
نشرت مجلة «سيكولوجي توداي» مقالًا كتبه جويل وينبرجر، أستاذ علم النفس في جامعة أدلفي، يستعرض فيه كيفية عمل اللاوعي. وخلُص الكاتب إلى أن المبادئ الأساسية لعمليات اللاوعي توضح كثيرًا من أدائنا.
مبادئ أساسية
تُقِر النظرية والبحث الحاليان في علم النفس بوجود اللاوعي وأهميته، حسبما يستهل الكاتب مقاله. وفي الحقيقة، من المستحيل تصوُّر العقل/الدماغ دون طرحه. وعلاوةً على ذلك، هناك اتفاق حول بعض الجوانب المركزية لعمل اللاواعي. ويبدأ هذا المقال بإيضاح تلك المبادئ الأساسية.
إن النقطة الأولى والأهم التي يجب توضيحها تتمثَّل في أن عمليات اللاواعي ترتكز على معظم وظائفنا في الحياة. وعلاوةً على ذلك، ترتبط هذه العمليات بالطريقة التي يُنظَّم بها الدماغ/العقل. والنقطة التالية هي أن أدمغتنا وعقولنا هي نتاج ماضينا المتطور، ذلك أنها مُصمَّمة للعمل في نوع معين من البيئة، تلك البيئة التي تطور فيها أسلافنا، أي عصر البليستوسين. وتتكيف أدمغتنا وعقولنا على أفضل وجه مع عالم لم يَعُد موجودًا. وهذا يعني أن بعض وظائفنا تعمل جيدًا بالفعل، فيما كان يعمل بعضها الآخر جيدًا في ذلك الوقت، ولكن لم يَعُد الأمر كذلك الآن.
وهناك مثال بسيط يتمثَّل في تفضيلاتنا في الأكل؛ فنحن نحب الأطعمة الحلوة والمالحة والدسمة. وكان هذا قابلًا للتكيف في عصر الكفاف عندما كانت هذه الأذواق تشير إلى التغذية والسعرات الحرارية. والآن، في عصر الحلوى والرقائق والأطعمة المقلية، يمكن أن تؤدي هذه التفضيلات إلى السمنة ومرض السكري وغيره من الأمراض. وينطبق الشيء نفسه على كثير من وظائفنا النفسية.
قدرات حسِّية
ونظرًا لأنه من الأسهل والأرخص من الناحية البيولوجية استيعاب المعلومات بدلًا من العمل عليها، فقد طورنا قدراتٍ حسِّية أكثر من القدرات الحركية، وقد تطورت هذه القدرات قبل ما يُسمَّى بالعمليات العقلية العليا. وهذا يعني أن هذه العمليات العليا بُنيت على قدرات حسية وحركية موجودة مسبقًا. وهذا بدوره يعني أن الأداء البدني والنفسي يتقاسمان الدوائر ذاتها. على سبيل المثال، يستند إحساسنا بالشخص الدافئ عاطفيًّا على الدوائر ذاتها التي يستند إليها إحساسنا بالدفء الجسدي. وهو ما يُطلَق عليه في علم النفس بالإدراك المُجسَّد.
وبعد ذلك، ينظم العقل/الدماغ على نحوٍ ترابطي. وينقسم الدماغ حرفيًّا إلى شبكات خلايا عصبية، وينقسم العقل، الذي يوازي الدماغ، إلى شبكات مترابطة من الأفكار والآراء والدوافع والعواطف، ونظرًا لوجود عديد من المسارات الترابطية، فلا يمكننا إدراكها جميعًا، ولذلك، تُعد عمليات اللاوعي حقيقة مُسلَّم بها.
وبحسب المقال، يتعلم العقل والدماغ من خلال إنشاء صلات ترابطية وتقويتها. ووفقًا لعلم النفس، يُطلَق على هذه العملية الذاكرة الضمنية والتعلُّم الضمني، وتفتقد هذه العملية للوعي بطبيعتها وتعني أن كثيرًا مما «نعرفه» و«نتذكره» فاقد للوعي. وعندما تكون هذه الصلات قوية للغاية، يحقق الأداء الذي تُمثِّله نجاحًا بسرعة وكفاءة، وهذا يُطلَق عليه تلقائية. وفي بعض الأحيان، تكون هذه العملية واعية، ولا تكون كذلك في أحيانٍ أخرى.
وعادةً ما تكون هذه السلوكيات التلقائية والتعليمية قابلة للتكيُّف، ولكن لا يلزم أن تكون كذلك. وتعتمد القدرة على التكيُّف على ما يتم تَعلُّمه وما إذا كان يتناسب مع البيئة المحيطة. كما تعتمد على مدى ملائمة الشبكات الترابطية الموجودة مُسبقًا (من خلال التطوُّر أو التعلُّم المُبكِّر أو كليهما) مع البيئة التي يُطبَّق فيها. ويكون التكيف مناسبًا في بعض الأحيان، ولا يكون كذلك في أحيانٍ أخرى.
كيف يعمل العقل؟
وفي نهاية المطاف، بحسب الكاتب، يعمل العقل/الدماغ بالتوازي، وليس بالتسلسل مثل الحاسوب، ما يعني أن عقولنا وأدمغتنا تفعل أشياءً كثيرة في وقت واحد. وهذا يُعوِّض سرعة معالجة الدماغ البطيئة نسبيًّا (في أجزاء من الثانية). ويفعل الحاسوب شيئًا واحدًا في كل مرة، ولكنه ينفِّذ هذا الإجراء بسرعة فائقة (نانوثانية).
وتتطلب المعالجة الموازية عمليات غير واعية، لأننا لا نستطيع أن ندرك جميع العمليات المتزامنة التي تحدث في العقل/الدماغ. وفي الحقيقة، يمكن أن ندرك جزءًا صغير جدًّا منها. ويُمثِّل هذا الأمر كثيرًا من حالات الانفصام بين ما نؤمن به وما نشعر به وطريقة تصرُّفنا، وحتى تلك المواقف التي تحدث فيها زلَّات اللسان.
ومن ثمَّ، يقول أستاذ علم النفس أن اللاوعي يعد من صميم بنية أدمغتنا وعقولنا، وتدرسه كثير من النظريات والأبحاث التي تجرى في مجال علم النفس. وإذا وضعنا هذه النقاط القليلة في الاعتبار، يقول الكاتب إننا سنكون قادرين على تسليط بعض الضوء على كثير من الظواهر التجارية والسياسية وظواهر العلاج النفسي والظواهر اليومية، وسوف نستخدم هذه النقاط فضلًا عن النتائج التجريبية في مجالات التلقائية والاستدلالات والذاكرة الضمنية والتعلُّم الضمني والدافع الضمني والإدراك المتجسد من أجل شرح هذه الظواهر.