إضاءات تعليمية …. التعليم وأثره في اقتصاد الدول والأفراد

 

يعتبر التعليم محركًا قويًا للتنمية الاقتصادية للدول وأحد أدوات الحد من الفقر، ويساعد التعليم على نشر السلام والاستقرار بين الدول. كذلك يساعد التعليم على توفير فرص توظيف للأفراد وزيادة الدخل المادي للأسر. فحسب دراسة للبنك الدولي حول تأثير التعليم على الدخل فإن دخل الفرد يزيد بنسبة 9% في الأجر بعد التحاقه بسوق العمل مقابل كل عام إضافي من التعليم المدرسي. ولا يقتصر الأمر على المستوى الفردي لكنه يمتد ليشمل المستوى القومي أيضًا، حيث أجرت المؤسسة الدولية دراسة عن العلاقة بين جودة التعليم (والتي تم قياسها باستخدام اختبارات عالمية في الرياضيات والعلوم) ومستوى نمو الدخل القومي، وخلصت الدراسة التي أجريت على بيانات 50 دولة طيلة 40 عامًا إلى تفوق الدول التي تتمتع بتعليم أفضل على تلك التي لا تتمتع به في معدلات النمو بنسبة تبلغ 2% سنويًا خلال تلك الأعوام الأربعين. كذلك يحفز التعليم الابتكار في المؤسسات ويعزز التماسك الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين الجنسين.
وتشير دراسة لـجامعة هارفارد إلى أن أهمية التعليم وتأثيره في النمو الاقتصادي والاجتماعي يرجعان لأكثر من سبب منها أن الاستثمار في رأس المال البشري يزيد من الناتج العالمي بنسبة 62%، وتزيد هذه النسبة في الناتج مع زيادة نسبة الخدمات المقدمة للأفراد كما تشكل زيادة الآلات والموارد الطبيعية النسبة الباقية. وتؤكد هذه البيانات أن الاستثمار في الموارد البشرية أمر مربح أكثر من الاستثمار في الآلات أو في اكتشاف الموارد الطبيعية على الرغم من أهميتهما. كما تؤشر الدراسة إلى أن الدولار الواحد الذي يتم إنفاقه على التعليم في أي دولة، خاصة في الدول النامية، يعود إليها دخلًا سنويًا يتراوح بين 7-10 دولارات بين 15-20 سنة والذي يزيد من الاستثمارات طويلة المدى بالإضافة إلى أن فرص التعليم تساعد على تحسين مهارات وقدرات المتعلمين.
في الوقت الحالي تمر جميع الدول سواء المتقدمة أو النامية بجائحة كورونا والتي أدت إلى إغلاق المدارس منذ أوائل عام 2020، ما أدى إلى خسائر في التعليم وهذه الخسائر لن يتم تعويضها بسهولة حتى لو عادت المدارس إلى مستويات أدائها السابقة قبل الإغلاق. سيكون لهذه الخسائر آثار اقتصادية طويلة المدى على كل من الطلاب المتضررين وعلى مستوى الدول ما لم يتم علاج هذه الخسائر بشكل فعال. وفقدان فرص التعليم سيؤثر في اقتصاد الدول والأفراد خاصة في الدول النامية التي تعاني من تسرب الطلاب من المدارس بسبب هذه الجائحة.
إن خسائر التعليم غير معروفة حتى الآن بشكل دقيق، إلا أن الأبحاث الحالية تشير إلى أن الطلاب في الصفوف في المراحل الابتدائية والثانوية المتأثرين بإغلاق المدارس قد يتوقعون دخلًا أقل بنسبة 3% خلال سنوات حياتهم. أما بالنسبة للدول، فإن هذه الخسائر ستؤدي إلى انخفاض متوسط الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 1.5% للفترة المتبقية من القرن بسبب انخفاض النمو على مستوى الطلاب. وستزداد هذه الخسائر الاقتصادية إذا كانت المدارس غير قادرة على تعويض هذا الفقدان في التعليم. وبالطبع فإن الخسائر الاقتصادية ستكون أكبر في الدول الفقيرة التي تسرب فيها الطلاب من المدارس بسبب هذه الجائحة. حيث يؤكد إريك أ. هانوشيك الخبير في اقتصاد التعليم في جامعة ستانفورد أن الدول ستتكبد خسائر اقتصادية هائلة وإن إعادة المدارس إلى حيث كانت في عام ٢٠١٩ لن يجنبنا مثل هذه الخسائر وربما سيجعل الوضع أفضل.
هناك بعض الأساليب التي يمكن أن تخفف من حدة هذه الخسائر وهي بالتركيز على الاستثمار في جهود المعلم والطالب. إن الاهتمام بالنواحي اللوجستية مهم ولكن لابد أن يتم التركيز على الطالب والمعلم للتخفيف من هذه الخسائر وبالتالي حماية اقتصاد الدول والأفراد. حيث تشير الأبحاث الحالية إلى أن الاهتمام بتطوير مهارات المعلمين لتتماشى مع المهام والأنشطة التي يحتاجها الطالب يمكن أن ينقل المدارس بسرعة إلى أداء عالٍ. بالإضافة إلى أن الاضطرابات التي حدثت لأنظمة التعليم ستؤدي إلى زيادة الاختلافات في مستويات التعلم داخل الفصول الدراسية، لذلك فإن التركيز على المزيد من التدريس الفردي يمكن أن يجعل جميع الطلاب أفضل حالًا.
إضاءة أخيرة: مع استمرار جائحة كورونا واحتمالية إغلاق المدارس مرة أخرى، من الطبيعي تركيز اهتمام كبير على آليات ولوجستيات إعادة الفتح الآمن. لكن الآثار الاقتصادية طويلة الأجل تتطلب أيضًا اهتمامًا جادًا من خلال الاستثمار في رأس المال البشري فهو أساس تقدم الدول.
باحثة في سياسات التعليم
د.أسماء الفضالة