفاع الأمريكية والاستراتيجية العسكرية الوطنية للبلاد. وبالتالي، فإن مفاهيم طبيعة الحرب لها أهمية مركزية، على عكس ما جادل به بعض الأكاديميين أو الممارسين. فكل مجتمع يفضّل نموذجه، وإن كان غير كامل، على النماذج الأخرى، على الرغم من تقديم بعض التنازلات من أجل المصلحة المشتركة.

 أمريكا تحارب نفسها

يقول الكاتب: «يجب أن يتضمن أي تحليل للطريقة الأمريكية في التفكير بشأن الحرب خلال القرن العشرين، السؤال: كيف تغيرت أمريكا نفسها خلال هذا الإطار الزمني؟ مع استثناءات قليلة. أمريكا ماهان، على سبيل المثال، كانت «في حالة حرب مع نفسها» من الناحية الاجتماعية والثقافية، وهي حقيقة تلقي مزيداً من الضوء على قناعته بأن القوة البحرية يمكن أن توحد وتقوي شعباً ثقافياً واجتماعياً. وبالمقارنة، كانت أمريكا ميتشيل «غير مرتبكة وحساسة» كما كان حلّه للتحديات الدفاعية المستقبلية للبلاد هو إنشاء خدمة جوية وطنية تحت قيادة رئيس واحد. وبالتالي، كان حلّه أقل شذوذاً في طبيعته وأكثر تناغماً».
يجدر الذكر أن الكتاب صادر حديثاً عن مطبعة جامعة كامبريدج ضمن 300 صفحة.