يشهد العالم أزمات اجتماعية – بيئية، لا يمكن حلها بمنطق وسياسات الرأسمالية والإمبريالية، بل يجب التوجه إلى سياسة عالمية مختلفة ملتزمة بمراعاة الجوانب الإنسانية والبيئية بشكل يخدم البشرية والكوكب الذي نعيش فيه. يتناول هذا الكتاب الصفقات الخضراء، وكيف سيكون لتطبيقها تأثير هائل على حركة العالم الحالي.
أطلقت عضوة الكونجرس الأمريكي ألكساندريا أوكاسيو كورتيز في العام 2018، فكرة الصفقة الخضراء الجديدة في الوعي الشعبي. واستحضاراً للطموحات بعيدة المدى التي تحمل الاسم نفسه، فقد أصبحت كلمة مرور في العصر الحالي لأزمة المناخ العالمية. ولكن ما هي الصفقة الخضراء الجديدة ولمن؟
يقدّم الكاتب ماكس آجل في هذا الكتاب لمحة عامة عن مختلف الصفقات الخضراء الجديدة السائدة. ومن خلال الانخراط مع مؤيديها، والأسس الأيديولوجية والقيود، يمضي في رسم بديل جذري: «صفقة جديدة خضراء للناس» ملتزمة بانخفاض النمو، ومعاداة الإمبريالية، والبيئة الزراعية.
يشخص الكاتب جذور الأزمة الاجتماعية – البيئية الحالية على أنها ناشئة من نظام عالمي يهيمن عليه منطق الرأسمالية والإمبريالية. ويرى بأن حل هذه الأزمة لا يتطلب سوى تحول في البنية التحتية والزراعة في شمال الكرة الأرضية، والتقارب الصناعي بين الشمال والجنوب.
بعد المقدمة، يتكون الكتاب من جزأين: يتألف الجزء الأول بعنوان «رأس مال التحولات الخضراء» من ثلاثة فصول هي: انتقال كبير – أم حصن القومية البيئية؟؛ التغيير دون تغيّر: الحداثة البيئية؛ استخدام الطاقة وتراجع النمو والصفقة الجديدة الخضراء؛ الديمقراطية الاجتماعية الخضراء أم الاشتراكية البيئية؟ ويتكون الجزء الثاني بعنوان «صفقة خضراء جديدة للناس» من ثلاثة فصول هي: العالم الذي نرغب في رؤيته؛ كوكب من الحقول؛ مناهضة الإمبريالية الخضراء والمسألة الوطنية، وأخيراً الخاتمة.
تأثير الرأسمالية
يقول الكاتب ماكس آجل: «إن تأثير الرأسمالية على موارد العالم يصبح أثقل، وهو الآن يتجاوز بشكل كبير قدرة الكوكب على تجديد نفسه. وهذا يشمل التأثير المادي، في المناجم الهائلة واستخدام الطاقة لعالم التكنولوجيا». يتحدث المؤلف عن نموذج شركة أمازون العملاقة التي يجد أنها ستحل المرتبة 70 على مستوى العالم لو كانت دولة من ناحية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، خاصة مع تقلص الحياة من حيث الطول والنوعية بسبب حرية التلوث، خاصة في جنوب الكرة الأرضية. ويعلق على ذلك: «تحتاج أمازون إلى وصول رخيص إلى المواد الخام التي تمثل المدخلات لآلاف من المناديل والأدوات اليدوية التي تتدفق من مصنع إلى عائلة، وتمزق العالم الذي نعيش فيه، وتحقق ربحاً كبيراً في جيوب الكوكب: بيزوس. أمازون تعتمد على إبقاء الفقراء في العالم الثالث فقراء، وغالباً لا يملكون أرضاً، وينزحون إلى الأحياء الفقيرة، ويجبرون على العمل في مصانع تنتج ما تبيعه أمازون».
ويضيف: «صفقة خضراء جديدة تتخيل استبدال مركبات التوصيل التي تعمل بالنفط بتلك التي تعمل على بطاريات الليثيوم، والتي تتخيل اقتصاداً استهلاكياً مغلق الحلقة يعتمد على إعادة تدوير كل جزء من المعدن والبلاستيك واستبدال الغاز الطبيعي بمدعم من الطاقة النووية للدولة، يمكن أن تعمل مع نموذج أعمال أمازون والرأسمالية التي تناسبها. لن تكون هذه مشكلة على الإطلاق لبيزوس، على الأقل في المدى القصير. لكن الصفقة الجديدة الخضراء للناس القائمة على الوصول الشامل إلى الطاقة المتجددة، ومدفوعات الديون المناخية، والأماكن العامة غير السلعية، وتمويل الفنون، والمكتبات العامة على مدار 24 ساعة، والسيادة الغذائية في الجنوب والشمال على حد سواء من شأنها أن تعيث فساداً في سلسلة إمدادات أمازون. لأنه سيمكّن العمال ويقضي على الاستهلاك القسري، وسيقطع أجزاء ضخمة من احتياجات الناس عن دوائر التراكم الرأسمالي. فالانتقال إلى الإيكولوجيا الزراعية، أو«تطبيق المبادئ والمفاهيم البيئية لتصميم وإدارة النظم الإيكولوجية الزراعية المستدامة»، من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التفكك في هيكلة العالم الصديق لأمازون. في الجنوب، مثل هذه الخطة للانتقال الكوكبي العادل من شأنها أن تفكك النظام الرأسمالي الذي يعتمد على الاستغلال الفائق للعالم الثالث، واستخدامه كمكب للقمامة ومورّد للعمالة. ستصبح الصفقة الخضراء الجديدة للناس اشتراكية بيئية..».
يدور هذا الكتاب بشكل أساسي حول مناقشة الصفقة الخضراء الجديدة في الولايات المتحدة. ويرى الكاتب أن «الأهم من ذلك، أن كل ما تفعله النخبة السياسية الأمريكية أو لا تفعله يحدث ويؤثر في عالم غير متوازن بشكل حاد، من ميزانيات البنتاجون ودولار النفط الذي يترجم إلى حريق من السماء على أصحاب الحيازات الصغيرة، إلى قرار نزع السلاح، إلى سرعة تخفيض الانبعاثات. ومن التكنولوجيا المحملة بالكوبالت لبطاريات أساطيل السيارات الكهربائية التي تعتمد على استمرار التخلف وإبادة الكونغو التي غذتها الحرب للحفاظ على أسعارها الرخيصة، إلى قرار نقل سكان الولايات المتحدة بسرعة إلى وسائل النقل العام المكهربة والدراجات والعمل المحلي».
تهدف الصفقة الخضراء الجديدة إلى تغيير الإنتاج المادي والقوة الاجتماعية وكيفية تفاعل البشر مع البيئة. والصفقات الخضراء الجديدة التي تسعى إلى مساعدة الدول الأخرى على التحول إلى أشكال أنظف من الإنتاج هي التي تكون أكثر ديمقراطية وإنسانية وعادلة، ولديها تحول عالمي إلى أشكال الزراعة الإيكولوجية القائمة على السيادة الغذائية وتجارة أقل بكثير كمحور لها، وتدافع عن الاقتصادات الديمقراطية المحلية المبنية على التقنيات المناسبة والتصنيع السيادي والسيطرة المحلية على الطاقة المتجددة، والتي تلبي احتياجات الإنسان.
يوضح هذا الكتاب ما هو على المحك في مختلف الصفقات الخضراء الجديدة، والتي تتكيف وتعكس سياساتها، وكيف يمكن لكبار الرأسماليين العمل مع أو ضد «الصفقات الخضراء الجديدة» المتميزة. يقول الكاتب: «الأكثر جوهرية بالنسبة لكل صفقة خضراء جديدة في المجال الأوروبي الأمريكي، هي علاقتها بالرأسمالية والإمبريالية: هل هذه الأجندات لحكم الرأسمالية، أم لتدميرها؟ إذا كان الجواب هو الأول، فإن البراجماتية والواقعية يمكن أن تصبح خراطيم نارية تغمر في اليأس نيران الأمل الثوري. إذا كان الجواب هو الأخير، كما ينبغي أن يكون، فإن أسئلة «الواقعية» يجب رفضها باعتبارها مقاومة أيديولوجية للتمرد ضد أولئك الذين لا يأملون فحسب، بل يحتاجون، إلى عالم أفضل».
صفقة كوكبية
عند التفكير في الصفقة الخضراء الجديدة على مستوى كوكبنا، يمكن لها أن تلبي متطلبات غالبية سكان الأرض، يجب أن نبدأ بمقترحات سابقة جاءت من غالبية دول العالم وكانت بمثابة محك لناشطي المناخ قبل أن يصبح مصطلح «صفقة خضراء جديدة» محلياً واختزالاً شائعاً لسياسة تغير المناخ. يعلق الكاتب: «يعيدنا هذا إلى أكثر من عقد نحو الوراء، عندما حدثت عملية شعب كوتشابامبا في بوليفيا، ووضع إطار عمل لمناقشات ديون المناخ. انبثقت العملية من نجاح عام 2009 لشعوب الجنوب. منعت الدول الراديكالية مثل كوبا وفنزويلا وبوليفيا اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ من تبني اتفاق كوبنهاجن. رداً على ذلك، دعا إيفو موراليس، رئيس بوليفيا، في يناير 2010، إلى«تنظيم استفتاء شعوب العالم بشأن تغير المناخ»، و«تحليل وتطوير خطة عمل للمضي قدماً في إنشاء محكمة العدل المناخية»، و«تحديد استراتيجيات للعمل والتعبئة للدفاع عن الحياة من تغير المناخ والدفاع عن حقوق أمنا الأرض».
الكاتبة الكندية ناعومي كلاين كانت قد وصفت ذات مرة عملية كوتشابامبا ب«الرؤية الأكثر تحولاً وجذرية حتى الآن». استند اتفاق كوتشابامبا إلى«مشروع للإعلان العالمي لحقوق أمنا الأرض» الذي نص على أن«أمنا الأرض وجميع الكائنات لها الحق في جميع الحقوق المتأصلة المعترف بها في هذا الإعلان»، بما في ذلك: الحق في العيش والوجود؛ الحق في المعاملة بالاحترام؛ الحق في تجديد القدرات البيولوجية ومواصلة الدورات والعمليات الحيوية الخالية من التغيير البشري؛ الحق في الحفاظ على هويتهم وسلامتهم ككائنات متمايزة ومنظمة ذاتياً ومترابطة؛ الحق في الماء كمصدر للحياة؛ الحق في تنقية الهواء؛ الحق في الصحة الشاملة؛ الحق في أن تكون خالية من التلوث ومن النفايات السامة والمشعة؛ الحق في عدم التعرض للتغييرات أو التعديلات في بنيتها الجينية على نحو يهدد سلامتها أو أدائها الحيوي والصحي؛ الحق في الاسترداد الفوري والكامل لانتهاكات الحقوق المعترف بها في هذا الإعلان والتي سببتها الأنشطة البشرية.
ويضيف الكاتب:«سيتم حظر أشكال التطوير التي تتخلص من المخلفات في الخزانات، وتملأ الهواء بالنفايات وثاني أكسيد الكربون، والطاقة النووية، والعبث الجيني المتعمد، والتعدي على الاستقلال الثقافي، وربما قبل كل شيء، العمليات الصناعية التي تنتشر وتتجاوز قدرات المناطق الأحيائية للمعالجة. تنص الوثيقة على: في ظل الرأسمالية، تتحول أمنا الأرض إلى مصدر للمواد الخام، ويتحول البشر إلى مستهلكين ووسيلة إنتاج، إلى أناس يُنظر إليهم على أنهم ذوو قيمة فقط لما يمتلكونه، وليس لما هم عليه. تتطلب الرأسمالية صناعة عسكرية قوية لعمليات التراكم وفرض السيطرة على الأراضي والموارد الطبيعية، وقمع مقاومة الشعوب. إنه نظام إمبريالي لاستعمار الكوكب».
وتدافع الوثيقة عن الأشكال المتشابكة للتعويض: إعادة مساحة الغلاف الجوي التي تشغلها انبعاثات غازات الاحتباس الحراري إلى البلدان النامية، وهذا يعني إنهاء استعمار الغلاف الجوي من خلال خفض وامتصاص انبعاثاته؛ تحمل التكاليف واحتياجات نقل التكنولوجيا للبلدان النامية الناشئة عن فقدان فرص التنمية بسبب العيش في فضاء جوي محدود؛ تحمل المسؤولية عن مئات الملايين من الناس الذين سيضطرون إلى الهجرة بسبب تغير المناخ الذي تسببه هذه البلدان، والقضاء على سياسات الهجرة التقييدية، ما يوفر للمهاجرين حياة كريمة مع ضمانات كاملة لحقوق الإنسان في بلدانهم؛ تحمل ديون التكيف المتعلقة بتأثيرات تغير المناخ على البلدان النامية من خلال توفير الوسائل لمنع وتقليل ومعالجة الأضرار الناشئة عن انبعاثاتها المفرطة؛ الوفاء بهذه الديون كجزء من دين أكبر لأمنا الأرض من خلال اعتماد وتنفيذ إعلان الأمم المتحدة العالمي بشأن حقوق أمنا الأرض.
اتفاقية كوتشابامبا
هذه هي البنود الرئيسية لمنصة جنوبية للثورة البيئية، وهي تذهب إلى ما هو أبعد من المناخ، لحماية أمنا الأرض ككل، بما في ذلك مخلوقات مثل الحشرات التي تواجه تهديدات هائلة، فهي وسيلة لإدراج الجنوب في انتقال عادل. وهي غائبة أو تم التقليل من شأنها في معظم الصفقات الخضراء الجديدة في الشمال. وإذا كان أي برنامج للصفقة الخضراء الجديدة عبارة عن أجندة شاملة لحكم المجتمع، فإن من يتم تضمينه في أي منصة، ومن يتم استبعاده سيحدد من يهم ومن يجب أن تحترم إنسانيته الكاملة. الحق في الحياة هو مطلب ضخم يمتد من الدعوات لإلغاء الديون البيئية، إلى كل الأشياء اللازمة للعيش – التحرر من القنابل والوصول إلى الغذاء والمأوى الوفير.
لا يشكل هذا الاتساع عقبة أمام عملية تغيير أوسع. بدلاً من ذلك، فإن اتفاقية كوتشابامبا هي تذكير بأنه من أجل خلق عالم يكون فيه الجميع مهماً، نحتاج إلى أن نضع نصب أعيننا آفاقاً ثورية. كيف يمكن لمثل هذه المطالب الراديكالية أن تتواصل مع الصفقة الخضراء الجديدة في جوهرها، والتي تسير الآن على المسار الصحيح – ولكن ليس من الضروري أن تكون – نخبوية، وانفصالية، وإقصائية؟ لا تحتاج الصفقة الخضراء الجديدة إلى أن تصبح أسيرة التخلف أو التبادل غير المتكافئ بيئياً أو التخصيص التاريخي لأحواض الكربون. لا يلزم وضع الصفقة الخضراء الجديدة على حدود ممتلئة بالأسلاك الشائكة وأجهزة استشعار الحركة. ولا يجب أن تهدف وثيقة الصفقة الخضراء الجديدة إلى كبح جماح الرأسمالية بدلاً من كسرها، أو مليئة بنصائح سياسة تكنوقراطية مراوغة جادة، ودليل سياسة الجيب الخلفي للرأسماليين إذا استمر هذا الشر متعدد العناصر ضد الإنسانية في إعادة تكوين رؤوس جديدة بشكل أسرع مما يمكن لقوى القمع أن تقطع رأسها. لسوء الحظ، فإن الكثير من التنازلات الحالية على الصفقة الخضراء الجديدة تقبل مثل هذه التنازلات باسم البراجماتية
مناخ الأرض في أزمة، وإدارة المناخ فشلت على المستوى العالمي. يشخص هذا الكتاب حوكمة المناخ كما لو أنها شخص مريض، ويكشف عن العوامل الأساسية التي تسببت بتفاقم الأزمة المناخية. ويقترح طرقاً لكيفية التغلب على العقبات السياسية التي تعترض إدارة المناخ الفعالة على الصعيدين الدولي والوطني.
يلخص هذا العمل عقوداً من مفاوضات المناخ العالمي للكشف عن سمات العلاقات الدولية التي تعيق العمل المناخي، ويحدد العقبات السياسية أمام إدارة المناخ عبر مجموعة من البلدان في الأمريكتين، وآسيا، وأوروبا.
ويستكشف الكاتب في هذا العمل الجوانب النفسية والاجتماعية لتغير المناخ لإظهار كيف تتآمر كل من الطبيعة البشرية، والاستهلاك المفرط، والرأسمالية العالمية، لإعاقة العمل المناخي. ويقترح طرقاً لكيفية التغلب على العقبات التي تعترض إدارة المناخ الفعالة على الصعيدين الدولي والوطني، مع تقديم أفكار للأفراد لمساعدتهم على مواءمة مصالحهم الخاصة مع مصالح البيئة العالمية.
ويغطي هذا الكتاب جميع الأحداث الرئيسية الأخيرة في سياسات المناخ والحوكمة. ويقع في 294 صفحة، وهو صادر عن مطبعة جامعة كامبريدج في فبراير/ شباط 2021 باللغة الإنجليزية.
تغيرات بيئية
يقول المؤلف إن مصطلح «تغير المناخ» أصبح اختصاراً للتغيرات البيئية الواسعة النطاق وغير الطبيعية التي يتسبب بها الإنسان والتي نتجت في المقام الأول عن انبعاثات الغازات الدفيئة من الأنشطة البشرية. ويقول: «ظلت جهود مكافحة تغير المناخ على جدول الأعمال العالمي منذ عقود، ولكن هذه الجهود بالكاد أدت إلى إبطاء التلوث المتزايد للغلاف الجوي للأرض. وعلى الرغم من الاتفاقيات الدولية التي توسطت فيها الأمم المتحدة، والسياسات الوطنية لتشجيع استخدام الطاقة المتجددة والصديقة للمناخ والتعهدات من قبل الحكومات، والمنظمات غير الحكومية التي تدعو إلى العمل وزيادة الوعي بالاستدامة البيئية بين الصناعات والجمهور، إلا أن الانبعاثات العالمية لثاني أوكسيد الكربون، والغازات الدفيئة الأخرى تستمر في الارتفاع».
ويضيف: «يحدث هذا الارتفاع في تلوث المناخ حتى في الوقت الذي يحذّر فيه العلماء من أنه يجب التخلص من الانبعاثات في وقت قريب جداً، إذا كان سيتم تحقيق الأهداف الدولية، أي أن أسباب تغير المناخ على الصعيد العالمي لم تتضاءل بعد؛ بل تتضخم. ومما يزيد الطين بلة، كما يقال، أن الموارد المالية وغيرها من الموارد المتاحة للتكيف مع الآثار الحتمية لتغير المناخ هي جزء صغير مما هو مطلوب، لا سيما في المجتمعات الأكثر فقراً، والأقل مسؤولية عن التسبب بالمشكلة».
ويرى أنه «إذا كان التحكم في تغير المناخ يتعلق بالحد من أسبابه وتأثيراته، فإن إدارة المناخ قد فشلت. ويجب معالجة هذا الفشل لأن حياة ملايين كثيرة من البشر، فضلاً عن حيوية المجتمعات والنظم البيئية، تعتمد على إيجاد طرق للتحكم في تغير المناخ بشكل أكثر فعالية. وإذا كان لحوكمة المناخ أن تكون فعالة في المستقبل، فسوف تتطلب معالجة صادقة لسِمات العلاقات الدولية التي تعيق العمل المناخي، ومحاسبة إدارة المناخ في الماضي والحاضر. والشرط الأساسي للقيام بذلك هو تحديد أهم أسباب الفشل حتى الآن».
إدارة تغير المناخ
يمكن تصور الحوكمة المناخية، بحسب الكاتب، على أنها «وظيفة اجتماعية تركز على الجهود المبذولة لتوجيه المجتمعات أو الجماعات البشرية بعيداً عن النتائج غير المرغوب فيها جماعياً (على سبيل المثال، مأساة المشاعات)، ونحو النتائج المرغوبة اجتماعياً (على سبيل المثال، الحفاظ على نظام مناخي سليم)». ويقول: «تتضمن إدارة المناخ، بشكل أساسي، تغيير العديد من السياسات والممارسات والسلوكات البشرية السائدة بحيث تتصدى البشرية بشكل جماعي لتغير المناخ بشكل فعال. وقد تأتي هذه التغييرات في شكل إجراءات مثل القيام بأشياء نقوم بها الآن بشكل مختلف، على سبيل المثال، استخدام وسائل النقل العام محايدة الكربون بدلاً من السيارات الخاصة للتنقل، أو القيام بما نقوم به الآن أقل كثيراً، أو لا نفعله على الإطلاق، على سبيل المثال، الحد من السفر غير المستدام بيئياً».
ويرى الكاتب أن العديد من التغييرات يجب أن تكون هيكلية، على سبيل المثال، من خلال التغييرات الدراماتيكية المحتملة في النظم الاقتصادية. وسيتطلب من البعض الآخر التحول في أنظمة الطاقة، على سبيل المثال، من خلال استبدال البنية التحتية المركزية لطاقة الوقود الأحفوري بمصادر طاقة محلية خالية من الكربون (على سبيل المثال، التحول من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم أو الغاز إلى مزارع طاقة الرياح الإقليمية وألواح الطاقة الشمسية على الأسطح)، وبالتالي تمكين الناس من الاستمرار إلى حد ما في القيام بالكثير مما يفعلونه الآن من دون أن يؤدي ذلك إلى تفاقم تغير المناخ.
ويعلق على ذلك أكثر بالقول: «قد تكون أعمالنا جماعية بطبيعتها، كما هو الحال عندما تُحدث اللوائح الحكومية تغييرات عبر المجتمعات، أو يمكن أن تكون على شكل خطوات فردية تساهم في النتائج الجماعية المستدامة بيئياً. وسيتم تنفيذها من قبل جميع أنواع الجهات الفاعلة: المنظمات الدولية والحكومات الوطنية والمحلية والشركات والأفراد، وما إلى ذلك. وستشمل إجراءات معينة لإدارة المناخ التخفيف أو التكيف، أو مزيج من الاثنين معاً. وإذا أريد لإدارة المناخ أن تكون فعالة، فإنها سوف تنطوي على إنهاء للوضع الراهن. ومن المهم أن نلاحظ أنه يتم بالفعل عمل الكثير للتحكم في تغير المناخ بشكل أكثر فعالية. ولا يوجد نقص في الأنشطة حول العالم للحد من أسباب تغير المناخ ومعالجة آثاره. وفي بعض الأماكن يتناقص التلوث الناتج عن الغازات الدفيئة، وفي مناطق أخرى ينخفض معدل الزيادة. لكن التركيز على هذا التقدم، على الرغم من أنه هائل لن يوقف المشكلة من التفاقم».
ويضيف على ذلك قائلاً: «إن الإخفاقات السابقة والحالية لإدارة المناخ، وتحديداً الطريقة البطيئة المؤلمة التي يستجيب بها العالم لتغير المناخ، تعني أن المزيد من الاحترار العالمي وغيره من مظاهر تغير المناخ، أمر لا مفر منه. علاوة على ذلك، فإن مضاعفة التمويل والموارد التي يتم توليدها حالياً من جميع المصادر، العامة والخاصة، للتكيف مع تغير المناخ حتى عشرة أضعاف، لن تمنع المعاناة البشرية الهائلة في جميع أنحاء العالم. وبغض النظر عن الكيفية التي ينظر بها المرء إلى المشكلة، فقد تجاوز تغير المناخ – ولا يزال يتجاوز – جميع السياسات والحلول العملية التي تهدف إلى معالجتها.
إن تغير المناخ مشكلة ولدت من قبل البشر والتي، حتى الآن، تحدت الحلول التي يولدها الإنسان. وساهم كل شيء تقريباً في الطريقة التي يُحكم بها العالم اليوم، بطريقة أو بأخرى، في خلق هذه المشكلة. ويعاني نظام المناخ – مجموعة الاتفاقات والقواعد والسوابق والمعايير الرسمية وغير الرسمية التي تعزز وتدعم الحوكمة والعمل بشأن تغير المناخ – من عدم القدرة المُرضية على اللحاق بالاتجاهات المتسارعة لتغير المناخ وعكس العوامل البيئية والتأثيرات البشرية المرتبطة بها. وكان هناك فشل مزمن ومَرضي في السيطرة على تغير المناخ بشكل فعال، وعجز يشبه المرض المستمر الذي يتغلغل في مؤسسات الحكم والجهات الفاعلة الفردية، ما يجبرها على إيذاء الذات على المدى الطويل».
ويتساءل المؤلف: «لماذا فشلت الحكومات والمجتمعات والصناعات والأفراد والجهات الفاعلة الأخرى في إدارة تغير المناخ بشكل فعال؟ بمعنى آخر، ما هي الإشكاليات الأساسية التي قوّضت إدارة المناخ؟ مع الأخذ في الاعتبار تفسيرات الفشل المَرضي لإدارة المناخ، ما الذي يمكن فعله لتحقيق استجابات أكثر فعالية لهذه المشكلة؟ بعبارة أخرى، ما هي بعض أهم العلاجات والوصفات لتحسين إدارة المناخ، وكيف يمكن تطبيقها بين الدول القومية، داخلها وفي الواقع بين مواطنيها ومن قبلهم؟ في عملية الإجابة عن هذه الأسئلة، يتناول الكاتب قضايا مهمة أخرى، مثل ما إذا كانت السياسة العالمية، كما تمارس حالياً، ستحكم تغير المناخ بشكل فعال في نهاية المطاف، وما إذا كان يجب التضحية برفاهية الإنسان للتحكم في تغير المناخ بشكل فعال.
مسارات عملية
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء. يتناول الجزء الأول الخلل في إدارة أزمة المناخ المتفاقمة. ويوضح هذا الجزء أيضاً كيف أن زخم تغير المناخ يتجه من سيئ إلى أسوأ، فالتلوث الذي يسبب تغير المناخ يستمر في الزيادة حتى مع بدء الحكومات والجهات الفاعلة الأخرى في اتخاذ خطوات مهمة لمعالجة المشكلة.
ويصف المؤلف في هذا الجزء بعض علوم تغير المناخ، ما يدل على أن معرفة الخبراء بالمشكلة قد نمت وأصبحت أكثر دقة. ومع تحسن العلم، فقد تم تسييسها أيضاً من قبل الجهات الفاعلة التي تنظر إلى العمل بشأن تغير المناخ على أنه تهديد لمصالحهم. ويرى الكاتب أن عملية التسييس هذه قوّضت قدرة العلم على إعلام إدارة المناخ الوطنية والدولية بالقدر المطلوب من المعلومات. فقد أدى عدم اليقين إلى استجابات سياسية غير كافية لتغير المناخ.
ويوضح هذا الجزء أيضاً كيف كان تغير المناخ مشكلة حوكمة صعبة من خلال تشريح إشكاليات إدارة المناخ. ويحدد المعوقات الأساسية الكامنة وراء فشل الحكومات والجهات الفاعلة الرئيسية الأخرى في الاستجابة بشكل أكثر فعالية لتغير المناخ. ويبحث المؤلف في السياسات الدولية والوطنية لتغير المناخ للكشف عن العمليات التي أخرت استجابات سياسية أكثر فاعلية، ويبحث دور الطبيعة البشرية في تسريع وتيرة تغير المناخ.
ويستكشف المؤلف ثلاث مجموعات رئيسية من إشكاليات إدارة المناخ التي تسببت إلى حد كبير، بأزمة المناخ، وتحدد بشكل كبير استجابات العالم لها. ويعاين في الفصل الثالث من هذا الجزء، مثلاً، المجموعة الأولى من هذه الإشكاليات، خاصة في النظام الدولي السائد من جانب الدول القومية ذات السيادة، والتي تركز كل منها بشكل فردي على حماية وتعزيز مصالحها الوطنية المتصورة. يقول الكاتب: «نشأ النظام الدولي الذي نعيش فيه اليوم قبل الثورة الصناعية، والنمو الهائل في التلوث العالمي من الأنشطة البشرية بلغ ذروته في أزمة المناخ. ومن المؤكد أن النظام الدولي قد تغير وتكيف على مر القرون، ولا شك في أن التطورات الأخيرة في التعاون الدولي قد ساهمت في اتخاذ إجراءات بشأن تغير المناخ. ومن دون هذا التعاون، قد يكون تغير المناخ أسوأ. ومع ذلك، نظراً لأن النظام الدولي القديم يقوم على تعزيز المصالح قصيرة المدى نسبياً لأعضائه، في شكله الحالي – على الأقل في ظل المعايير الحالية التي يعمل بها – فإنه لا يرقى إلى مهمة تعزيز الحوكمة الفعالة للمناخ. فالنظام نفسه هو مصدر رئيسي للمشكلة وعائق أمام العمل الفعال».
ويرى أن الصين والولايات المتحدة، مهمتان بشكل حيوي للعالم في إدارة المناخ. ويصف إشكاليات السياسة الوطنية في هذين البلدين بتفصيل أكبر من الإشكاليات في البلدان الأخرى، لأن الصين والولايات المتحدة هما المصدران الأول والثاني الأكبر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم، وهما ينتجان معاً خمسي التلوث العالمي.
أزمة معقدة
* يصف الجزء الثالث من الكتاب مقترحات للتغلب على إشكاليات إدارة المناخ والتحرك نحو سياسات واستجابات أكثر فعالية. ويحدد المؤلف الوصفات المحتملة لتحسين إدارة المناخ على الصعيدين الدولي والوطني.
ويقترح بعض الأساليب للأفراد لمواءمة مصالحهم الخاصة بشكل مفيد مع مصالح البيئة العالمية.
ويرى الكاتبأن أزمة المناخ أصبحت معقدة للغاية، ومنتشرة على نطاق واسع، لذا فهي شاملة ومثيرة للجدل.
اهتمام البنوك المركزية والبنوك التقليدية والشركات العابرة للقارات المتزايد بشراء واستعمال البتكوين والعملات الرقمية، يشكل نقطةً فارقةً وقطيعةً جديدةً مع مرحلة الشك والريبة التي طبعت العلاقة بين هذه المؤسسات البنكية والتمويلية التقليدية والفاعلين بقطاع العملات الرقمية منذ 2008.
مستقبل الذهب الرقمي
رغم الاتجاه العام لتزايد تجارة بيع وشراء العملات الرقمية عبر العالم، يبقى موقف الغالبية الساحقة من الحكومات والبنوك المركزية في العالم ملتزمًا بالحظر بشكل مباشر أو غير مباشر لكل خدمات التداول والحفظ والإصدار.
هذا الموقف الرسمي الرافض لتجارة العملات الرقمية لم يمنع انتعاش هذه السوق الواعدة، التي تعتبرها الحكومات أموالًا لا تخضع لأي آليات تنظيم أو إشراف من طرف سلطة تنظيمية مركزية، كما هو الحال بالنسبة للعملات الورقية والنقدية من طرف البنوك المركزية.
الدليل على ذلك النمو المطّرد لقيمة أهم العملات الرقمية: فالبتكوين، التي كانت تساوي عند انطلاقها في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2008 ما قيمته 0.001 دولار للعملة الواحدة، تجاوز ثمن هذه العملة الافتراضية في أبريل/نيسان 2021، سقف 60 ألف دولار، أي أن قيمة البتكوين تضاعفت بنسبة 60 مليون مرة خلال 13 سنة.
من المؤكد أيضًا أن ميدان العملات الرقمية يعتمد على المضاربة مع نسبة عالية من المخاطرة، لكن هذا لا يمنع من أن هذا السوق وصل إلى مستوى نضج ومهنية، إلى درجة أن إحدى أهم الشركات الدولية Coinbase تم إدراجها يوم 14 من أبريل/نيسان 2021 في بورصة Nasdaq بقيمة سوقية تقدّر بـ86 مليار دولار، أي أكثر من الرقم القياسي الذي كان بحوزة فيسبوك سنة 2012، الذي بلغ 81 مليار دولار.
من جهة أخرى، كبريات الشركات الأمريكية والمحافظات الاستثمارية أصبحت تستثمر بشكل كبير وعلى نطاق واسع بالعمليات الرقمية، فمثلًا شركة السيارات Tesla استثمرت بداية سنة 2021 أكثر من 1.5 مليار دولار بالبتكوين، بالإضافة إلى قبول الدفع بهذه العملة الرقمية لشراء سياراتها. وذلك قبل أن تعلق البيع “بسبب القلق بشأن تغير المناخ”.
الاهتمام نفسه عبّرت عنه شركة خدمات الدفع الإلكتروني Square وشركة البرمجيات MicroStrategy، وكذا الصندوق الاستثماري BlackRock الذي حوّل جزءًا من أصوله المالية إلى البتكوين.
كما شكل إعلان مجموعة باي بال الأمريكية العملاقة في مجال الدفع الإلكتروني في الفصل الأول من سنة 2021 أنها تقبل المدفوعات بالعملات الرقمية، مبادرة مسرّعة لقبول عمليات الدفع بهذه العملات الافتراضية، خصوصًا بتكوين وإيثريوم، ومكّن هذا القرار ملايين المشتركين في خدمات باي بال من استعمال عملات الذهب الرقمي إلى جانب وسائل دفع أخرى.
رهان الين الرقمي الصيني
رغم الموقف الحذر للبنوك المركزية من عالم العملات الرقمية، فإن البعض منها، خاصة دول سنغافورة وكوريا الجنوبية وأستراليا والولايات المتحدة، ترخّص لعمل الشركات المتخصصة في بيع وشراء هذه العملات، مثل منصات التداول Coinbase وBinance.
من جهة أخرى، بدأت بعض البنوك المركزية التفكير جديًّا في إطلاق عملة وطنية رقمية، أو ما يعرَف بـ Central Bank Digital Currency (CBDC)، كما هو الحال في الصين وليتوانيا، الهدف من هذه المبادرة هو تيسير عمليات الدفع أونلاين والتخفيف من ثقل التعامل بالعملات الورقية.
قطع مشروع العملة الرقمية الصينية Yuan Digital في مجال CBDC، أشواطًا متقدمة في مرحلته التجريبية، بحيث أُجريت أول عملية دفع دولية به مع هونغ كونغ شهر أبريل/نيسان 2021، وذلك بعد نجاح عمليات الدفع محليًّا في ثلاث مدن محلية.
هذه المرحلة المفصلية تشير إلى إرادة الصين تسريع وتيرة استعمال عملتها الرقمية كشكل جديد، لتجاوز احتكار الدولار الأمريكي في المعاملات الدولية، والدليل على ذلك انطلاق مشروع تعاون في هذا المجال مع العديد من البنوك المركزية، خاصة تايلاند والإمارات العربية المتحدة، وذلك لاستعمال هذه العملة الرقمية كوسيلة دفع في المعاملات التجارية الدولية.
هذه المبادرات الخاصة والعمومية للتعامل الحذر مع العملات الرقمية، تبرز مدى التطور في المواقف الذي انتقل من المنع والتشكيك إلى بداية الاهتمام قبل الوصول إلى الاعتراف الكلي، كما هو الحال لدى المشروع الأمريكي الذي سمح منذ يوليو/تموز 2020 للمؤسسات البنكية بشراء العملات الرقمية وحفظها لفائدة عملائها بشكل قانوني، الشيء الذي رفع سقف الثقة لدى المستثمرين للجوء إلى شراء العملات الرقمية، التي كانت حتى وقت قريب حكرًا على نخبة مالية وتقنية ضيقة تفضّل دائمًا البقاء في الخفاء.
عمليًّا، أصبح بإمكان عملاء هذه البنوك طلب حفظ المفاتيح المشفرة لحسابات البتكوين والعملات الرقمية، كنشاط جديد للمؤسسات البنكية المكلّفة بالمحافظ الاستثمارية، ودور البنك سيكون مفصليًّا لحماية العملاء كي لا يفقدوا هذه المفاتيح المشفرة الضرورية للتصرف في ادخاراتهم من العملات الرقمية.
حذر البنوك لم يمنع تزايد اللجوء المطّرد إلى شراء العملات الرقمية، خاصة بسبب تداعيات جائحة كورونا وأثرها في اضطراب الاقتصاد العالمي، التي شكلت عاملًا غير مباشر في تسريع وتيرة الثقة بالعملات الرقمية أو ما أصبح يعرف بالذهب الرقمي، والدليل على ذلك ارتفاع قيمة البتكوين المطّرد منذ شهر مارس/آذار 2020، مستفيدًا من تراجع قيمة الدولار واستقرار أسعار الذهب.
من جهة أخرى، استمرار تجديد قرارات الحجر الصحي ومنع التجول في العديد من دول العالم، بسبب توالي موجات تحوُّر فيروس كورونا، دفع المواطنين والمستثمرين إلى اللجوء لعملات الذهب الرقمي، خاصة في الدول التي عرفت عملاتها الوطنية تدهورًا ملحوظًا أمام الدولار واليورو، بسبب تزايد القيود على شراء العملات الأجنبية، خاصة الدولار، كما أصبح اللجوء إلى العملات الرقمية خيارًا أسهل وأرخص لتجاوز القرارات التضييقية للبنوك المركزية في هذا المجال.
مسار التغيير في التعامل مع البتكوين والعملات الرقمية يبقى متفاوت السرعة، خاصة أن غالبية الدول، ومن ضمنها الدول العربية، تطبّق عقوبات مالية أو السجن على كل تعامل بهذه العملات الرقمية، بحجّة خطر القرصنة والسرقة أونلاين، أو باعتبارها وسيلة لتهريب الأموال خارج هذه الدول عبر عمليات غسل أموال أو تمويل حركات إرهابية.
هذا المنع العمومي الصريح للذهب الرقمي يضاف إليه موقف العديد من الهيئات الدينية ومراكز الإفتاء، التي في غالبيتها تعتبر التعامل بهذه العملات غير موثوق وغير متوافق مع مبادئ المالية الإسلامية بسبب خطر السرقة والغبن.
على كل حال، المقاربة البراغماتية للمشروع الأمريكي والبنك المركزي الصيني، تفسر أن الرهان الآن ليس المنع والتحريم بقدر ما هو إيجاد منظومة حماية للمتداولين بهذه السوق، والتقليل من مخاطر اللجوء إلى العملات الرقمية كوسيلة سهلة من أجل غسل الأموال وتمويل الحركات الإرهابية، إضافة إلى توفير ضمانات من طرف المنصات الإلكترونية المتخصصة بإنشاء العملات الرقمية على مدى تحكمها في كل المخاطر التقنية والمالية المرتبطة بنشاطاتها.
سيكون لديناميكية السوق الأمريكية والصينية لا محالة أثر على اتساع الاعتراف بالعملات الرقمية عبر العالم، والدليل على ذلك تنامي إطلاق مشاريع خاصة وعمومية في العديد من الدول لاستعمال تقنية الـ”بلوك تشين” (Blockchain)، التي تشكل البنية التقنية لمختلف عملات الذهب الرقمي.