عن الطغيان.. دروس القرن العشرين في انحسار الديمقراطية

 

نتحدث عن جانبي السلطة والحكم والنفوذ والسيطرة عبر التاريخ وهما: الديمقراطية والطغيان، وفي الوقت الذي عرفت فيه البشرية عديد الأفكار، وصاغت مفاهيم ومصطلحات تنصرف إلى معان سامية من قبيل: الشورى، أو قبول الآخر، أو التسامح أو التفاهم أو التوافق، فقد ظل الجانب المقابل بمثابة صخرة كأداء تحُول دون انطلاق البشر إلى حيث يتفاهمون، ويتراحمون ويتسامحون ويتواصلون، وظل الطغيان أشبه بكابوس يقضّ مضاجع الشعوب عبر التاريخ.

وها هو الأكاديمي تيموثي سنايدر أستاذ علم التاريخ جامعة ييل التي تعد واحدة من كبرى الجامعات الأميركية، قد أصدر أخيراً دراسته المركزة عن ظاهرة أو آفة الطغيان، لا عبر مراحل انقضت من تواريخ الشعوب وإنما عن أقرب مرحلة لا يزال يعيشها الناس في الفترة الزمنية الراهنة، حيث اختار المؤلف لكتابه عنواناً مباشراً، هو «عن الطغيان: عشرون درساً في القرن العشرين».

البروفيسور «سنايدر» يَصدر في مقولات كتابه عن منطلق محدد يصوغه في العبارات التالية:

• إن الآباء المؤسسين (للولايات المتحدة) حاولوا أن يحُولوا بيننا وبين الإصابة بداء الطغيان الذي طالما اجتاح الديمقراطيات القديمة، ولكن ها نحن اليوم وقد أصبحنا نواجه تهديدات جديدة ليست بعيدة الشبه بما سبق وشهدته مراحل سبقت من التاريخ.

أستاذ التاريخ الذي أصدر هذا الكتاب عكف على تدارس ما شهدته عقود وسنوات القرن الماضي من أنظمة حُكم ومن أيديولوجيات وأطروحات وشعارات وأفكار، اتسم الكثير منها، بحسب رأي المؤلف، بآفة الطغيان والديكتاتورية والشمولية والاستبدادية، فما بالك، يلاحظ المؤلف، أن هذه «الطغيانات»، إن جاز المصطلح، نشأت وتطورت وازدهرت، لا في الأصقاع المنسية من غابات العالم، ولا في الساحات القصّية، شبه المجهولة أو شبه المتخلفة من خارطة البسيطة. بل في قلب العالم المتقدم وقتها، تقنياً وثقافياً وعملياً، يستوي في ذلك روسيا الشيوعية، أو ألمانيا النازية أو إيطاليا الفاشستية أو حتى اليابان الإمبراطورية.

وفيما يواصل المؤلف العزف على هذه النغمة، فهو يصل إلى نهايات القرن العشرين، موضحاً أن القوم تصوروا وقتها أنهم وصلوا إلى منعطف حاسم مع انهيار الكيان الشيوعي ـ السوفييتي في مفتتح تسعينات القرن المذكور.. وكان أن أطلقوا عليه وصف «نهاية التاريخ»، وربما كانوا يمنّون أنفسهم بمنطق التعلّل بالأمنيات، بافتتاح عالم جديد من الحرية والديمقراطية والإصغاء إلى صوت البسطاء وإنصاف المهمشين في العالم المستجّد المأمول، في حين أن القرن الجديد جاء ليشهد للأسف حروباً وصراعات، شكل البسطاء والمهّمشين غالبية ضحاياها.

وهنا يرفع المؤلف نغمة التحذير قائلاً في سطور محددة «..الأميركيون في أيامنا الحالية، ليسوا أعقل ولا أذكى من نظرائهم الأوروبيين الذين عايشوا، خلال عقود القرن الماضي، تحولات بلادهم (ألمانيا، إيطاليا وشرق أوروبا مثلاً) إلى نظم الطغيان الشمولية التي عصفت بالديمقراطية بكل معانيها ومبادئها وتجلياتها». وفي هذا السياق، يسوق المؤلف نماذج، من الواقع الأميركي، على خطورة مثل تلك التحولات، لاسيما في ظل الإدارة الجمهورية الحالية ورئاسة ترامب للولايات المتحدة.

صحيح أن شعارات الديمقراطية ما زالت مرفوعة. ويتصدرها الشعار الأثير الذي تلخصه العبارة المفروض أن تضبط العلاقات بين السلطات الحاكمة في الدولة «المراجعات والتوازنات» (Checks and Balances)، إلا أن الأصح، وفق المؤلف، هو أن إدارة الرئيس ترامب الراهنة لا تفتأ، تشنّ هجومها على «ميديا» الاتصال والتوعية والتنوير والإعلام وعلى منظومات التوعية والفكر والثقافة بشكل عام، مستخدمة في ذلك سبل التواصل الاجتماعي فضلاً عن طرحها، المتعمد طبعاً، لشعارات ومرويات وتصريحات من شأنها إبقاء الجمهور المتلقي في حالة تشكيك وحيرة وتضارب إزاء ما يتلقاه من أفكار ومعلومات.

في السياق نفسه، يرصد المؤلف نماذج من مشاركة فئات المثقفين والمهنيين في مثل هذه التجاوزات التي تتحول بالممارسات السياسية من ساحات الديمقراطية إلى كهوف الطغيان، حيث يتوقف ملياً عند سلوكيات وطروحات و«اجتهادات» المحامين والصحفيين وكبار الموظفين، والمسؤولين المدنيين الذين وضعوا خلاصة خبراتهم في خدمة هذا اللون المستجد والمزوّق أيضاً من سلوكيات «الطغيان» من طراز الألفية الثالثة.

ولا حل في نظر المؤلف سوى أن تنشط كل دوائر المجتمع المدني، في الولايات المتحدة وغيرها من الأقطار، بحيث يصبح من واجبها التنبه إلى هذه التحولات التي لا يكاد يشعر بها أحد ما بين ممارسات الديمقراطية إلى آفات اللاديمقراطية ومهاوي الاستبداد والطغيان.

ويتمثل الحل، بنظر البروفيسور تيموثي سنايدر، في أن يتمسك الإنسان العادي، المواطن البسيط بأنه «مواطن» بالدرجة الأولى، وأن له حقوقاً يتفاعل معها ويطالب بتفعيلها من خلال مؤسسات المجتمع المدني وتجمعات ورابطات المواطنين، بل يصل أمر المؤلف إلى دعوة أهل الاختصاص إلى تدارس وتحليل الشعارات والعبارات التي يطرحها القادة في الوقت الراهن، وعلى رأسهم بالطبع رئيس الدولة سواء كانت خطابات أو تغريدات ومن ثم تكون المبادرة إلى تفنيدها، والرد عليها وبيان ما تنطوي عليه من أخطار، قد تداهم الممارسة الديمقراطية، حتى لو كانت ترفع شعارات تتحدث عن الخطر على الوطن أو الديانة أو المستقبل.

المطلوب إذن هو التنبّه إلى مخاطر المستقبل من خلال تحليل معطيات الحاضر واستقاء العبرة من تجارب الماضي وقد كانت تجارب مريرة في كل حال.

مدن القوة (من تطورها الشعبي إلى العالمي)

 

على مر القرون، كانت جاذبية وقوة المدن تشهد انتعاشاً، لكنها على ما يبدو تهدد استمرارية الأمم التي تحيط بها، إذ نجد لأول مرة في التاريخ أن أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في المدن. يحاول الكاتب السويدي القدير جوران ثيربورن في هذا العمل أن يعاين الأسباب التي تجعل من المدن مراكز للقوة عبر التاريخ وفي الوقت الحاضر، وذلك عبر القوى الحضرية، والوطنية، والشعبية، والعالمية، مستعرضاً العديد من النماذج والنقاشات التي توصل إليها بعد جهد بحثي كبير ورحلات إلى أهم العواصم في العالم، وينظر من خلالها إلى مستقبلنا في ظل رأسمالية لا ترحم.
يتناول هذا الكتاب البحثي الغني – الصادر عن «دار فيرسو» في 408 صفحات من القطع المتوسط – اللقاءات والعلاقات بين أربع قوى اجتماعية هي: القوى الحضرية، الوطنية/القومية، والشعبية، والعالمية. ويقول الكاتب عن ذلك: «علينا أن نراقب كيفية لقاء وتغير الموطن الحضري منذ فترة القوى القومية حتى الوقت الحاضر. فالقوى الحضرية قديمة، إذ تواجدت في المدن منذ آلاف السنين، لكنها تغيرت مع وصول القوى الوطنية على شكل الدول -الأمم، وذلك قبل قرنين من الزمن. وركّز التحوّل الوطني للمدن على المركز الحضري للدولة – الأمة، عاصمتها، والتي هي هدف هذه الدراسة. المدن قبل المرحلة القومية في الغالب تشكلت من أنماط مختلفة تغيرت إلى مدن وطنية، لكن في بعض الأحيان شيّدت المدن القومية مدناً جديدة لنفسها. ووصلت الدول-الأمم إلى عواصمها المختارة عبر العديد من المسارات التاريخية المختلفة وبعد رحلات طويلة أو قصيرة، شاقة أو سهلة. وتركت هذه التجارب التاريخية على كل عاصمة علامات طويلة الأمد».

ويوضح أكثر في هذا السياق: «كانت القومية والدول-الأمم جزءاً من تغير أكبر بكثير، تمثلت في: صعود الحداثة كعصر تاريخي جديد، رفض سلطات ومؤسسات الماضي (العالمية – الداخلية أصبحت فوق الجميع)، ومحاولة خلق مجتمعات جديدة، ثقافات جديدة، وعالم جديد. التقت القوى العالمية والوطنية بداية في هذا السياق، كقومية عالمية. أماكن هذه اللقاءات الكبرى كانت العواصم القومية/ الوطنية، والتي توجب عليها أن تتكيّف مع نماذج عالمية لتكون عاصمة «جديرة بالأمة»، فتمضي في مسارات مثل مسارات خطتها باريس الإمبراطورية الثانية، أو في مناطق ضمن البنية التحتية للندن، وفي المول والمبنى البيضاوي لواشنطن».

التحولات الجذرية

يقوم الكاتب جوران ثيربورن عبر هذا العمل المهم بجولة في عواصم العالم الكبرى، ويعاينها عن قرب، ليبين كيف تم تشكيلها من قبل القوى الوطنية والشعبية والعالمية. يشير إلى أن قصصها تبدأ مع ظهور أنواع مختلفة من الدولة-الأمة، وكل منها مع عاصمة خاصة بها، تكون إشكالية. وفي المقابل، أثرت التحولات الجذرية في السلطة على تنمية هذه المدن، وفي الإصلاحات الحضرية الشعبية أو حركات الاحتجاج والمقاومة؛ وفي صعود وهبوط الفاشية والدكتاتوريات العسكرية؛ وقدوم وأفول الشيوعية. كما يحلل ثيربورن اللحظات العالمية من التشكيل الحضري، والقومية المعولمة، ويتوقف عند مدن الرأسمالية العالمية الحالية واختلافاتها.
ويقول في هذا السياق «الأمم تطورت وتغيرت، والنخب التأسيسية للدول- الأمم قوبلت بتحديات شعبية من هيمنة مجموعات عرقية وفئوية هي تابعة أساساً. في بعض الأحيان، كانت هذه التحديات قوية وناجحة بما يكفي لخلق لحظات شعبية متميزة من القوة، وتجلت في التاريخ الحضري. كما أن الصراعات القومية على السلطة يمكن أن تأخذ أشكالاً عنيفة ومتطرفة، وليست مدمرة وعابرة فقط، مثل الحروب وحالات الشغب، بل أيضاً، لفترة من الزمن، توطدت الأشكال في العواصم، والتي يجب أن ننعم النظر فيها أيضاً. ففي الآونة الأخيرة، «هيمنت القوى العالمية على موقع المركز، وكانت في البداية على شكل الرأسمالية العالمية العابرة للحدود».
ويضيف: «بالنسبة لعدد ليس بالقليل من الكتّاب المعاصرين، تعتبر القوى القومية على حافة أن تصبح من الأنواع المنقرضة، خاصة في المدن الكبيرة»، ويؤكد الكاتب: «علينا أن ننظر في هذه المزاعم، بعين الشك لكن بجدية في الوقت نفسه، في محاولة لتفكيك الديناميكيات المتقاطعة للقوى العالمية والقومية والمحلية في أسلوب جديد من الحضرية العولمية، والحداثية، والاصطفائية. وفي النهاية ذاتها، علينا أن نلقي نظرة على مستقبل قوانا الأربع».

تطور العواصم

عبر عدسة تاريخية عالمية، ومع مجموعة مواضيع تمتد من طفرات العمارة الحداثية إلى العودة المعاصرة للثورات المدنية، تلقت أسئلة ثيربورن افتراضات حول مصدر، مظاهر، ومدى القوة الحضرية، جامعاً بين وجهات النظر المتعددة بشأن السياسة وعلم الاجتماع، والتخطيط الحضري، والهندسة المعمارية، والأيقونيات الحضرية. ويشير إلى أن هناك صلة قوية بين المدينة والدولة القومية، وأن العولمة الحالية للمدن تقودها إلى حد كبير تطلعات السياسيين العالمية، بالإضافة إلى رأس المال الوطني والمحلي.
يتعقب الكاتب المسارات الملتوية التي سلكتها عواصم اليوم لتصبح «حديثة» وعلاقاتها مع الدول المضيفة لها والسمات المعمارية التي تمثل القوى المهيمنة في تلك البيئة الحضرية.
ويسلط الضوء على عدد من أبرز عواصم العالم مثل العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث المناطق السوداء الفقيرة «في تلك المدينة ذات الأغلبية السوداء غير مرئية في الغالب لأعضاء الكونجرس والنخب الفكرية وكذلك للزوار العاديين، والعاصمة الفرنسية باريس إلى العاصمة الكازاخية أستانة التي تبرز في القرن الحادي والعشرين، كما يشير إلى أن لندن تعد أول مدينة عالمية حقاً، لما تتميز به من جذب لرغبات الاستثمار الرأسمالي المعولم حسب القيم المشتركة لمواطنيها والحكومات. كما يتوقف عند العديد من الرقع المأهولة بالسكان، مقدماً تحليلات متعددة الأوجه، وساعياً بذلك إلى دفعنا لإعادة التفكير في مستقبلنا الحضري، بالإضافة إلى حاضرنا المتشكل تاريخياً.
يمكن النظر إلى الكتاب على أنه من جزأين: الأول هو لمحة عامة عن تطور الدول القومية وعواصمها في أجزاء مختلفة من العالم. والثاني هو نظرة أكثر إيديولوجية إلى النوايا والعمليات والعواقب الخاصة للفاشية والشيوعية والرأسمالية العالمية في مدن معينة.
وتفصيلاً بشأن المحتوى، يأتي بعد المقدمة المعنونة «القوى الحضرية، الوطنية، الشعبية، العالمية» في عشرة فصول هي: 1) المدن والقوة والحداثة. 2) الأسس الوطنية: أوروبا – تحويل المدن الأميرية. 3) الأسس الوطنية: انسحاب المستوطنين. 4) الأسس الوطنية: تأميم الاستعمار. 5) الأسس الوطنية: الحداثة التفاعلية. 6) الشعب يصعد: اللحظات الشعبية في التاريخ الحضري الحديث. 7) تمجيد السلطة: الفاشية والدكتاتوريات المتقاربة. 8) مجيء وذهاب الشيوعية. 9) اللحظات العولمية في المدن القومية. 10) العاصمة العولمية، مستقبل العواصم القومية وشعوبها.

الفاشية والشيوعية

في الفصلين السابع والثامن يتناول الكاتب الفاشية والشيوعية، ويتوقف في مناقشته على الأساس الإمبريالي لحكم هتلر وموسوليني، وتأثيره على عواصم كل منهما. وعلى الرغم من أن هناك جانباً مؤهلاً لنمط السكن في روما الفاشية الناشئ عن التفكير والتصميم الحداثي على خلفية قديمة، إلا أن ثيربورن يشارك بوضوح أفكار ألبيرت سبير عن خطط هتلر المعمارية لألمانيا التي أصابت عموم الشعب الألماني بالجنون تماماً لغرابتها.
على الجانب الآخر من الانقسام الإيديولوجي، ثيربورن مدرك في كتابته لفشل الدول الشيوعية، التي كانت كثيرة ومتنوعة، ولكنه أيضاً يتطرق إلى نجاحاتها. والأكثر إثارة للإعجاب، في كلا الفصلين، هو التزام ثيربورن بالطابع المتميز للعواصم التي يدرسها، مشيراً إلى أن أنماطها المعمارية وتطورها الحضري لا تندرج تحت غطاء «الشمولية»، بل يجد بدلاً من ذلك نمطاً متحولاً من الطابع الوطني والسياق التاريخي، وألعاب السلطة البيروقراطية والمقاومة الشعبية. مثلاً أصبح من الشائع التعامل مع كل شيء في برلين الشرقية قبل عام 1990 إما أنه رتيب أو مثير للجنون. ثيربورن يعيد بعض الحياة واللون والطموح للشعب الذي عاش فعلاً هناك.
ثيربورن يكون في أفضل حالاته، ككاتب، عندما يسمح لبعض الفكاهة الشخصية بالظهور في سرده، خاصة حينما يتحدث عن رحلاته إلى أستانة عاصمة كازاخستان ونايبيداو عاصمة ميانمار، أو عندما يوجّه شكراً خاصاً لزبيجنيو بريجنسكي الذي عمل مستشاراً للأمن القوى لدى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر (1977-1981) لتأجيج «معاداة الحداثة» في أفغانستان.

العولمة ومستقبل الناس

يقدم الفصلان الأخيران تحليلاً عن وقتنا الحاضر، مع معاينة المعمار الرأسمالي، تاريخه الجمالي، رمزيته وتشابكه مع القوى الدافعة للرأسمالية المعاصرة، مثل البنوك والشركات متعددة الجنسيات والدول الأمم نفسها.
وتحت عنوان «العولمة ومستقبل الناس» ينهي الكاتب عمله قائلاً: «مستقبل العولمة، والعمران الرأسمالي، بالإضافة إلى الشركات العالمية يبدو أنه حتمي وواضح، ومصيره الاستمرارية، وعلى الأرجح، يتجه نحو التوسّع في التأثير والنفوذ. لكن السؤال الصعب والأساسي هو مستقبل الناس. هل سيكون لدى الناس من مستقبل في عالم من الرأسمالية العولمية القاسية؟ «تقريباً حياة من الالتزام السياسي، والملاحظة، والتحليل علمتني ألا أتوقع أي شيء شامل ومتساو من رأسمالية لا يمكن كبح جماحها، وحدوث حالات التمرد أمر يستحيل توقعه، لكن ذلك ما يتم القيام به مراراً وتكراراً».
ويضيف: «في الحقيقة، أعتقد بوجود سببين للتفاؤل المعتدل بشأن توقعات لحظات شعبية مستقبلية. الأول هو العودة الأخيرة للثورات المدنية الشعبية. فالتكاليف الدولية للقمع الوطني ازدادت ومن المحتمل أن تبقى عالية. مثل هذه الثورات أو تغيرات النظام بتأثير احتجاجات الشوارع الشعبية سوف تبقى من المحتمل في الديمقراطيات الانتخابية المتماسكة، لكن هناك ربما يتحولون إلى أحزاب – حركات يلعبون بنجاح اللعبة الانتخابية. تظهر الأمثلة الأوروبية الجنوبية الأخيرة أن مثل هذا السيناريو لا يتجاوز حدود الواقعية السياسية. والبلدان التي فيها شرعية انتخابية ودستورية سليمة، سوف تشهد تكرار الانتفاضات الشعبية الناجحة مراراً وتكراراً، وربما ينتشر الأمر بشكل سريع في مناطق بإفريقيا، حيث العنف المسلح حتى الآن يقرر في كثير من الأحيان نتائج التنافس السياسي».
أما السبب الآخر بحسب الكاتب، فهو إمكانية الإصلاح المدني. وقد تم تطبيقه من قبل «الاشتراكية المحلية» الأوروبية، لكن في الفترات الأخيرة جاءت الدفعة الأخيرة من الإصلاح الراديكالي، المدني الذي شهد تحولاً بشكل اجتماعي من جنوب الكرة الأرضية، مع مدخلات طويلة الأمد من مونتيفيديو ومكسيكو سيتي، والاختراقات الأخيرة في دلهي وجاكرتا. إن هذا الأمر مشروع غير محصّن للغاية، ويعتمد على الاقتصاد الوطني الذي غالباً ما يكون تحت ضغط من حكومة عدائية في مواجهة ناخبين متقلبين من وجهة نظره.
عموماً يوضح ثيربورن في نقطة رئيسية أن الدولة الأمة هي دولة مفتوحة دائماً للمستقبل، وهي الدولة التي يمكن أن تتصور المستقبل بشكل جماعي وتتخذ قرارات بشأنه، بدلاً من تعريف واحد ومحدود من قبل فصيل متأصل في الماضي.

نبذة عن الكاتب

جوران ثيربورن من مواليد 23 سبتمبر/أيلول 1941، في مدينة كالمار السويدية. عمل أستاذاً لعلم الاجتماع في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، وأستاذاً مشاركاً لعلم الاجتماع في جامعة لينيوس بالسويد. كما شغل موقع المدير المشارك السابق للهيئة السويدية للدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية في أوبسالا، وموقع أستاذ سابق في علم الاجتماع في جامعة جوتنبرج بالسويد، وكذلك أستاذ سابق للعلوم السياسية في جامعة نيميجن الكاثوليكية في هولندا. ويعدّ أحد أكثر علماء الاجتماع الماركسيين تأثيراً.
نشر على نطاق واسع أبحاثه في مجلات ودوريات متخصصة مثل «نيو ليفت ريفيو»، وهو معروف بكتاباته حول المواضيع التي تقع ضمن الإطار السياسي والاجتماعي العام لمرحلة ما بعد الماركسية.
يلتزم في كتاباته بالدعوة إلى الحرية والمساواة العالمية، وهو مؤيد للحركات الاجتماعية المناهضة للإمبريالية واللامساواة.
وتشمل المواضيع التي كتبها على نطاق واسع تقاطعاً بين البنية الطبقية للمجتمع ووظيفة جهاز الدولة، وتشكيل الإيديولوجية داخل المواضيع، ومستقبل التقاليد الماركسية.
له عدد من الأعمال البارزة تتجاوز 10 كتب منها: «إيديولوجية السلطة وسلطة الإيديولوجيا» (1980)، و«من الماركسية إلى مرحلة ما بعد الماركسية؟» (2008) الذي يحاول أن يحلل فيه تطوير النظرية الماركسية ومسار الفكر الماركسي في القرن الحادي والعشرين. كما نشرت أعماله في ما لا يقل عن أربع وعشرين لغة. يعيش منذ تقاعده في 2010، في لجونجبيهولم، جنوب شرقي السويد.

ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

 

التفاؤل وسط كوارث الرأسمالية

ظلّ المفكر نعوم تشومسكي «الضمير الأخلاقي لأمريكا» لأكثر من نصف قرن من الزمن (ولو أنه بقي مجهولاً لغالبية الأمريكيين)، بالإضافة إلى أنه مفكر معروف على المستوى العالمي، إذ إنه يتحدث باستمرار عن موقفه الرافض للسياسات العدائية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه الدول الأخرى، وانتهاكها حقوق الإنسان، ويدافع عن الضعفاء والمضطهدين في مختلف أنحاء العالم منذ زمن الحرب الفيتنامية إلى الوقت الراهن. في الكتاب الذي بين يدينا نتعرف إلى آرائه عبر حوارات على مدى أربع سنوات أجراها معه الكاتب سي جي. بوليكرونيو.
يضم هذا الكتاب نظرة عامة شاملة على مشاكل عالمنا اليوم، وكيف ينبغي أن نستعد للغد، وذلك من خلال حوارات مع المفكر العالمي البارز نعوم تشومسكي، الذي يرى أننا اليوم أمام خيارين وهما: يمكننا أن نكون متشائمين أمام ما يحدث من كوارث للرأسمالية في العالم، وأن نستسلم، ونساعد على ضمان أن الأسوأ سيحدث، أو يمكننا أن نكون متفائلين، وننتهز الفرص التي تأتي، وهي موجودة بالتأكيد، وربما نساهم في جعل العالم مكاناً أفضل.

من خلال هذه الحوارات التي أجريت من أواخر 2013 إلى أوائل 2017، وقد نشرت في موقع (http://www.truth-out.org) يجيب المفكر السياسي تشومسكي عن أسئلة تتعلق باستكشاف النيوليبرالية المتصاعدة، وأزمة اللاجئين في أوروبا، وحركة «حياة السود تهم»، والنظام الانتخابي الأمريكي المختل، والآفاق والتحديات أمام بناء حركة تهدف إلى تحقيق تغيير جذري. كما يضم الكتاب مقابلات عن حملة الانتخابات الأمريكية 2016 والمقاومة العالمية لترامب.
ويقول سي جي. بوليكرونيو في مقدمته عن تشومسكي: «يبقى صوت تشومسكي بمفرده في الغالب مشعل الأمل والتفاؤل في هذه الأوقات السوداء، حيث تسود فيها اللامساواة الاقتصادية بشكل لا نظير له، وتزايد السلطوية، والداروينية الاجتماعية، مع حركة يسار أدارت ظهرها للصراع الطبقي».
ويضيف: «في الآونة الأخيرة، كانت هناك إشارات قوية وواضحة عبر الطيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي كله في المجتمعات الغربية، حيث إن تناقضات العولمة الرأسمالية والسياسات النيوليبرالية المرتبطة معهم تهدد بكشف القوى المتنفذة مع القدرة على إنتاج ليس فقط نتائج مدمرة بشكل كبير لأجل تحقيق النمو، والازدهار، والعدالة، والسلام الاجتماعي، بل أيضاً نتائج مصاحبة لأجل تحقيق الديمقراطية، والحفاظ على البيئة، والحضارة الإنسانية بشكل عام».
ويشير إلى أن تشومسكي لا يزال، رغم ذلك، يجد أن الشعور باليأس أمام ما يحصل ليس خياراً. لا يهم مدى البشاعة التي يظهر بها وضع العالم الراهن، فالمقاومة للاضطهاد والاستغلال لم تكن في يوم من الأيام مشروعاً غير مثمر، حتى في أوقات أحلك من أوقاتنا. في الحقيقة، «الثورة المضادة» لترامب في الولايات المتحدة أخرجت إلى النور قوة ردع للقوى الاجتماعية التي تقف في وجه طموحات الأوتوقراطيين. يبدو أن مستقبل المقاومة في الدولة الأكثر نفوذاً في العالم يظهر أنه واعد أكثر من أجزاء أخرى عديدة في العالم الصناعي المتقدم.
في هذا السياق، يعتبر الكاتب سي جي. بوليكرونيو أن المأمول من حواراته هنا مع تشومسكي أن تساعد في تقديم آرائه وأفكاره لجيل جديد من القراء، خاصة أنها تبقي الإيمان بالقدرة الإنسانية على تقديم مقاومة عنيدة في وجه قوى الظلام السياسي، وفي النهاية يمكن لها تغيير سياق التاريخ نحو الأفضل.

عالم يشهد التحول

تواجه الولايات المتحدة أوقاتاً عصيبة، وفي الوقت الذي لا تزال فيه القوة العظمى العالمية الوحيدة، إلا أنها لم تعد قادرة على التأثير على الأحداث وتحقيق النتائج التي تروق لها، وإن كان الأمر بشكل جزئي. يبدو أن الإحباط والقلق بشأن مخاطر الكوارث المنتظرة فاقا آمال الناخبين الأمريكيين خلال انتخابات 2016 في إقامة نظام عالمي أكثر عقلانية وعدلاً. يشير نعوم تشومسكي إلى أن صعود شعبية دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية وتسلمه الرئاسة حدث بسبب حقيقة أن المجتمع الأمريكي يتعرض للانهيار.
اخترنا بعض الأسئلة من هذه المقابلة الأولى، التي يعالج فيها نعوم تشومسكي التطورات المعاصرة في كل من الولايات المتحدة وحول العالم، ويواجه التحديات السائدة والآراء حول الحرب الطبقية، النيوليبرالية كنتيجة للقوانين الاقتصادية، ودور الولايات المتحدة كقوة عالمية، ووضع الاقتصادات الناشئة، وقوة اللوبي «الإسرائيلي».
السؤال الأول هو: «نعوم، لقد قلت إن صعود دونالد ترامب يرجع إلى حد كبير إلى انهيار المجتمع الأمريكي. ماذا تقصد بهذا بالضبط؟»
يجيبه تشومسكي: «كانت للبرامج الحكومية المشتركة مع الشركات التجارية في السنوات ال 35 الماضية أو نحو ذلك آثار مدمرة على أغلبية السكان، حيث أصبح الركود والانحدار الاقتصادي واللامساواة الكبيرة بين السكان من أكثر النتائج المباشرة. وقد خلق الخوف لدى السكان، وتركهم يشعرون بالعزلة، والعجز، وأنهم ضحايا القوى المتنفذة التي لا يمكن فهمها أو التأثير عليها. والانهيار هنا لا ينجم عن القوانين الاقتصادية، بل إنه متعلق بسياسات، هي نوع من الحرب الطبقية التي بدأها الأغنياء والأقوياء ضد العمال والفقراء. هذا ما يمكن أن نعرّف به الفترة النيوليبرالية، ليس فقط في الولايات المتحدة وحدها، بل في أوروبا وغيرها أيضاً. وترامب يناشد أولئك الذين يشعرون ويختبرون انهيار المجتمع الأمريكي، ممن تتملكهم مشاعر عميقة من الغضب والخوف والإحباط واليأس، وربما بين قطاعات السكان نشهد زيادة في معدل الوفيات، وهو شيء لم يسمع عنه بعيداً عن الحرب».

الحرب على الإرهاب

في سؤال ثان يسأله الكاتب: «على جبهة السياسة الخارجية، يبدو أن «الحرب على الإرهاب» مشروع لا ينتهي أبداً، كما هو الحال مع الوحش عدار، (حية عظيمة قتلها هرقل في الأساطير اليونانية. يقال إنها كانت ذات تسعة رؤوس؛ كلما قطع رأس منها، نبت رأس آخر، بحسب ويكبيديا). هل يمكن للتدخلات الضخمة للقوة أن تقضي على المنظمات الإرهابية مثل «داعش»؟»
تشومسكي يجيبه قائلاً: «لدى تولي أوباما منصبه، قام بزيادة حجم قوات التدخل وعزز الحروب في أفغانستان وباكستان، تماماً كما وعد بذلك. كانت هناك خيارات سلمية، وبعضهم من التيار السائد في الشؤون الخارجية على سبيل المثال وصى بها. ولكنها لم تكن قيد النظر. وكانت الرسالة الأولى لحامد قرضاي الرئيس الأفغاني إلى أوباما، والتي لم يرد عليها، هي طلب وقف قصف المدنيين. كما أبلغ قرضاي وفداً من الأمم المتحدة بأنه يريد جدولاً زمنياً لانسحاب القوات الأجنبية. وعلى الفور، فقد سقط من حسابات واشنطن، ووفقاً لهذه التحولات أصبح من رئيس مفضل لدى الولايات المتحدة عبر وسائل الإعلام إلى رئيس «لا يمكن الاعتماد عليه» و«فاسد»، وما إلى ذلك، وهو ما لم يكن صحيحاً أكثر مما كان عليه عندما كان يتم الاحتفاء به والقول بأنه «رجلنا» في كابول.
أرسل أوباما المزيد من القوات وعزز القصف على جانبي الحدود الأفغانية – الباكستانية أو ما يعرف ب«خط دوراند»، (هو خط حدودي يبلغ طوله 2640 كيلومتراً، يمتد بين أفغانستان وباكستان)، وهو عبارة عن حدود مصطنعة أنشأها البريطانيون، والتي قسّمت مناطق البشتون إلى منطقتين، ولم يقبلها الشعب أبداً. وكثيراً ما مارست أفغانستان ضغوطاً في الماضي لأجل طمسه.
هذا هو العنصر المحوري في «الحرب على الإرهاب». كان من المؤكد أنها تحفز الإرهاب، تماماً كما فعلت في غزو العراق، وكيفية اللجوء إلى استخدام القوة بشكل عام. فرض القوة يمكن أن ينجح. وجود الولايات المتحدة هو مثال على ذلك. الروس في الشيشان مثال آخر. ولكن يجب أن تكون ساحقة، وربما هناك الكثير من المخالب للقضاء على الوحش الإرهابي الذي أنشئ إلى حد كبير من قبل ريجان وشركائه. «داعش» هو آخر تنظيم، وأكثر تنظيماً في استخدام الوحشية من تنظيم القاعدة. وهذا التنظيم مختلف أيضاً من ناحية أن لديه مطالبات في الأراضي. ويمكن القضاء عليه من خلال توظيف هائل للقوات على الأرض، ولكن ذلك لن ينهي ظهور منظمات متشابهة معها في التفكير. فالعنف يولد العنف.

تأثير اللوبي «الإسرائيلي»

وفي سؤال ثالث: «في العديد من الدوائر، هناك انطباع واسع الانتشار بأن اللوبي «الإسرائيلي» يدعو إلى إطلاق النار في السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. هل قوة اللوبي «الإسرائيلي» قوية بحيث يمكن أن يكون لها تأثير على قوة عظمى؟»
تشومسكي يرد بالقول: يصف صديقي جيلبرت الأشقر، المتخصص في الشرق الأوسط والشؤون الدولية عموماً، هذه الفكرة بأنها «وهمية». بحق. ليس اللوبي هو الذي يهدّد صناعة التكنولوجيا العالية في الولايات المتحدة لأجل توسيع استثماراتها في «إسرائيل»، أو أنه يلوي ذراع الحكومة الأمريكية حتى يتم وضع الإمدادات هناك مسبقاً للعمليات العسكرية الأمريكية في وقت لاحق، وتكثف العلاقات العسكرية والاستخباراتية الوثيقة.
عندما تتفق أهداف اللوبي مع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأمريكية المعروفة، فإنها عادة ما تصل إلى: سحق الفلسطينيين، على سبيل المثال، وهو أمر لا يثير إلا قلقاً ضئيلاً لقوة الولايات المتحدة الأمريكية. عندما تتباعد الأهداف، كما يحدث غالباً، يختفي اللوبي بسرعة، ويعرف أكثر من مواجهة السلطة الحقيقية.

التهديد الصيني

وفي سياق آخر يسأله الكاتب: «هل ترى الصين في وضعية يمكن أن تشكل تهديداً للمصالح العالمية الأمريكية أكثر من أي وقت مضى؟»
يردّ تشومسكي: «من بين القوى العظمى، كانت الصين الأكثر تحفظاً في استخدام القوة، وحتى من ناحية الاستعدادات العسكرية. لدرجة أن المحللين الاستراتيجيين الأمريكيين البارزين جون ستينبرونر ونانسي جالاجر كتبا مقالاً في مجلة الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم التي تحظى باحترام كبير، دعوا فيه الصين قبل بضع سنوات إلى قيادة تحالف من الدول المحبة للسلام لمواجهة العسكرة العدوانية للولايات المتحدة التي يعتقدون أنها تؤدي إلى «الموت النهائي». ولا توجد دلائل تذكر على أي تغيير مهم يحدث في هذا الصدد. ولكن الصين لا تتبع الأوامر، وتتخذ خطوات للوصول إلى الطاقة والموارد الأخرى في جميع أنحاء العالم. وهذا يشكل تهديداً».
يأتي الكتاب كله في هذا السياق الحواري، الذي يتميز بغنى في المعلومات والإجابات عن أسئلة ربما تخطر على بال الكثير من القراء.
يلخص تشومسكي في إجاباته استنتاجاته العامة تجاه سياسة الولايات المتحدة وأفعالها العسكرية في العالم، وتكون تحليلاته دائماً مستندة على حقائق لا تقبل النقاش، وتكون موجهة بعمق أيضاً وفق اعتبارات أخلاقية حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والاحترام الإنساني العام.

بنية الكتاب

الكتاب يقع في 224 صفحة من القطع المتوسط، وهو صادر عن دار «بينكوين» البريطانية باللغة الإنجليزية في 2017. ويحتوي على ثلاثة أجزاء بعد المقدمة، يضم الأول تسعة فصول وهي: 1) انهيار المجتمع الأمريكي وعالم يشهد التحول. 2) رعب يتجاوز حدود الوصف: أحدث مرحلة ل«الحرب على الإرهاب». 3) إمبراطورية الفوضى. 4) الصراعات العالمية لأجل الهيمنة: «داعش»، «الناتو»، وروسيا. 5) هل يتفكك التلاحم الأوروبي؟ 6) منع البوركيني، الإلحاد الجديد، وعبادة الدولة: الدين في السياسة. 7) بناء تصورات عن «سلام مستدام». 8) كل شيء يعمل بشكل جيد لأجل الأغنياء والمتنفذين. 9) هل يمكن للحضارة أن تنقذ «رأسمالية موجودة حقاً»؟
ويضم الجزء الثاني عشرة فصول هي: 1) أمريكا في عهد ترامب. 2) القاعدة الجمهورية «خارج السيطرة». 3) انتخابات 2016 تضع الولايات المتحدة في خطر «كارثة مطلقة». 4) ترامب في البيت الأبيض. 5) الاحتباس الحراري ومستقبل الإنسانية. 6) التاريخ الطويل للتدخل الأمريكي في انتخابات الدول الأخرى. 7) إرث إدارة أوباما. 8)الاشتراكية للأغنياء، والرأسمالية للفقراء 9) النظام الصحي الأمريكي فضيحة دولية – وإلغاء قانون الرعاية الصحية «أوباما كير» سوف يجعل الأمر أسوأ. 10) مخاطر التعليم الذي يقوده السوق. أما الجزء الثالث فيتكون من ثلاثة فصول هي: 1) اللاسلطوية، الشيوعية، والثورات. 2) هل الولايات المتحدة مستعدة للاشتراكية؟ 3)لماذا اخترت التفاؤل وليس اليأس؟

 

ترجمة: نضال إبراهيم

القوة البحرية

لعبت البحار والمحيطات دوراً كبيراً في تحديد مصاير الشعوب والأمم، وجرت صراعات كبيرة فيها وعليها، بدايتها كان من البحر الأبيض المتوسط الذي شهد أكبر منسوب للعنف تاريخياً بين الإمبراطوريات المتصارعة. وأصبح المحيط الأطلسي، مؤخراً، من المحيطات غير المرغوبة لمسألة السلام والتعاون على المستوى الدولي، لكن هناك تخوف غربي وأمريكي تحديداً من تنامي القوة البحرية الصينية. يحاول الكاتب بحكم خبرته في بحار ومحيطات العالم كضابط كبير في البحرية الأمريكية أن يستعرض الصراعات الجارية ومصالح الدول الكبرى في التحكم بطرق الملاحة البحرية.
يستعرض الأميرال جيمس ستافريديس في هذا العمل المتميز رحلته الحياتية والمهنية المهمة عبر جميع المواقع المائية في العالم، ويقدّم قصة القوة البحرية كعامل في التطور البشري والتاريخ الإنساني بشكل عام، ويتناول دورها كعنصر حاسم في مسارنا الجيوسياسي الراهن.

يأتي الكتاب في تسعة أقسام بعد المقدمة بعنوان «البحر واحد»، وهي: 1) الباسيفيك: أم كل المحيطات. 2) المحيط الأطلسي. مهد الاستعمار. 3) المحيط الهندي: بحر المستقبل. 4) البحر الأبيض المتوسط: حيث بدأت الحروب البحرية. 5) بحر الصين الجنوبي: منطقة نزاع محتملة. 6) البحر الكاريبي: متوقف في الماضي. 7) المحيط المتجمد الشمالي: الوعد والمخاطر. 8) البحر الخارج عن القانون: محيطات كمسارح جرائم. 9) أمريكا والمحيطات: استراتيجية بحرية لأجل القرن الـ21.
بدايات الحروب البحرية

يتطرق ستافريديس إلى الصراعات التاريخية من زمن الإغريق وتصادمهم مع الفرس في البحر الأبيض المتوسط، وكيف أن قوة البحر كانت تحدد موازين القوة العالمية، مشيراً إلى أن دورها لم يتم الاستهانة به منذ فجر التاريخ، وحتى الوقت الراهن. يبين الأميرال ستافريديس كيف شكلت جغرافية المحيطات مصاير الأمم، وكيف صنعت القوة البحرية بالمعنى الحقيقي العالم الذي نحياه اليوم، وكيف أنها ستشكل العالم الذي سنعيشه في المستقبل.
يقدم الكاتب في عمله الصادر حديثاً في 384 صفحة عن دار «بينغوين للنشر» باللغة الإنجليزية، بشكل واضح تاريخاً بحرياً متسلسلاً، عبر رؤية جديدة في الاشتباكات البحرية الكبرى، ويشير إلى أنه بدأت الحرب في البحر في «الساحة التي لا تعرف الكلل» للبحر الأبيض المتوسط، التي تحتفظ بإمكانات كبيرة من العنف، بدءاً من معركة سلاميس التي وقعت في العام 480 قبل الميلاد بين تحالف من المدن اليونانية القديمة والإمبراطورية الفارسية في إطار الحروب الفارسية-اليونانية. جرت المعركة بالقرب من بحر إيجة في مضيق سالاميس بين البر اليوناني وجزيرة سالاميس، وهي جزيرة في خليج سارونيك بالقرب من أثينا، مني فيها الفرس بهزيمة تاريخية.
كما يتوقف عند معركة ليبانت التي وقعت في 7 أكتوبر من العام 1571 بين العثمانيين وتحالف أوروبي، وقد انتهت بهزيمة العثمانيين، وكانت الخسائر في تلك المعركة ضخمة للغاية لكلا الطرفين، إلا أن خسائر العثمانيين المعنوية كانت أشد فداحة من خسائرهم المادية، حيث كانت تلك المعركة الكبيرة ذات مردود سلبي في علاقة الدولة العثمانية بالأوروبيين، إذ أزالت من نفوس الأوربيين أسطورة أن الدولة العثمانية دولة لا تقهر، وهو ما شجع التحالفات الأوروبية ضدها بعد ذلك، وظهرت المراهنات على هزيمتها.
ويتناول معركة ترافلغار (الطرف الأغر أو طرف الغار) التي نشبت بين الأسطول الإنجليزي بقيادة الأميرال هوراشيو نيلسون ضد الأسطولين الفرنسي والإسباني المتحالفين تحت قيادة الأميرال الفرنسي بيير شارلز فيلنوف في 21 أكتوبر 1805 قرب رأس طرف الغار في قادس جنوب غرب إسبانيا، وقد سُمِّي ميدان طرف الغار في لندن باسم هذه المعركة تخليداً لانتصار نيلسون. كانت القوة العسكرية المهيمنة حينها على القارة الأوروبية هي الإمبراطورية الفرنسية بقيادة نابليون، في حين كانت البحرية البريطانية تسيطر على البحار. وأثناء الحرب فرضت القوات البريطانية حصاراً بحرياً على فرنسا ترك تأثيراً كبيراً على التجارة الفرنسية وأبقاها عاجزة عن تعبئة الموارد البحرية الخاصة بها.
ومن بين أهم المعارك التي تطرق إليها الكاتب أيضاً معركة الأطلسي، التي تعتبر أطول حملة عسكرية مستمرة خلال الحرب العالمية الثانية، شنتها ألمانيا النازية على بريطانيا لقطع الإمدادات عنها، فقد كان هتلر مصمماً على قطع الشريان الحيوي الذي يتمثل في المحيط الأطلسي من خلال ضرب السفن التجارية البريطانية وقطع الإمدادات عن بريطانيا القادمة إليها من الولايات المتحدة وكندا، لإجبارها على الاستسلام.
ويشير الكاتب إلى أنه شهدت نهاية عام 1942م بلوغ معركة الأطلسي ذروتها، حيث الصراع بين الغواصات الألمانية والأسلحة البحرية البريطانية والأمريكية والكندية استمر طوال سنة، إذ كان يتفاوت في القوة والكثافة، وكان ميزان القوى يتأرجح من جانبٍ لآخر حسب التقنيات والتكتيكات والقوى البشرية المتوفرة لدى كل جانب، لكن الحقيقة بقيت بأن المبادرة كانت بين أيدي الحلفاء. بعد مواجهتهم للخسارات الفادحة في السفن، أصبحت معركة الأطلسي مهمةً في التخطيط الاستراتيجي والجهود الموجهة نحو معارك الغواصات. وبحلول نهاية عام 1942، ومع وصول خسائر الملاحة التجارية لأعلى معدلاتها، فقد تحطمت أكثر من مئة غواصةٍ ألمانية مع أطقمها، وسحبت الغواصات الألمانية، ثم اتخذت مواقع دفاعية عند شواطئ فرنسا.

قوة البحار

يقدم الكاتب رؤيته الاستراتيجية من مسيرته البحرية الطويلة، وهو يدعم أفكار الضابط الأمريكي ألفريد ثاير ماهان (1840-1914) الذي يطلق عليه الأمريكيون لقب «الاستراتيجي الأمريكي الأكثر أهمية في القرن التاسع عشر الميلادي»، فقد كان مفهومه عن «قوة البحر» مبنياً على فكرة أن الدول صاحبة القوة البحرية الأعظم سيكون لها التأثير الأكبر في جميع أنحاء العالم، ومن المعروف أن هذا المفهوم قُدِمَّ من خلال كتاب تاريخي وهو «تأثير قوة البحر على التاريخ»، وقد كان لهذا المفهوم انعكاسه الكبير في صياغة الفكر الاستراتيجي للقوى البحرية في العالم، وخاصة في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وكذلك بريطانيا. وما تزال أفكاره مسيطرة على مبادئ البحرية الأمريكية.
والأميرال جيمس ستافريديس يؤكد على ما ذهب إليه في أن السيطرة على المحيطات وغيرها من التجمعات الرئيسة للمياه كانت تشكل مصلحة كبرى للقوى العظمى على مر التاريخ. يستخدم ستافريديس تجربته الجيوسياسية في عرض هذه المعلومات بطريقة يوصي فيها الولايات المتحدة بتجنب الحوادث غير الضرورية، والعمل على وضع نفسها في موقع استراتيجي متفوق باستخدام سلطتها البحرية.
يركز خلال عمله على أهمية وحساسية المحيط الهادي والآثار المترتبة على ارتفاع القوة البحرية الصينية، وكيف يمكن لجهودها أن تغير من اللعبة العالمية، إذ إنها تشير إلى قدرات هجومية في المستقبل.. وفي فصل لاحق حول بحر الصين الجنوبى، يحذر من أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتحدى مطالب الصين الإقليمية، وأن تفشل استراتيجيتها العالمية، ويرى أن المواجهة قد تكون ضرورية إذا لم يؤت التعاون الإقليمي ثماره. ويرى أنه يأمل في مبادرات متعددة الجنسيات مثل العملية الأخيرة بين القوات الأمريكية واليابانية والهندية. وعلى الرغم من أن ستافريديس لديه مخاوف بشأن سباق التسلح الإقليمي المتنامي، فإنه لا يزال يؤكد أن المحيط الهادي ربما يواصل تطوره سلمياً.
ويعتبر «العلاقة الخاصة» بين البحرية الأمريكية والبريطانية موضوعاً مهماً آخر، حيث إن المناقشات تتجه نحو المحيط الأطلسي. ويعتقد ستافريديس أنه لأول مرة في التاريخ، برز المحيط الأطلسي كمنطقة غير مستحبة من التعاون والسلام على المستوى العالمي. يجد ستافريديس أن بحر الصين الجنوبي، وهو الوافد الجديد نسبياً إلى الجغرافيا السياسية البحرية، ولكنه يتمتع بأهمية كبرى في القرن الحادي والعشرين. ويعرض أيضاً الأدوار التي يقوم بها البحر الكاريبي والمحيط المتجمد الشمالي.

رؤية استراتيجية

يقول الكاتب في نهاية عمله أن «الكتلة الرئيسة من المياه والتي تعد على بعد مسافة كبيرة من الولايات المتحدة، على الجانب الآخر من العالم، هي المحيط الهندي. هنا يجب أن تأخذ استراتيجيتنا أولاً وقبل كل شيء في الاعتبار قوة الهند العظمى الناشئة. وينبغي أن نفعل كل ما في وسعنا دبلوماسياً وثقافياً وعسكرياً، وسياسياً، لتعزيز علاقاتنا مع الهند. وهذا ينبغي أن يتضمن بوجه خاص التعاون في المجال البحري، بما في ذلك سلسلة جديدة من التدريبات والمناورات مع البحرية الهندية؛ وترويج مبيعات الأجهزة البحرية المتقدمة، ولا سيما منظومة «أيجيس» القتالية؛ والتعاون في تشغيل الغواصات النووية؛ والعمل كذلك مع الهند واليابان على التمارين البحرية التي تركز على مكافحة القرصنة في الطرق المتبعة في المحيط الهندي وحولها؛ وتطوير برنامج لدبلوماسية العلوم البحرية طويلة الأمد للمحيط الهندي».
ويضيف إلى أنه «بالإضافة إلى العمل عن كثب مع الهند، لدينا حليفان أنغلوفونيان كبيران هما نيوزيلندا واستراليا، اللتان تعدّان على درجة من الأهمية أيضاً. فأستراليا ذات أهمية جيوستراتيجية كبيرة نظراً لحجم ساحلها، الذي يتضمن «واجهة بحرية» ساحلية ضخمة على المحيط الهندي. فضلاً عن أن بريطانيا العظمى لا تزال مستمرة بامتلاك جزيرة دييغو غارسيا المرجانية، ولها انتشار دولي حتى بحر الخليج العربي أيضاً، ومشاركتنا هناك ستكون حاسمة».
ويعلق على أهمية الخليج العربي من الناحية البحرية: «والخليج العربي سيستمر في كونه ممراً مائياً مهماً للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، والروابط بين المحيط الهندي الكبير والخليج العربي سيكون نقطة تماس «ساخنة» في الشؤون البحرية. يجب على الولايات المتحدة الاستمرار في الحفاظ على أسطول بحري كبير (أسطولها الخامس) في المنطقة». ويقول: «وأخيراً هناك المحيط المتجمد الشمالي، المنطقة الاستراتيجية على قمة العالم سوف تكون مهمة بدرجة متزايدة بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية، ويجب أن يتضمن نهجنا في الشمال، أولاً وقبل كل شيء، ضمان أننا نمتلك ما يكفي من كاسحات الجليد. وهذا يعني برنامجاً استراتيجياً لشراء (أو إيجار) كاسحات الجليد».

بنية تحتية

ويضيف: «بالإضافة إلى ذلك، نحتاج إلى بنية تحتية أكثر للاستكشاف والتنقل في القطب الشمالي. فليس هناك أسطول بحري محدد للمحيط المتجمد الشمالي، وفي اللحظة الراهنة تخصيص أسطول واحد ليس ضرورياً. سيكون النهج الأفضل جعل هذه المنطقة ذات تركيز بالنسبة لحرس السواحل الأمريكي مع تقديم وزارة الدفاع الدعم عند الحاجة إليه».
ويقول أيضاً: «كل من أقصى جنوب المحيط الأطلسي وجنوب المحيط الهادي نسبياً منطقتان آمنتان، ويمكن اعتبارهما مسرحين للأحداث يمكن فيهما استخدام«اقتصاد استراتيجية القوة». وهذا يعني ببساطة أننا لا نحتاج نشر سفن وقواعد بشكل دائم في أي من المنطقتين. سنحتاج فقط القيام برحلات مناسباتية لدعم التواجد وإجراء اتصالات عسكرية – عسكرية أساسية، ولكن لن يتطلب الأمر قوى عسكرية كبيرة».
ويختم الأميرال عمله بالقول: «في النهاية، نحن دولة جزيرة، محاطة بالمحيطات، تقوم على التجارة العالمية، والأسواق الدولية، وبعثات الصيد، الحفارات البحرية، والطرق المائية لمحيطات العالم. من دون المحيطات، وقدرتنا على الإبحار عبرها، سوف نتلاشى بشكل كبير كدولة. فقدرتنا على الملاحة عبر المحيطات ستكون جزءاً حاسماً من رحلة دولتنا في هذا القرن».

نبذة عن المؤلف:

جيمس ستافريديس، أميرال متقاعد من البحرية الأمريكية، والعميد الحالي لمدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس، وهي كلية الدراسات العليا للشؤون الدولية. يعمل ستافريديس كمحلل دبلوماسي دولي ومحلل للأمن القومي في «إن بي سي نيوز» في نيويورك. وهو أيضاً رئيس مجلس إدارة المعهد البحري الأمريكي، وزميل أول في مختبر الفيزياء التطبيقية لجامعة جونز هوبكنز.
درس في الأكاديمية البحرية الأمريكية في 1976. قضى أكثر من 35 عاماً من الخدمة النشطة في البحرية. وقد قاد المدمرات ومجموعة ضربات حاملات الطائرات في القتال، وعمل لمدة سبع سنوات كأميرال بأربع نجوم، من بينها ما يقارب أربع سنوات كأول ضابط في البحرية يتم اختياره قائداً أعلى للقوات المتحالفة للعمليات العالمية في الناتو. بعد تقاعده من البحرية عين عميداً لمدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس في عام 2013. كتب العديد من المقالات حول قضايا الأمن العالمي لصحف «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، و«ذا أتلانتيك».

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

رواية من داخل المخبارات الامريكية السي أي إيه

ظهر العديد من الأصوات المعارضة لطريقة عمل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» من داخل الوكالة نفسها، بعد أن وجدت مخالفتها الواضحة لـ«أساليب وأخلاقيات الاستخبارات» عبر تقديم معلومات مضللة إلى البيت الأبيض بشأن الأحداث العالمية الكبرى. وهذا بدوره أثّر في صورة الولايات المتحدة عبر العالم، وخلق مجتمعات سرية استخباراتية داخل مؤسسة من المفترض أنها تحترم القانون. يحاول الكاتب أن يسلط الضوء على هذا الجانب وعلى عمله في الوكالة، ودفاعه عن المبلغين عن المخالفات الاستخباراتية، داعياً إلى أهمية إصلاحها.
انتهت فجأة مهنة ميلفين غودمان كمحلل استخباراتي متخصص في العلاقات الأمريكية-السوفييتية، ضمن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» في عام 1990. فبعد أربعة وعشرين عاماً من الخدمة، استقال غودمان عندما لم يعد قادراً على تحمل الفساد الذي شهده على أعلى مستويات الوكالة.

وفي عام 1991 توجّه إلى الجمهور، كاشفاً عن قصص كبار المسؤولين الاستخباراتيين، وقاد المعارضة ضد تعيين روبرت غيتس مديراً لوكالة المخابرات المركزية. وفي جلسات الاستماع التي عقدها مجلس الشيوخ والتي انتشرت إعلامياً على نطاق واسع، أكد غودمان أن غيتس وغيره قاموا بتخريب «أساليب وأخلاقيات الاستخبارات» عن طريق التعمد في تقديم معلومات مغلوطة إلى البيت الأبيض حول الأحداث العالمية الكبرى والعمليات السرية.

 

أهمية كشف الانتهاكات

يركز في كتابه على سنواته في وكالة المخابرات المركزية، وعلى العلاقة المختلة بين الرئيس والكونغرس بشأن مسائل الأمن القومي. يقول غودمان: «طالما أن الكونغرس يذعن لأوامر الرئيس فيما يتعلق بسلوك الأمن القومي، والمحاكم تتدخل لمنع أي تحدّ لسلطة الرئيس في صنع السياسة الأمنية الوطنية؛ ووسائل الإعلام تنزل عند إرادة مصادرها الرسمية والمخوّلة، فإن الأمة بحاجة إلى المبلغين عن المخالفات الاستخباراتية للتأكد من أن أفعال وكالة المخابرات المركزية قانونية وأخلاقية».
يقدّم غودمان في عمله السياق التاريخي لعمل وكالة المخابرات المركزية ووجودها؛ حيث يوضح أن وكالة المخابرات المركزية تتكون من اثنين من الفروع المتميزة ثقافياً هي: العمليات والتحليل. والغرض من العمليات هو التجسس لجمع البيانات. وفي مسألة التجسس، يقول: «إن وكالة المخابرات المركزية ليست مارقة، لكنها تنفذ أوامر الرئيس مع إنكار معقول، لذلك عندما يتم الكشف عن أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية، يتم توجيه الغضب إلى وكالة المخابرات المركزية، وليس نحو الرئيس». ويقول إن الغرض من التحليل هو دراسة البيانات من مصادر مختلفة لتحديد قدرات الدول الأجنبية ونياتها. وينبغي أن يبقى التحليل منفصلاً عن العمليات ليكون «وسيطاً نزيهاً» في تقديم المعلومات إلى الرئيس.
ويعتقد غودمان، خاصة بعد عمله كمحلل استخباراتي في وكالة المخابرات المركزية، أن محللي المخابرات الذين يخدمون بلدهم بشكل أفضل، سوف يتجاهلون الضغوط للتوصل إلى استنتاجات إيديولوجية.

 

منصة لسياسة فاشلة

أنشأ الرئيس الأمريكي هاري ترومان وكالة المخابرات المركزية كمنظمة مدنية مخصصة لمواجهة التقييمات العسكرية المضخمة التي أدلى بها المحللون في وزارة الدفاع في الاتحاد السوفييتي. ولم يقصد الرئيس ترومان أبداً أن تكون وكالة المخابرات المركزية تحت سيطرة وزارة الدفاع أو أن تكون وكالة تجسس. وضد نية ترومان، أصبحت الوكالة على مر السنين وكالة تجسس بشكل فعلي، بقيادة مدير المخابرات الوطنية التي هي قسم من وزارة الدفاع، وأصبحت منظمة توفر تحليلات الأمن القومي المدفوعة أيديولوجياً.
يتحدث غودمان عن عمله لمدة ثلاث سنوات في الجيش الأمريكي ككاتب شيفرات، وعامين في اليونان كجزء من مهمة عسكرية أمريكية، كما كان حاضراً خلال أزمة السويس عام 1956. وكان وراء الكواليس في الغزو الأمريكي للبنان في عام 1958. وكان يعمل لدى وزارة الخارجية في مكتب أبحاث الاستخبارات في الفترة من 1974 إلى 1976؛ حيث أمضى صيف 1976 في العمل لصالح السفارة الأمريكية في موسكو.
ويشير غودمان إلى أن وكالة المخابرات المركزية جيدة في تحديد القدرات، لكنها فقيرة في تمييز النيات. ويصف ما يدور في الموجز اليومي للرئيس. ويعتقد أن المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها وكالة المخابرات المركزية ستكون مفيدة في أي ساحة للتفاوض، في حال كانت بمثابة مصدر مستقل للمعلومات من وزارة الخارجية أو وزارة الدفاع.
كما يتوقف عند فترة عمله كمحلل لوكالة المخابرات المركزية خلال حرب فيتنام، مشيراً إلى أنه حضر مسيرات معادية للحرب، موضحاً أنه كان هناك عدد من المحللين في وكالة المخابرات المركزية الذين كانوا مناهضين للحرب. ويقول إن وزير الدفاع روبرت ماكنمارا حينها كذب على الرئيس جونسون فيما يتعلق بمعلومات المخابرات المركزية الأمريكية عن طريق إخفاء التقارير التي تفيد بأنه لا يمكن لهم الفوز في الحرب. قائلاً: «أصبحت وكالة المخابرات المركزية تشكل منصة لسياسة أمريكية فاشلة». كما يبين غودمان أنه كان موجوداً في أول محادثات للحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت) تحت رئاسة نيكسون. وكان دور وكالة المخابرات المركزية هو التحقق المسبق قبل توقيع المعاهدة، وهذا ما كان مطلوباً قبل تصويت مجلس الشيوخ. ويدّعي غودمان أن وزارة الدفاع لم تكن تريد معاهدة أسلحة مع الاتحاد السوفييتي، وكذبت على الرئيس حول القدرات السوفييتية.
كما يتضمن الكتاب فصلاً عن شهادة غودمان بشأن روبرت غيتس الذي رشح لمنصب مدير وكالة المخابرات المركزية من قبل الرئيس جورج بوش الأب في عام 1991. ويشير غودمان إلى تكلفة الكشف عن الفساد «لا توجد حماية للمبلغين عن المخالفات في مجتمع الاستخبارات، ويواجه ضباط الاستخبارات فقداناً محتملاً للتصريح الأمني ​​من أجل الذهاب إلى الجمهور فيما يتعلق بالإساءات». وبالنسبة إلى العاملين في وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي، فقدان التصريح الأمني ​​يعادل إطلاق النار.

 

جهود أوباما

يتحدث الكاتب عن جهود أوباما في إضعاف دور المفتش العام في ساحة الأمن القومي، إذ إنها عقّدت عمل إصلاح مجتمع الاستخبارات بشكل عام، وبشكل خاص عمل وكالة المخابرات المركزية. ويقول: «واحدة من الإصلاحات الأكثر أهمية في فترة فضيحة ووترغيت كان تمرير قانون المفتش العام في 1978، وبعد فضيحة إيران – كونترا، أخيراً أنشأ الكونغرس منصب مفتش عام قانوني لأجل «سي آي إيه». أضعف أوباما بوعي وإدراك دور هذه المراقبات الداخلية والتي تعني أنها أصبحت أكثر صعوبة في ضمان تلاحم وكفاءة العمليات الحكومية. وتأكدت هيلاري كلينتون أنه لم يكن هناك مفتش عام بشكل ثابت خلال إدارة وزارة الخارجية من 2009 إلى 2012، كما تأكد الرئيس أوباما أنه ما من مفتش عام بشكل ثابت في وكالة المخابرات المركزية خلال معظم فترة ولايتيه الرئاسيتين».
ويضيف الكاتب: «هناك مشكلة أساسية في التعامل مع أي وكالة استخباراتية في ظل الديمقراطية. فقانون الأمن القومي لعام 1947 الذي أسس وكالة المخابرات المركزية كان ببساطة غامضاً جداً في تحديد أهداف ومهمات الوكالة، وتأسست كل من وكالة الأمن القومي ومكتب الاستطلاع الوطني في جو من السرية، ما كان أمراً خاطئاً، وأعطيت وكالة المخابرات المركزية الكثير من القوة والنفوذ، مع القليل جداً من المعايير والقيود المتعلقة بما إذا كانت عمليات أو جمع معلومات».
ويرى أن هناك مشكلة واضحة في الذهنية المهيمنة على البيت الأبيض فيما يتعلق بأي آراء توحي بعلامات احتجاج داخلي، إذ يتم اعتبار الأمر تهديداً على الأمن القومي. وهذا قاد إلى انتهاكات في فترة حرب فيتنام في الستينات والسبعينات وإلى عسكرة المجتمع الأمريكي منذ 11 سبتمبر 2001. مضيفاً: «وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي تفادتا العديد من حالات المنع الداخلية المفروضة على جمع المعلومات من خلال إجراء ارتباطات غير قانونية مع وكالة استخباراتية أجنبية مثل مكتب الاتصالات الحكومية البريطانية. تعاون كل من البيت الأبيض و«سي آي إيه» في العقد الماضي لإضعاف المراقبة الداخلية من خلال تجاهل مكتب المفتش العام». ويوضح أنه كنتيجة لذلك، من الصعب التحكم أو حتى معاينة عمل الوكالات السرية، وخلال السنوات الستين الماضية، أساء الرؤساء الأمريكيون استخدامها. كما أن غياب المراقبة يجعل من الصعب فرض قيود على سوء استخدام القوة الحكومية، خاصة تلك القوى التي تهدّد المواطنين، من دون المعلومات التي يقدمها المبلغون عن المخالفات الأمنية. قائلاً: «إن عمل وكالة المخابرات المركزية وانتهاجها السرية مع اللجان المسؤولة عن مراقبة الوكالة نفسها عمل معادٍ للديمقراطية»، مضيفاً: «المبلغون عن المخالفات المخابراتية يتحدون السرية والأكاذيب التي تحتضن الجهل في الولايات المتحدة. والإفراط في السرية يحدد النقاشات حول السياسة الخارجية ويجرّد المواطنين من المعلومات المطلوبة للمشاركة في إبداء آرائهم في قضايا أساسية متعلقة بالحياة والموت، هناك حاجة إلى ثقافة الانفتاح والاحترام لأجل خلق توازن في القوى لتغيير اتجاه الضرر الذي تسببت به الاستجابة الكارثية لإدارة بوش لأحداث 11 سبتمبر 2001».

 

دعوة إلى الإصلاح

من المحتمل أن أوباما نفسه ندم لأنه لم يفعل المزيد لأجل دعم المبلغين عن المخالفات داخل الجهاز الاستخباراتي بحسب ما يرى الكاتب، مشيراً إلى أنه «خلال شهوره الأخيرة من ولايته الثانية، كشف النقاب عن وثائق رسمية تقرّ أن «سي آي إيه» كانت تعرف أن الديكتاتور التشيلي السابق أوغستو بينوشيه قد أمر شخصياً بإعدام معارض بارز في حي السفارات بواشنطن، وأن الولايات المتحدة لعبت دوراً في «الحرب القذرة» التي شنتها حكومة الأرجنتين ضد مواطنيها في سنوات السبعينات والثمانينات. ولقي الرئيس أوباما الثناء لمحاولته الفوز بأصدقاء من أمريكا الجنوبية من خلال الكشف عن الأعمال الشريرة الماضية، أفضّل أن أقول إن الرئيس أوباما أدرك أهمية التبليغ عن المخالفات التي تجري داخل سلك الاستخبارات».
يقدّم غودمان في هذا العمل الصادر، باللغة الإنجليزية في 300 صفحة، عن دار «سيتي لايتس بابليشرز»، عرضاً نادراً عن الأعمال الداخلية لمجتمع الاستخبارات الأمريكي، والفساد والترهيب والتضليل الذي يؤدي إلى تدخلات أجنبية كارثية.
والكتاب يتمتع بأهمية كبيرة تاريخية داخل واحدة من الوكالات الاستخباراتية الأكثر سرية وتأثيراً لحكومات الولايات المتحدة، وهو بشكل فعلي دعوة إيقاظ كبرى لضرورة إصلاح ممارساتها، حتى أنه نفسه يقول في خاتمة العمل: «أِشعر بالندم لأنني لم أفعل المزيد في عام 1991 لأجل الدفاع عن احتجاجاتي وتوضيحها، تمنيت لو أنني مضيت أبعد من ذلك في التبليغ عن المخالفات الأمنية، أنا معجب بإدوارد سنودن لمخاطرته بكل شيء للكشف عن أضخم عملية تجسس غير دستورية على المواطنين الأمريكيين، وكذلك معجب بتوماس دريك للتبليغ عن المراقبة غير القانونية»، قائلاً في النهاية: «طالما أن القيادات الاستخباراتية مستمرة في الكذب والتضليل بشأن الأعمال غير القانونية التي تنتهجها، ستبقى الوكالة عدواً للديمقراطية وسوف أستمر في شق طريقي بالمعارضة».
يأتي الكتاب بعد مقدمة بعنوان: «الطريق إلى المعارضة» في عشر أقسام هي: 1) الانضمام إلى وكالة المخابرات المركزية. 2) متعة الاستخبارات. 3) مغادرة وكالة المخابرات المركزية. 4) هبوط في رقعة بريار. 5) الصراع مع لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ. 6) المعايير المزدوجة والمعاملة المزدوجة لوكالة المخابرات المركزية. 7) مديرو وكالة المخابرات المركزية والمعارضة. 8) غودمان ضد غيتس. 9) الصحافة والمبلغون. 10) الاستنتاجات: الحفاظ على طريق المعارضة.

نبذة عن الكاتب:

 

بدأت مهنة غودمان في المخابرات في الجيش الأمريكي؛ حيث كان يعمل كاتب شيفرات سرية. ثم عمل كمحلل في وكالة المخابرات المركزية، من 1966 إلى 1974. وفي عام 1974 انتقل إلى مكتب الاستخبارات والبحوث؛ حيث أمضى عامين كبيراً للمحللين. وعاد إلى وكالة الاستخبارات المركزية في عام 1976، ليعمل رئيس شعبة وكبير المحللين في مكتب الشؤون السوفييتية حتى مغادرته في عام 1986. كما عمل مستشاراً للاستخبارات في محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية. وحاضر في كلية الحرب الوطنية كأستاذ للأمن الدولي، من 1986 حتى 2004.
يعمل حالياً أستاذاً مساعداً في جامعة جونز هوبكنز، وزميلاً أول في مركز السياسة الدولية. ظهرت كتابات غودمان في صحيفة «نيويورك تايمز»، و«واشنطن بوست»، و«هاربر»، وغيرها من المنشورات الصحفية. وهو مؤلف لستة كتب عن المخابرات الأمريكية والأمن الدولي.

 إعداد وترجمة: نضال إبراهيم

من واشنطن إلى موسكو.. علاقات الطرفين وقصة انهيار الاتحاد السوفييتي

من واشنطن إلى موسكو.. علاقات الطرفين وقصة انهيار الاتحاد السوفييتي

كان ذلك في أوج «اشتعال» الحرب «الباردة» كما كانوا يسمونها. «اندلعت» تلك المواجهة مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 وبلغت أكثر من ذروة لها مع سنوات عقد الخمسينات حيث كان كل من الخصمين الأميركي والروسي- السوفييتي يتربص بالآخر.

فيما كانت كل من الغريمتين: واشنطن وموسكو، تجهد من أجل أن تجتذب إلى معسكرها تلك المجموعة من الأقطار والشعوب التي حملت مع عقديْ الخمسينيات والستينيات من القرن الـ20، وصف شعوب «العالم الثالث»، وقد رفعت في تلك الأيام شعار «الحياد الإيجابي وعدم الانحياز».

هذه الحرب الباردة شهدت، أو عاشت، ثلاثة تواريخ مازالت مسجلة وحافلة بالدلالات في دفتر هذا الصراع السياسي- الأيديولوجي بين المعسكرين:

• التاريخ الأول في عام 1957 الذي شهد إطلاق الاتحاد السوفيتي أول قمر اصطناعي رائد في استكشاف، أو غزو الفضاء الخارجي. وكانت تلك «ضربة معلّم»، كما نَصِفها، لصالح القطب الروسي – السوفييتي.

• التاريخ الثاني في عام 1972 وقد شهد توقيع أول اتفاق للحد من الأسلحة الاستراتيجية في إطار ما كان يُعرف أيامها بأنه اتفاق ودّي بين الطرفين.

• التاريخ الثالث جاء بعد سابقه بعشرين عاماً أو أقل قليلاً. وكان تاريخاً مشهوداً بكل المقاييس: الفترة 1990- 1992، هي التي شهدت تصدّع ومن ثم تهاوي بل وزوال، الكيان السوفيتي من أساسه وبأكمله.

هذه التواريخ والأحداث والتطورات هي الموضوع الذي يعرض له الكتاب الذي نصاحبه في هذه السطور. وقد كتبه دبلوماسي أميركي محترف وخبير بالشؤون السوفيتية التي ظل متخصصاً فيها إضافة إلى تخصصه في شؤون منطقة البلقان. وكما دام هذا التخصص نحواً من 27 سنة وهو ما يضفي على كتابنا قدراً لا ينكر من الأهمية والمصداقية.

المؤلف هو الدبلوماسي الأميركي المتقاعد لويس سلْ، والذي أصدر كتابه تحت العنوان التالي: العلاقات الأميركية – السوفييتية وانهيار الاتحاد السوفيتي.

ولن يفوت القارئ للوهلة الأولى، أن يلاحظ ما احتوته صورة الغلاف التي يظهر فيها الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ومعه الرئيس السوفييتي – الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشوف.

بل لا تزال الذاكرة المعاصرة تستعيد الجملة التي رددها أيامها ريغان مناشداً غورباتشوف. وكان الحديث بصدد سور برلين الذي كان يقسم العاصمة الألمانية إلى: شرق شيوعي تابع لموسكو وغرب هو ألمانيا الاتحادية الموالية للحلف الأورو- أميركي. يومها ارتفعت عقيرة ريغان قائلاً: مستر غورباتشوف.. حطّم هذا السور.

والحاصل أن تم تحطيم السور في صيف عام 1989. وكان ذلك إرهاصاً، بل إيذاناً بانهيار الكيان الذي ظل يحمل اسم الاتحاد السوفييتي على مدار 74 سنة من عمر القرن العشرين.

وكان من حظ مؤلف الكتاب أن يشهد من داخل موسكو وقائع هذا التحول، بل هذا الانهيار ومن ثم الزوال للكيان السوفييتي. بيد أن الكتاب تزداد قيمته من واقع ما دوّنه المؤلف من ملاحظات ظل يرصد من خلالها تطور الكيان الشيوعي المذكور، وقد دبت في أوصاله عوامل الوهن والارتباك وصولاً إلى النهاية، وهي عوامل ظلت تنخر في الجسد السوفيتي على مدار عشرين عاماً أو نحوها، يعني بدءا من حقبة ليونيد بريجنيف في عقد السبعينيات من القرن الـ20،.

وهي الحقبة التي عانى فيها الكيان السوفييتي ضروب الوهن السياسي والجمود الأيديولوﭽﻲ وتمسُّك قيادات الحزب والدولة في موسكو بمناصبهم، رغم التقدم في السن، فضلاً عن تحوّل الحزب من آلية للفكر الثوري والدفع الشبابي إلى حيث أصبح بدوره يعاني شيخوخة فكرية وعقائدية ومن ثم حركية في مرحلة كانت تشهد العالم الخارجي – أوروبا وأميركا فضلاً عن اليابان بل والصين – وهو يعبر من مرحلة الاتصالات الفضائية إلى مرحلة تكنولوجيا الحاسوب الإلكتروني، مروراً.

كما هو معروف- بالحركات الثورية للشباب، في فرنسا وغيرها مع أواخر ستينيات القرن الـ20، المطالبة بالتغيير في النظم والأفكار والمعتقدات السياسية. هنا يتوقف المؤلف عند عام 1993 والذي شهد إعلان القيادة الجديدة في موسكو أن الاتحاد- الروسي (الاسم الجديد بعد السوفيتي طبعاً) لا يرى أن هناك أي دولة معادية له. ويومها بدت روسيا الجديدة وكأنها على أعتاب مرحلة تحول إلى الديمقراطية.

بل يلاحظ المؤلف كيف أن الحرب الباردة قد لقيت نهاية مفاجئة وربما لم يحسب حسابها أحد. وكانت نهاية تنطوي على قدر لا ينكر من المهانة لروسيا ولدرجة أن عجز الغرب، في تصور المؤلف بقدر ما عجزت روسيا التسعينيات ذاتها عن التماس السبيل الذي يحفظ على الكيان الروسي المستجد كرامته أو كبرياءه، خاصة في ظل رئاسة يلتسين التي افتقدت.

كما ألمحنا إلى قدرة الحفاظ على ما تبقّى من كرامة موسكو.. وكان أن فشلت معظم هذه الشخصيات في الارتفاع إلى مستوى طموحات الشعب الروسي على مدار العقد الأخير من القرن الماضي، فيما نلاحظ في هذا السياق أن المؤلف استطاع أن يوثّق الآراء والملاحظات التي أبداها من خلال ما أمكنه الاطلاع عليه، بحكم موقعه الدبلوماسي في موسكو من ملفات أرشيف المحفوظات الروسية، لا سيما وأن تلك الفترة من التذبذب وعدم اليقين، التي أعقبت انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي.

فضلاً عما اتسمت به الفترة المذكورة من حالات التخبط بل والفشل في إدارة روسيا الاتحادية، هي نفسها التي فرضت ضرورة اللجوء إلى قيادة أكثر حزماً وربما أكثر كفاءة وأعمق وعياً بأبعاد المشهد الدولي.. وهذه القيادة تجسدت مع مطلع القرن الجديد في شخصية اسمها: فلاديمير بوتين.

 

الفشل في مكافحة الجريمة المنظمة

الفشل في مكافحة الجريمة المنظمة

 

لا تزال الرموز الشعبية للجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، تمثل شخصيات من عهد الكساد الكبير، مثل آل كابوني، ولاكي لوتشيانو، وماير لانسكي، الذين يعتقد أنهم رؤساء لمافيات عملاقة هرمية التنظيم. يحاول مايكل وودويس في هذا العمل الكشف عن حقيقة مثيرة للقلق متعلقة بالجريمة المنظمة، وهي تواطؤ وتورط المسؤولين الحكوميين والمؤسسات في الولايات المتحدة على نطاق واسع وعميق مع شبكات العصابات الإجرامية، خاصة في القطاع المالي والتجاري.
من خلال التعمق في محاولات تنفيذ سياسات مكافحة الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة وإيطاليا والمملكة المتحدة، يكشف وودويس في هذا الكتاب الصادر حديثاً في 272 صفحة من القطع المتوسط عن دار «بلوتو برس» باللغة الإنجليزية، عن مظاهر غير معروفة من الجريمة المنظمة بين المؤسسات السياسية والشركات. ويوسّع نطاق مناقشته إلى الوقت الحاضر من خلال دراسة أولئك الذين بنوا الأسطورة، ومن ثم استفادوا من صنعها. ومن بين هؤلاء الديكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني، والسياسيون والمسؤولون الأمريكيون الانتهازيون، ومؤخراً أكثر، البيروقراطيات المكلفة بتطبيق القانون، بقيادة مكتب التحقيقات الفيدرالي.

 
التستر على الفشل
يشير الكاتب إلى أن سياسات مكافحة الجريمة المنظمة تميل الآن إلى إضفاء الشرعية على القمع والتستر على الفشل، مؤكداً أن المسؤولين الأمريكيين يقومون بجهد يكاد لا يذكر لمكافحة الجريمة المنظمة. وفي الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة تصدير نموذجها الخاص بمكافحة الجريمة المنظمة إلى بقية العالم، تتسع وتتوالد فرص النشاط الإجرامي الناجح على المستويات المحلية والوطنية والعالمية، مما يجعل الملاحقات القضائية الناجحة غير مرتبطة بالموضوع.
يقول في تمهيده: «الجريمة المنظمة وامتدادها الأحدث (الجريمة المنظمة العابرة للحدود)، تركيبات سياسية واجتماعية صنعت في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه التركيبات ساعدت عدداً من الأفراد على تحقيق التقدم المهني في الإعلام، والسياسة، والأعمال، والبيروقراطيات، لكنها لم تساعد على فهم أو مكافحة نشاط الجريمة المنظمة».
ويحاول عبر عمله هذا أن يتحدى العديد من الافتراضات الأصلية التي لم تجد من يتحداها تقريباً فيما يتعلق بماضي «الجريمة المنظمة». هذه الافتراضات التي تنبثق من هؤلاء الأفراد الذين يتخفون وراء إجماع عالمي حول الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي من شأنها أن تساعد على استدامة مستويات غير محدودة تقريباً من الفرصة الإجرامية.
بدايات المافيا في أمريكا
يجد وودويس أن أكثر الكتّاب يبدؤون بكتابة تواريخهم عن الجريمة المنظمة في أمريكا من نهاية القرن التاسع عشر، عندما هاجر إليها مئات الآلاف من الإيطاليين، حيث جلبوا معهم مجتمعات سرية، أبرزها المافيا. في عهد حظر الكحوليات في الولايات المتحدة من 1920 إلى 1933، كما تقول القصة، أصبحت المافيا -التي كان يعتقد أنها الجريمة المنظمة – أكثر مركزية، وسيطرت على تلك النشاطات التي كانت من فترة الحرب الباردة وما بعدها، إذ كانت مرتبطة على نحو أكثر مع البنية: القمار غير القانوني، تهريب المخدرات، والابتزاز، مشيراً إلى أن رواة القصص بدؤوا في نقل فكرة أن الجريمة المنظمة كانت تهديداً على الأمن القومي، ما تطلب استجابة من الأمن القومي لصدها، متضمنة: قوانين صارمة، الإنفاذ الحاسم للقانون، وإجراءات العدالة الجنائية.
وتستمر الرواية قائلة إنه منذ سنوات السبعينات – يقول الكاتب – استخدمت الحكومة الممثلة في مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، وإدارة مكافحة المخدرات سلطات جديدة في مكافحة الجريمة المنظمة بشكل مؤثّر وكسرت القبضة المزعومة للمافيا. لكنهم أضافوا تحذيرات لهذا النجاح. وأزيح هذا النجاح بظهور ما أشارت الحكومة إليه بأنه «مجموعات الجريمة الناشئة»، بشكل رئيسي من أصول أجنبية، لكن من بينهم من نشأ في الداخل الأمريكي، وعصابات الدرّاجين البيض، مثل هيل آنجلس.
ومن نهاية الحرب الباردة – يستمر وودويس في حديثه – ردّد كتّاب «الجريمة الحقيقية» رواية جديدة، مستندة أساساً على مصادر من داخل الحكومة الأمريكية. بحسب اعتقادهم، كانت العولمة نقطة تحوّل تركت عدداً من المنظمات المركزية الهرمية فائقة الإجرام تنضم إلى المافيا وتقوم بالتحكم بتهريب المخدرات، والنشاطات غير الشرعية الأخرى العابرة للحدود. وجهة النظر هذه بقية سائدة حتى حلت محلها وجهة نظر أخرى أكدت على تعدد الشبكات الإجرامية.
ويعكس كتاب صادر في 2007 للمؤلفة ميشا جليني وجهة النظر السائدة الحالية. كما وُضّحت أيضاً من مسؤولين في الحكومة الأمريكية مثل ويليام إف. ويكسلر نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون مكافحة المخدرات والتهديدات العالمية، الذي أشار إلى أن بنية المجموعات الإجرامية قد تغيرت.
ويرى الكاتب أنه كان هناك القليل من التركيز على مشكلة «الجريمة المنظمة» الداخلية المستمرة في أمريكا منذ نهاية الثمانينات. وتزامن هذا مع حافز شديد لتصدير استراتيجيات مكافحة الجريمة المنظمة على الطريقة الأمريكية عبر الضغوط البيروقراطية والدبلوماسية. فالعديد من الدول لديها الآن أكاديميات على نمط مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» لأجل التدريب في تقنيات مكافحة الجريمة المنظمة، كما أن دولاً أخرى لديها الآن نسخ عن «إف بي آي» نفسها. المملكة المتحدة، على سبيل المثال، كشفت عن «إف بي آي البريطانية» التي كان عمرها 15 عاماً في 2013. لكن نادراً ما يمكن تحدي تقنيات مكافحة الجريمة المنظمة على الطريقة الأمريكية. إلا أن الكاتب يحاول على عكس هذه الروايات التاريخية أن يروي قصة مختلفة من شأنها أن تساعد على توضيح مأسسة اتجاهات مكافحة كراهية الأجانب وجرائم الاستبداد، وذلك قبل فترة طويلة من تسلم دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
أدبيات الجريمة المنظمة
يأتي مضمون العمل في أربعة أجزاء عناوينها كالتالي: الأول: التخلص من النفايات: بناء فهم مقبول «للجريمة المنظمة»، الثاني: الكذب الدائر عن المجرمين: بناء «تاريخ» مقبول للجريمة المنظمة، الثالث: التستر على الفشل: بناء استجابة مقبولة على «الجريمة المنظمة»، والرابع: الفشل في البيع: وضع جدول الأعمال العالمي بشأن المخدرات والجريمة المنظمة وغسل الأموال.
ويحتوي كل جزء على مجموعة فصول، نبدأ بالجزء الأول الذي يحتوي على مقدمة يشير فيها الكاتب إلى أن كل مناطق تاريخ الجريمة المنظمة الأمريكية لم تكن معروفة وغير معترف بها من قبل الأمريكيين في أوائل القرن العشرين. وأن جرائم الاحتيال والعنف الممنهج ضد الأمريكيين الأفارقة والأصليين إما تم تبريرها كنتيجة قانون عنصري «فوقي» أو تم نسيانها مع بدايات القرن العشرين. وأن المعلقين والأكاديميين الذين فعلوا الكثير لتطوير الأدبيات عن الجريمة المنظمة، لم يعتبروا، على سبيل المثال، النشاط الإجرامي المنظم الموجّه ضد الأمريكيين الأصليين والأمريكيين الأفارقة كجريمة ناهيك عن الجريمة المنظمة، ف«المشكلة الهندية» و«مشكلة الزنوج» لم تكونا بالنسبة لهم جزءاً من مشكلة «الجريمة المنظمة».
وتتكون المقدمة من فصلين هما: أولاً: صعود وسقوط فضح التجاوزات القانونية في الأعمال التجارية، والحملة الأخلاقية في أمريكا وصناعة الأسواق غير الشرعية. كما يحتوي هذا الجزء على ثمانية فصول هي: تشارلز ج. داويس وصياغة الرأي العام بشأن الجريمة المنظمة، آل كابوني عدو عام رقم واحد، آل كابوني وأعمال الجريمة، إضفاء الطابع الأمريكي على حرب موسوليني المزيفة ضد المافيا، الجريمة المنظمة في دولة فاشية، التحقيق في الجريمة المنظمة والدعاية، توماس إي.ديوي وأكبر العصابات في أمريكا، من ضباط يكافحون الجريمة المنظمة إلى شركة للقتل.
ويتضمن الجزء الثاني أربعة فصول هي: تشكّل أسطورة «مؤتمر» أتلانتيك سيتي، دعم أسطورة «المؤتمر»، التطهير الذي لم يكن..، تاريخ الحكومة الأمريكية للجريمة المنظمة، ويتبعه ملحق بعنوان «لوتشيانو والحياة في المنفى».
تجاهل الحقائق
يتعمق الكاتب أكثر في الفصل الثالث حول خطورة التورط في الجريمة المنظمة بأسلوبها الحديث، والذي يؤثر على المجتمع بشكل مباشر. ويتميز بفصوله الكثيرة، إذ يأتي في 14 فصلاً: أساطير المافيا والاستجابة الاتحادية، الرئيس ريتشارد نيكسون ومكافحة الجريمة المنظمة، تحدي الاستقامة، استدامة وتحديث أساطير المافيا، من الحكومة العليا إلى الحكومات العليا: المراجعة التعددية للجريمة المنظمة، أصول نظام مكافحة غسل الأموال، المخبرون الكذابون والمذعورون، الاستيلاء على الأصول لتمويل حرب الجريمة، حظر المخدرات وظاهرة عصابات السجن، جرائم الأعمال المنظمة: حقائق خطيرة يتم تجاهلها، إلغاء القيود التنظيمية وظهور احتيال الشركات، الاحتيال والانهيار المالي، إخفاء فشل مكافحة الجريمة المنظمة، القمع كمكافحة للجريمة المنظمة.
يرى الكاتب أن الجهود الوطنية والدولية في الولايات المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة قد فشلت، وستستمر بالفشل طالما أن السياسيين الانتهازيين والبيروقراطيين المحترفين في الولايات المتحدة وغيرها اختاروا اتباع طريق غير قويم، وهذا الطريق يتكون من الإفراط في مراقبة الفقراء وتطبيق القوانين عليهم، وإهمال الأغنياء والميسورين وعدم إخضاعهم للقوانين بشكل فعلي. والحبس الجماعي في العقود الأخيرة ضاعف من أعداد الشبكات الإجرامية التي على الأرجح تكون جاهزة، ومتلهفة، وقادرة على اللجوء إلى العنف لكي تدير أعمال الابتزاز التي تقوم بها وتمنع من تعرضها للانكشاف. كما أن رفع القيود في العقود الأخيرة كان عاملاً أساسياً مساهماً في الانهيار المالي الذي حدث في 2007 / 2008، لأن ذلك سمح كثيراً لنشاط الجريمة المنظمة بالانتعاش من دون عقاب وبالتالي من دون كشف.
تبسيط الاستجابة
أما الجزء الرابع والأخير فيضم ستة فصول هي: فقدان جريمة الشركات من الجريمة العابرة للحدود، بناء القدرات، أمركة النظام البريطاني لمكافحة المخدرات، تبسيط الاستجابة الدولية للمخدرات و«الجريمة المنظمة»، القمع والأرباح والقتل: الولايات المتحدة في كولومبيا والمكسيك، التحالف الأطلسي كمغسلة للمال.
ويشير الكاتب في ختام عمله إلى أنه عند تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة كانت كلماته وكلمات المسؤولين في إدارته تشير إلى نهج على غرار الرئيسين السابقين نيكسون وريجان في اتباع «نهج قاس ضد الجريمة»، و«ضبط المحتكرين»، بينما غضوا الطرف عن تزايد فرص الجرائم المالية والتجارية المنظمة.
ويضيف أيضاً أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تبقى القوة العالمية المهيمنة، إيديولوجياً وعسكرياً واقتصادياً، خلال عهد ترامب، وأنه من غير المحتمل أن يتغير فهم الجريمة المنظمة ومكافحتها. والنخب الحاكمة في أغلب البلدان الأخرى، من بينها روسيا والصين، يمكن أن تشهد جذباً إلى سياسات مكافحة الجريمة المنظمة بالاستناد على النموذج الأمريكي. ومثل موسوليني وأنصاره الأمريكيين في سنوات العشرينات والثلاثينات، يعرف الاستبداديون أن قمع الجريمة المنظمة هو سياسة مألوفة للدولة. كما أنهم يعرفون تحديد واختيار المجرمين المنظمين. موضحاً كلامه أكثر: «بين 1929 و1931 اضطلعت لجنة ويكرشام في الولايات المتحدة بالتحقيق الموضوعي والعلمي الأول والأخير المدعوم حكومياً في مشكلة الجريمة المنظمة. وكان من أهم توصياتها «إجراء تحقيق فوري وشامل وعلمي في الجريمة المنظمة في أرجاء الدولة، وذلك بهدف تطوير خطة ذكية لأجل مكافحتها». لكن من المحزن – يقول الكاتب- أنه لم يجرَ أي تحقيق، وسيطر السياسيون والبيروقراطيون والإعلاميون بشكل متناوب على مفهوم الجريمة المنظمة.
ويختم بالقول: الميول الاستبدادية والكراهية ضد الأجانب التي تميز رئاسة ترامب تشكل حافزاً لإجراء التحقيقات الوطنية والدولية التي ينبغي أن تنظر أولاً في الأحداث التي تدعى «الجريمة المنظمة». وهذه التحقيقات ربما تتيح تشكل خطة ذكية لمكافحتها ومنعها من الظهور. في الأثناء، لن تثمر جهود مكافحة الجريمة المنظمة في منع توالد شبكات العصابات الريادية، من بينها ما يتشكل في السجون، وتمتلك سلطة مطلقة في الجريمة المنظمة ضمن الأنظمة المالية والتجارية على وجه الخصوص.
نبذة عن الكاتب:
مايكل وودويس محاضر بارز في التاريخ في جامعة غرب إنجلترا.
وقد كتب على نطاق واسع عن الجريمة المنظمة على صعيد الشركات والدول، وله عدد من المؤلفات منها: «الجريمة المنظمة والسلطة الأمريكية» (مطبعة جامعة تورنتو، 2001)، و«رأسمالية العصابات: الولايات المتحدة والصعود العالمي للجريمة المنظمة» (دار كونستابل، 2005).

 

سلوكيات الفساد تطغى على المشهد الصيني

سلوكيات الفساد تطغى على المشهد الصيني

 

يكاد هذا الكتاب يشكل صيحة تحذير، لا بالنسبة للصين وحدها، ولكن بالنسبة لسائر الدول والكيانات السياسية التي تجتاز مراحل مفصلية من التحول من نظم وأساليب الحكم الشمولية إلى حيث تعتمد وتتبع نظماً تقوم على أساس الديمقراطية الليبرالية بكل ما تنطوي عليه من متطلبات الشفافية والمساءلة وإقرار حقوق القواعد الشعبية.

ويحفل الكتاب بحقائق مزودة بإحصاءات موثوقة لما يشوب المشهد الصيني في الوقت الراهن من آفة سلوكيات رأسمالية المحاسيب كما يصفها المؤلف، وهي ظاهرة سلبية بدأت بالذات مع إصلاحات الزعيم دينغ شياو بينغ التي خففت سطوة الدولة على كبرى المؤسسات الاقتصادية.

لم يكن الاغريق يعرفون أن لفظة كرونوس في لغتهم العريقة سوف تؤول في زماننا الراهن إلى أن تصدق على ظاهرة بالغة السلبية في عالم السياسة ودنيا الحكم وساحات الاقتصاد.

لقد اشتق منها عالمنا مصطلح كروني بمعنى طول الزمن، ومن ثم بمعنى الصديق القديم والصاحب الذي طال الأمد على مصاحبته وصداقته. ومن هذا المعنى جاء تعبير محاباة قدامى الأصدقاء والتحيز لمصالحهم، ولو كان ذلك للأسف على حساب مصالح الاخرين.

ثم تطوّر هذا المصطلح إلى حيث صاغوه في الانجليزية المحدَثة على أنه كروني كابيتاليزم. وحين جهدنا في نقله إلى عربيتنا الشريفة المعاصرة توصلنا إلى المصطلح الذي بات ذائعاً في الآفاق وهو: »رأسمالية المحاسيب«. وهذا هو العنوان الذي اختاره مؤلف الكتاب الذي نعايشه في ما يلي من سطور.

رأسمالية المحاسيب في الصين

الكتاب الصادر مؤخراً عن جامعة هارفارد بقلم البروفيسور الصيني الأصل مكسين بيي، أستاذ أصول الحكم في الجامعات الأميركية.

وعلى الرغم مما قد يعكسه الكتاب من موقف حاد تجاه المشهد الصيني الراهن، إلا أن نهج التحليل الانتقادي الذي يتبعه المؤلف، وهو في أصوله كما ألمحنا من أهل الصين ويجيد لغتها، مازال مفيداً في قراءة سلبيات هذا المشهد، الذي يكاد يقارب نظيره في روسيا الراهنة،.

فيما يمكن أن يفيد هذا العرض التحليلي في تنبيه كل الدول التي ما برحت تجتاز مراحل الانتقال وأطوار التحول من نظم ونظريات ومنظومات تجاوزها الزمن، وباتت تقتضي تطوراً في المسارات والتوجهات والأفكار على السواء.

ولأن رأسمالية المحاسيب تنصرف بداهة إلى سلوكيات مرفوضة تقوم على أساس محاباة المقرّبين وتمييز لحساب الصديق والقريب والمنافق على حساب جموع المواطنين من أصحاب الحقوق المشروعة، فإن المؤلف لا يتورع عن إضافة عنوان فرعي لهذا الكتاب في عبارة تقول: ديناميات اضمحلال النظام الحاكم.

تتمثل انطلاقة هذا الكتاب في اللحظة التي تولّى فيها دينغ شياو بينغ ثاني الزعماء التاريخيين للصين الشعبية مقاليد الحكم في البلد الأسيوي الكبير. كان ذلك بعد وفاة زعيمها رقم واحد وهو ماو تسي تونغ (1893- 1976). أعلن بينغ عن قراره باتباع نهج جديد يكاد يكون مغايراً لسلفه موضحاً أن تطبيق الاشتراكية في حكم الصين لن يلتزم حرفياً بالفكر الماركسي بل سيكون له خصائصه الصينية الأصيلة.

سلوكيات الفساد تطغى على المشهد الصيني2

 

سلبيات

لكن أحوال الصين بعد رحيل دينغ شياو بينغ، آلت إلى سلبيات تمثلت، برأي مؤلف كتابنا، إلى تزايد التوترات الاجتماعية وتفشي آفة الرشوة وتفاقم حالة اللامساواة بين فئات المجتمع وشيوع سلوكيات الفساد مما هيأ أكثر من فرصة سانحة للتكسب لحساب الفئات المحظوظة من الأصدقاء والأقرباء وطبعاً على حساب جموع المواطنين العاديين ولدرجة هيأت المناخ لنشوء طبقة جديدة من المليارديرات التايكونات الذين باتوا يتطلعون إلى أن يخدمهم في مساكنهم الفاخرة فئة السقاة على طريقة أرستقراطية الانجليز على نحو ما نشرته »نيويورك تايمز«.

ويذهب المؤلف أيضاً إلى أن هذه الظاهرة بدأت مع استهلال عقد التسعينات من القرن العشرين حيث بدأ تطبيق تعاليم دينغ في كسر احتكار الدولة وسيطرة الأخيرة الحاكمة على كل مقدرات البلاد.

وكان ذلك في جوهره النظري أمراً إيجابياً. لكن ما لبث أن تحوّل إلى النهج السلبي متمثلا كما يوضح مؤلفنا في تحويل المقدرات المؤسسات، المصالح الاقتصادية من سيطرة البيروقراطية الحكومية إلى حيث تخاطفتها أيادي ومصالح المسؤولين الحكوميين ودوائر البيزنس وبارونات الرأسمالية المستجدة.

وتم ذلك كما يضيف الكتاب أيضاً، بهدف مراكمة الثروات من خلال الاستيلاء بطرق ملتوية على الممتلكات التي كانت في السابق في حوزة الدولة الصينية وضمن ممتلكاتها العمومية، وخاصة في مجالات الأراضي المشاع والموارد الطبيعية والأصول التي كانت تضمها المشاريع التي كانت خاضعة لإدارة الدولة.

تورطوقبل أن يشهر القارئ أو المحلل سيف الانتقاد أو التشكك في نوايا المؤلف، فإن البروفيسور منكسين يبادر على طول الصفحات إلى تجميع ما يزيد على 200 حالة فساد تورّط فيها العديد من مسؤولي الحكومة، بل ومسؤولي إنفاذ القوانين، فضلا عن العديد من رجال الأعمال وأعضاء تشكيلات الجريمة المنظمة.

وفي خضّم هذا الخليط من فساد الذمم وانتهازية السلوك وخلل المعاملات، تجلت ظاهرة رأسمالية المحاسيب بكل تداعياتها السلبية على الدولة والحزب الحاكم والمجتمع الصيني بشكل عام.

ظاهرة سلبية

ثم يعلق المؤلف على هذه الظاهرة السلبية موضحاً أن المسألة ليست مقتصرة على مجرد السلوك غير القويم، ولا حتى على الخلل في توزيع المغانم أو المزايا:

لكن الخطأ الأفدح بنظره، مازال متمثلا في أن استمرار هذه الظاهرة من شأنه أن يجعل من أي محاولة جادة ومخلصة للتحول نحو الديمقراطية أو الحكم الرشيد سوف تصادف صعوبات كأداء، وهي صعوبات يراها المؤلف كامنة تحت سطح الصورة الايجابية التي تتسم بها أحوال الصين الدولة والحزب والنظام في الوقت الراهن.

ثم إن المشكلة لا تقتصر في رأي مؤلفنا على المستويات القيادية العليا في الحزب الشيوعي الحاكم أو في بيروقراطية الدولة الصينية: لقد زادت المشكلة حدّة من واقع امتداد فساد رأسمالية المحاسيب إلى حيث باتت تشمل مستويات شتى، بعيداً عن مستوى القمة أو القيادات العليا، وإلى حيث وصلت إلى المستويات القاعدية التي تضم مسؤولين من المستوى المتوسط وأحياناً المستويات الدنيا.

وكله يتم بالطبع على حساب مصالح أوسع قواعد الجماهير من أصحاب المصلحة الأصليين في إدارة الشأن العام.

المؤلف

البروفيسور منكسين بيي أستاذ وخبير متخصص في دراسة النظام وإدارة شؤون الحكم في جمهورية الصين الشعبية وفي علاقات الولايات المتحدة مع الصين، إضافة إلى قضايا التحول الديمقراطي في الأقطار النامية على وجه الخصوص.

وقد نال درجة الليسانس باللغة الانجليزية من جامعة الدراسات الدولية في شنغهاي، وبعدها نال درجتي الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد بالولايات المتحدة.

ويُعد المؤلف مرجعاً في قضايا التحولات السياسية والاقتصادية التي ما برحت تطرأ على المشهد العام في جمهورية الصين الشعبية.

الأحزاب المحافظة وولادة الديمقراطية

الأحزاب المحافظة وولادة الديمقراطية

 

كيف تتشكل الديمقراطيات وما الذي يجعلها تموت؟ في كتابه الجديد هذا يعيد دانيال زيبلات النظر في هذا السؤال الكلاسيكي، من خلال سرد تاريخي يتتبع فيه تطور الديمقراطية السياسية الحديثة في أوروبا منذ بداياتها المتواضعة في بريطانيا في سنوات 1830 إلى استيلاء هتلر في عام 1933 على السلطة في جمهورية فايمر ألمانيا، ودور الأحزاب المحافظة، خاصة في بريطانيا وألمانيا، في ترسيخها لخدمة مصالحها، كما يقدم الكتاب تحليلات وآراء تساعدنا في فهم التطور الديمقراطي الراهن، وكيفية إزاحة الأنظمة الاستبدادية في كل مكان بالعالم.
بالاستناد إلى الأدلة التاريخية النوعية، يقدم زيبلات إعادة تفسير مهمة للتاريخ الأوروبي، ومسألة كيفية تحقيق الديمقراطية السياسية المستقرة في عدد من البلدان، إذ يجد أن الحواجز التي تعترض سبيل الحكم السياسي الشامل، لم يتم التغلب عليها بشكل حتمي عبر حالات المد والجزر التي لا يمكن وقفها جراء التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وهو انتصار بسيط يُحسب للطبقة الوسطى المتنامية، أو حتى من خلال العمل الجماعي للطبقة العاملة. ويشير إلى أن مصير الديمقراطية السياسية كان يتوقف بشكل مفاجئ على كيفية قيام الأحزاب السياسية المحافظة، المدافعين التاريخيين عن السلطة والثروة والامتيازات، بإعادة تشكيل نفسها والتعامل مع صعود اليمين الراديكالي.
ولادة الديمقراطية
يرى الكاتب أن السنوات من 1848 إلى 1950 تمثل فترة حاسمة في تاريخ الديمقراطية، قائلاً «العالم السياسي صامويل هنتنجتون وصف القرن التاسع عشر الطويل بأنه يجسد موجة الديمقراطية الأولى، خاصة عندما بدأت كل من أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأمريكا الشمالية بالالتقاء على مجموعة مشتركة من المؤسسات الديمقراطية الحديثة، من بينها حق التصويت، والحريات المدنية»، ويضيف: «في حين أن مبدأ الديمقراطية السياسية نفسه يتطور باستمرار، فإنه خلال هذه الفترة ظهرت هذه المؤسسات التي شغلت اهتمامنا أولاً في العالم الحديث، في بعض الأحيان بالتزامن مع بعضها البعض، وفي أحيانٍ أخرى بشكل منفصل، لكنها دائماً ما تحول بنية الحكم السياسي. وعلى الرغم من حدوث صراع بسهولة على تواريخها الدقيقة وملامحها الأساسية، فإن التجارب والاتصالات المشتركة لهذا العصر، تؤهله بشكل حتمي ليكون عصراً محدداً ليس فقط بإرساء الديمقراطية، بل أيضاً بالحركات المضادة للمحافظين والمنظمة بشكل كبير».
ويرى زيبلات أنه اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر، قدمت البواخر، وأسلاك التلغراف عبر مياه المحيطات، والسكك الحديدية «خطوط القوة» الجديدة التي ربطت أوروبا، مع أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية في فضاء اقتصادي اجتماعي ملتحم إلى حد كبير. وضمن العالم الأطلسي، تقاطعت بشكل كبير طرق التجارة وخطوط الاتصالات الجديدة، ما دفع بمجموعة من المبادئ والأفكار السياسية التقدمية، من بينها صعود السياسة الاجتماعية الحديثة، والتشريعات الاقتصادية، وتخطيط المدن، وفرض النظام الضريبي المتقدم على الدخل، والديمقراطية، إلى جعل «المعابر الأطلسية» تعيد تشكيل السياسة المحلية على نحو عميق.
ويقول أيضاً «على العموم، هذه الفترة لم تكن محددة فقط بصعود الديمقراطية أحادية الجانب على نحو وحيد. لم يكن هناك من خط مستقيم، ولا موجة وحيدة من الديمقراطية بل بالأحرى كانت هناك موجتان؛ واحدة منها الديمقراطية، والثانية هي الاستبداد. هاتان الموجتان تتحركان في اتجاهين متعاكسين، وكثيراً ما تصطدمان. كما أن تعايش هذين الاتجاهين المتناقضين يجعل هذا العصر حقلاً غنياً للعلماء المعاصرين. وفي يومنا هذا، نجد أن العالم تعرّض لسلسلة من انفجارات الانفتاح الديمقراطي التي كانت سياسية ونشطة وعابرة للدول، لكنه أيضاً تعرّض إلى انحدار رجعي عادت فيه الأنظمة الاستبدادية إلى تأدية وظيفتها السابقة، وظهرت أشكال جديدة من القمع والاضطهاد، وتعرضت الجهود الرامية إلى إرساء الديمقراطية للهزيمة. العديد من الأنظمة السياسية اختبر حالات من الانفتاح والانكماش، وغالباً في فترة قصيرة».
ويضيف: «على سبيل المثال، بداية العقدين قبل 1848، انتشرت سلسلة متواضعة من الديمقراطية عبر العالم الكائن في شمالي الأطلسي. فالولايات الأمريكية حينها بدأت تخطو بهدوء في عملية إلغاء متطلبات الملكية لأجل التصويت للرجال البيض في أماكن مثل ماساتشوستس في 1821، في مواجهة معارضة شخصيات بارزة مثل جون آدامز ودانييل ويبستر، ومع ذلك فقد امتدت إلى كل الولايات تقريباً في سنوات 1850. في فرنسا، في صيف 1830، بعد قرارات شارل العاشر القاسية عمت الاحتجاجات والحواجز شوارع باريس، وأطيح به، وطالب الديمقراطيون الفرنسيون بإجراء انتخابات عامة. وفي بريطانيا، قانون الإصلاح في 1832 كان بشكل جزئي استجابة للفوضى الاجتماعية، في حين بدأت حركة تشارتيست الراديكالية في أواخر 1830 بالدفع إلى إجراء حق التصويت العام لجميع الرجال».
انعطافة في تاريخ الديمقراطية
يشير الكاتب إلى أنه في اضطراب عنيف آخر، لكن على نحو أكبر، سرعان ما ترددت أصداؤه عبر العالم الأطلسي، أثارته الفوضى الاقتصادية العالمية، إذ إن ثورات 1848 أنهت حكم الملك لويس فيليب، في فرنسا، ما دفع الأمر إلى إنهاء الأنظمة الاستبدادية لفترة قصيرة في قلب وجنوب أوروبا، وكان لذلك تأثير كبير في تعزيز الإصلاحات الأساسية في بلجيكا، والدول الإسكندنافية، وعبر الأطلسي، ما دفع إلى حالات تمرد في شمال شرقي البرازيل وتشيلي. لكن على العموم بعد آمال بإرساء الديمقراطية، سرعان ما بدأت في 1849 و1850 العديد من الأنظمة القمعية تعيد تشكيل نفسها، ونشأ عن ذلك ولادة استبداد عنيف استمر لعدة عقود.
في أواخر 1860 وأوائل 1870 وجدت انعطافة جديدة في تاريخ الديمقراطية عبر الأطلسي. وخاصة مع نشوب الحروب الأهلية التي قادت إلى بناء الدول – الأمم الحديثة، حيث أعاد السياسيون تشكيل مجتمعاتهم. أما في القرن العشرين، فيشير الكاتب إلى ظهور حركة جديدة قادت إلى تقييد الديمقراطية، إلّا أنه كان هناك إصلاحيون يمضون قدماً مع إصلاحاتهم الديمقراطية المحدودة في الأيام التي تسبق الحرب العالمية الأولى. على سبيل المثال، وصل الاقتراع العام إلى السويد في 1907 و1909، لكن برلمانها مع ذلك لم يكن بالقوة المطلوبة، وكذلك سلطة الفيتو لمجلس اللوردات البريطاني كانت ضعيفة في 1911، لكن كان الاقتراع العام لا يزال مقيداً، وفي الأرجنتين في 1912 سُمح حينها قانون بحق الاقتراع، لكن للرجال فقط.
ويشير إلى أنه مع انتهاء الحرب العالمية الأولى والانهيار المتزامن للإمبراطوريات العثمانية والروسية والألمانية، والنمساوية – المجرية، شهدت بلدانها بالكامل تقدماً هائلاً في الديمقراطية الجماعية. قبل 1918 كانت هناك ثلاث جمهوريات في أوروبا، لكن بعد الحرب أصبحت 13 جمهورية. وفي 1922 قال المراقب البريطاني المؤثر، جيمس برايس، إنه كان يشاهد «قبول الديمقراطية على المستوى العالمي كشكل الحكومة الطبيعي والنموذجي». لكن عندما ضربت الأزمة الاقتصادية العالم، وانحلت الديمقراطيات بشكل سريع، وأصبحت البرلمانات موضع سخرة وانتقاد لاذع من قبل اليمن واليسار بشكل كبير، سقطت الديمقراطيات، أولاً في بولندا، البرتغال، إيطاليا وإسبانيا، وبعد 1928، حتى في واحدة من أغنى دول العالم وهي، ألمانيا، وعبر الكرة الأرضية.
عالم مترابط
على الرغم من أن الديمقراطية كانت موضوع العصر، إلّا أن عصرنا هذا يجذب انتباهنا أكثر كما يذكر الكاتب، لأنه جاء بعد سلسلة من التوسعات والتقلصات السريعة التي حددت كل العصور الديمقراطية، من بينها الأمريكية. ويرى أنه مع تحول العالم إلى شكل أكثر ترابطاً في المجال الاقتصادي، لم تكن السياسة بمعزل عنها، بل أيضاً أصبحت متصلة. فتقلبات أسعار القمح في أسواق شيكاغو استطاعت أن تؤثر بشكل كبير على إقطاعيي شرق بوروسيا الأكثر ثراء، الذين كان لهم نفوذ في جمهورية فايمر، ألمانيا، واستهلاك الطبقة الوسطى في مناطق مثل تشيلي ورومانيا تضاهي الطبقة الوسطى في فرنسا وبريطانيا، ويقول عن ذلك «السياسة أيضاً أصبحت الآن أكثر ترابطاً وتشابكاً والقوى المزدوجة لإرساء الديمقراطية والمناهضة لها تسيران جنباً إلى جنب، ما يجعل هذه الفترة حاسمة، ليس فقط لفهم ولادة الديمقراطية الحديثة في أوروبا، بل أيضاً لتحليل محاولة استيعاب أسباب التطور الديمقراطي طويل المدى على نحو عام أكثر».
يركز الكاتب في عمله على التجربتين البريطانية والألمانية لإرساء الديمقراطية، حيث كانتا محور قصة عامة على نحو أكثر عن كيفية استقرار وثبات المسارات التي تقود إلى الديمقراطية المتحققة في أوروبا، ويقف عند كل بلد على حدة، وكيفية تطور الأحزاب المحافظة فيه، ويقارن بين التجربتين في القسم العاشر من العمل، مشيراً إلى أن «ألمانيا وبريطانيا نموذجان من الأنظمة التي أرست الديمقراطية في أوروبا، حيث النخب القديمة فيهما اندمجت مع نظام جديد بطرق مختلفة مع عواقب مهمة بشكل عميق. وعكس الحق الانتخابي الضعيف والممزق في البرتغال وإيطاليا التجربتين الألمانية والإسبانية قبل 1914 والديمقراطيات الناشئة كلها كانت هشة للغاية في سنوات ما بين الحربين العالميتين. وبالنسبة للدنمارك وبلجيكا وهولندا، فهي حالات كان فيها إما يتسلم وسط اليمين زمام السلطة، أو كان منافساً حيوياً خلال السنوات من 1920 إلى 1930، وهي تعكس التجربة البريطانية والسويدية. في الحالات اللاحقة، فإن أحفاد معارضي الديمقراطية من «النظام القديم» أصبحوا مشاركين متحمسين في العملية السياسية الديمقراطية. وبينما كانت فرنسا تلائم بشكل غير مريح بين هذين النمطين، فإن الطبيعة الضعيفة للسياسة المحافظة، أسهمت في تشكيل حالة متزعزعة من الديمقراطية في فرنسا أواخر 1930.
ونضيف على كلامه السابق، مما يقوله في خاتمته، إن التجارب التاريخية لألمانيا وبريطانيا توضح أن المعارضين السابقين للديمقراطية، وأصحاب الثروات والنفوذ، يمكن جعلهم يتعايشون مع الديمقراطية المستقرة، مؤكداً أن «قدرة نخب النظام القديم على تشكيل حزب سياسي محافظ قوي ونشيط يمثل مصالحهم في النظام الجديد، هو عامل أساسي في التطور الديمقراطي».
الكتاب صادر حديثاً ضمن سلسلة دراسات كامبريدج في السياسة المقارنة في 448 صفحة عن مطبعة جامعة كامبريدج باللغة الإنجليزية، ويأتي في 11 قسماً:
1 نمطان من إرساء الديمقراطية. 2 النظام القديم ومحنة المحافظين. 3 من 1688 إلى السياسة الجماهيرية: إرساء الديمقراطية البريطانية. 4 دورة فاضلة؟ قوة المحافظين وطريق بريطانيا المستقر 1884- 1906. 5 تجنب كارثة ديمقراطية في بريطانيا 1906- 1922. 6 السياسة المحافظة للأحزاب الضعيفة وحالة ألمانيا. 7 الديمقراطية المتوقفة في ألمانيا قبل 1914. 8 المسار غير المستقر: ضعف المحافظين في ألمانيا فايمر 1918- 1928. 9 الطوفان: ضعف المحافظين والانهيار الديمقراطي في ألمانيا. 10 كيف يتم إرساء الديمقراطية في الدول: أوروبا وما بعدها.11 الخاتمة. وتأتي ثلاثة ملاحق في الكتاب.
نبذة عن الكاتب
دانيال زيبلات، هو أستاذ الحكومة في جامعة هارفارد. وتشمل اهتماماته البحثية والتدريسية الديمقراطية، وبناء الدولة، والسياسة المقارنة، والاقتصاد السياسي التاريخي، مع اهتمام خاص بالتنمية السياسية الأوروبية. لزيبلات مؤلفات عديدة منها كتابه الأول «هيكلة الدولة: تشكيل إيطاليا وألمانيا ولغز الفيدرالية» (2006، مطبعة جامعة برينستون) الذي نال العديد من الجوائز من رابطة العلوم السياسية الأمريكية.

أمراء الحرب الأفارقة في زمن الديمقراطية

أمراء الحرب الأفارقة في زمن الديمقراطية

شكّلت الديمقراطية في عدد من الدول الإفريقية بعد الحرب آلية حاسمة لبناء السلام في المجتمعات المتناحرة من خلال حل الصراع عبر التوجّه إلى صناديق الاقتراع، إلا أن نتاجاً ثانوياً من التحالف حصل، وغالباً ما يتم تجاهله في الانتخابات، وهو أن القادة العسكريين السابقين غالباً ما يصبحون جزءاً لا يتجزأ من النظام الديمقراطي الجديد، ويستخدمون الموارد والشبكات التي ولدتها الحرب السابقة للسيطرة على المشهد السياسي الناشئ. يحاول هذا العمل الإجابة عن سؤال يتم التغاضي عنه وهو: ما مدى تأثير إشراك القادة السابقين في السياسة الانتخابية على الأمن ما بعد الحرب؟
قام بإعداد وتحرير هذا العمل أندرس ثيمنير، وهو باحث بارز في معهد شمال إفريقيا وأستاذ مساعد في دراسات السلام والنزاعات في إدارة أبحاث السلام والنزاعات بجامعة أوبسالا السويدية، إذ جمع مجموعة من الباحثين لمناقشة مدى تأثير إشراك القادة السابقين في السياسة الانتخابية على الأمن ما بعد الحرب، وما إذا كان من الممكن لأمراء الحرب السابقين أن يساهموا بشكل إيجابي في حماية ورعاية دوائرهم الانتخابية زمن الحرب لدعم بناء السلام والديمقراطية، أو ما إذا كانوا أكثر عرضة لاستخدام منصاتهم الانتخابية لرعاية العنف السياسي وإبقاء المجتمعات المتضررة من الحرب في حالة تعبئة عبر الخطابات العدوانية.
يحتوي الكتاب الصادر حديثاً ضمن سلسلة «إفريقيا الآن» عن دار «زيد بوكس» البريطانية باللغة الإنجليزية في 272 صفحة من القطع المتوسط، على مجموعة غنية من التفاصيل التجريبية الجديدة والرؤى النظرية، من خلال التركيز على بعض الشخصيات السياسية رفيعة المستوى في إفريقيا، كانوا عسكريين سابقين، ومن هذه الشخصيات: (أنتيباس مبوسا نيامويسي) من جمهورية الكونغو الديمقراطية، و(جواو برناردو فييرا) من جمهورية غينيا بيساو، ومن ليبيريا (سيكو كونيه وبرينس جونسون)، ومن موزمبيق (أفونسو دلاكاما)، ومن رواندا (بول كاغمي)، ومن سيراليون ( يوليوس مادا بيو، وألدريد كولينز، وصامويل هينجا نورمان)، ومن جنوب السودان (رياك مشار).
ويشير المحرر ثيمنير إلى أن «الهدف من هذا الكتاب ليس فقط تأسيس ما إذا كان العسكريون السابقون الذين يسعون إلى استلام زمام الحكم يروجون أو يقوضون الأمن، لكن أيضاً ليتتبع بشكل حثيث المسارات التي عبرها يقومون بذلك. نحن بالتالي نأمل أيضاً أن نقول شيئاً ما حول أي العوامل – على سبيل المثال: العوائق الانتخابية، القدرة على سوء التصرف، تكاليف إساءة السلوك وسمات الشخصية – تؤثر على خيارات العسكريين السابقين ليصبحوا إما أمراء السلام أو المحرضين على عدم الاستقرار. والهدف النهائي من هذا العمل كذلك هو القيام بمساهمة في أدب بناء السلام وديمقراطية ما بعد الحرب، إذ أنه حتى الآن تم التغاضي عن هذا الموضوع المهم الذي يمكن أن يقول الكثير عن الاستراتيجيات التي يمكن لصنّاع السلام توظيفها عند المواجهة مع أنواع مختلفة من الديمقراطيين أمراء الحرب».

الاستثمارات زمن الحرب

يذكر المحرر أندرس ثيمنير في مقدمة الكتاب بعنوان: «ديمقراطيون أمراء حرب: الاستثمارات زمن الحرب، عودة الديمقراطية؟» أن «استخدام مصطلح (Warlord Democrat
) التي تعني «ديمقراطي أمير أو سيد حرب» ينبثق من قرار واع بهدف الاستفزاز. إذ يثير من خلاله أسئلة فورية حول ما إذا أمكن للفرد أن يكون في الوقت ذاته ديمقراطياً وأمير حرب، ويتحدى الميول الطبيعية لتصنيف الفاعلين والممارسات في ثنائيات منمقة: الحرب / السلام – الديمقراطية / الأوتوقراطية – فاسد / عرضة للمساءلة. ويضيف: «على أية حال، في العديد من البلدان النامية بشكل عام، والمجتمعات الإفريقية ما بعد الحرب الأهلية بشكل خاص، تعيين صفات ونسبها للفاعلين السياسيين سرعان ما تصبح علاقة فوضوية. وهذا بشكل عام نتيجة ديناميات تشكيل النخبة المحلية». ويجد أنه: «بالنظر إلى التأثير السياسي للديمقراطيين أمراء الحرب، فمن المشكوك فيه ما إذا كنا نفهم حقاً ديناميات سياسات ما بعد الحرب ونقيّم قدرة الأنظمة «الديمقراطية» على تعزيز السلام والأمن من دون الإقرار بقوتهم كأفراد. وهذا صحيح بشكل خاص عند اعتبار القادة العسكريين السابقين هم من صنف الأفراد الذين يمتلكون قدرة كبيرة على دعم عدم الاستقرار وإضعاف قدرة الديمقراطية على أداء آلية حل الصراع»، ويرى أن نقص إيلاء الاهتمام بالديمقراطيين أمراء الحرب هو جزء من ثغرة بحثية أكبر غالباً ما تشوش دور ومسؤولية النخب الأفراد في دراسة الحرب والسلم، مضيفاً أن دمقرطة ما بعد الحرب ربما – على المدى القصير على الأقل – لديها ارتباط قليل مع بناء المؤسسات والأحزاب السياسية، بل يقع على عاتقها أكثر تحويل «أمراء الحرب» إلى «أمراء السلام».
ويتساءل أندرس ثيمنير: «ما الذي نراه عندما نبدأ في تحليل أفعال وخيارات الديمقراطيين أمراء الحرب وهم يناورون ضمن سياق السياسة الانتخابية؟ هل نرى القادة السابقين يحتضنون الأنماط الديمقراطية، ويمتنعون عن دعم العنف ويعملون كوكلاء للتغيير؟» ويضيف أنه «وفقاً لوجهة النظر هذه، يصبح السلام ممكناً فقط عندما يصل القادة العسكريون السابقون إلى خلاصة أن الحرب لم تعد لمصلحتهم أو لمصلحة حركتهم. وليس فقط هذا الإدراك يدفع قادة الحرب السابقين إلى القبول بالسلام، بل عليهم أيضاً أن يلزموا أنفسهم ببناء المؤسسات الديمقراطية وإجراء الانتخابات المنتظمة».

الديمقراطية الهشة

وعن العملية الديمقراطية ومدى تماسكها، يوضح ثيمنير أن ذهنية القادة السابقين لا تزال أسيرة الحرب في الوقت الذي لديهم حوافز لتعبئة الدعم لعملية السلام وإقناع مناصريهم لوضع حد للصراعات المستقبلية عبر صناديق الاقتراع. ويعلق على ذلك: «يتساءل العديد من المراقبين والباحثين، على العموم، على نحو متزايد عن الحكمة من استخدام الفاعلين والهياكل التي كانت موجودة زمن الحرب وجعلها كقاعدة لإرساء السلام والديمقراطية. ووفقاً لوجهة النظر هذه، فإن التماسك الديمقراطي من المرجح كثيراً أن يحدث عندما «تظهر قيادة جديدة، تسعى إلى تنظيم السياسة بطريقة مختلفة عن أولئك الذين تبنوها عبر القادة والأحزاب التي فقدت مصداقيتها في الماضي»، وإلا فإن هناك خطرا وشيكا من أن عمليات الدمقرطة تكون مغلقة قبل أوانها. وهذا يبدو أنه يشير إلى أن هؤلاء القادة السابقين يمكن رؤيتهم سياسيين ميكافيليين والذين لأسباب استراتيجية يحتضنون السمات الديمقراطية، وعندما تعطى لهم الفرصة، يظهرون ألوانهم الحقيقية من خلال الانخراط في سلوك عدواني وهدام أكثر.

يأتي الكتاب في سبعة أقسام، في الأول منه يتناول الباحث جوديث فيرويجن فيه مسارات القائد السابق للتجمع الكونغولي للديمقراطية أنتيباس مبوسا نيامويسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد الحرب. كان حزبه يحظى بتأييد حكومة رواندا، وكان فصيلاً مسلحاً أساسياً في حرب الكونغو الثانية (1998-2003). لكن جهود نيامويسي حولته إلى حزب سياسي ليبرالي اجتماعي في عام 2003 بعد أن توقفت الحرب في البلاد، وتقدم بدوره إلى ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية في 2006 و2011. في البداية حظي بدعم نظام الرئيس الكونغولي جوزيف كابيلا لكن لم يستمر هذا الدعم طويلاً، فأصبح نيامويسي من المعارضة، لا بل بات يروّج إشاعات بتأثيره على جماعات مسلحة من المعارضة. بهذا الأسلوب، أراد مبوسا نيامويسي أن يستعيد النفوذ السياسي من خلال نشر روايات الصراع كمورد تعبئة. ويشير الباحث رغم أنه من الصعب التأكيد إلى أي مدى دعم فيه مبوسا نيامويسي الأشكال المختلفة من العنف المنظم، إلا أن استراتيجيته ضمنت كمية معينة من العلاقة السياسية المستمرة.

خطابات السلام والخوف

ويركز الباحث لارس والدورف في الفصل الثاني على جهود الرئيس الرواندي بول كاغامي زعيم حزب الجبهة الوطنية، في تمركز القوة في رواندا ما بعد الإبادة، ويشير إلى أنه حتى لو تحكم كاغامي بحكم الأمر الواقع بمقاليد الحكم بعد الانتصار العسكري لحزب الجبهة الوطنية في 1994، لكنه لم يصبح رئيس رواندا حتى عام 2000. في فترتين انتخابيتين متتاليتين في 2003 و2010 أعاد كاغامي وحزبه تأكيد التمسك بزمام السلطة. ويضيف أن فترة كاغامي في الحكم تسلط الضوء على مأزق كبير لإعادة البناء ما بعد الحرب، فأنماط القيادة العسكرية يمكن من جهة أن تسهل الإنجازات التنموية والاقتصادية المدهشة (التي بشكل مفترض كان لها تأثير مستقر على مسألة الأمن في رواندا ما بعد الحرب)، ومن جهة أخرى يمكن أن تولد انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان. ويشير والدورف إلى أن خيار النظام باستهداف المعارضين السياسيين الفعليين والمشكوك بأمرهم كان وظيفة من وظائف شخصية كاغامي، والحقيقة أن جماعة توتسي المناصرين الرئيسيين لكاغامي لا يشكلون سوى 15% من سكان رواندا.
ويحلل كل من الباحثين كاري مانينج وأندرس ثيمنير في الفصل الثالث الانتخابات في ليبيريا، وخطابات السلام والخوف في سياقها، وخاصة في حالة القادة العسكريين السابقين في ليبيريا، وأبرزهم سيكو كونيه وبرنس جونسون، إذ يبين الباحثان أن كونيه فشل في إقناع الناخبين في جعله رئيساً في 2005، بينما نجح جونسون في الوصول خلال الانتخابات ليصبح عضواً في مجلس الشيوخ في 2005 و2014 (وفي كلتا الحالتين كشخصية مستقلة) وفي 2011 شارك في الانتخابات الرئاسية كزعيم حزب سياسي للاتحاد الوطني للتقدم الديمقراطي، ويتوقف الباحثان عن كيفية فرض هذين الشخصين اللذين كانا قائدين عسكريين سابقين في بث الخوف في سياق العملية الديمقراطية.

استخدام العنف

ويسلط الباحث أليكس فينس في الفصل الرابع الضوء على السياسي الموزمبيقي أفونسو دلاكاما القائد السابق للمقاومة الوطنية الموزمبيقية المعروف اختصاراً باسم «رينامو»، ويتناول كيفية عودة «رينامو» إلى النزاع المسلح منذ عام 2013، كما يتعقب الجهود المبذولة في العلاقة السياسية المستمرة خلال فترة الانتقال من الحرب إلى السلم في موزمبيق، وعن مشاركة دلاكاما في الانتخابات أواخر التسعينات والتطورات الحاصلة، ثم عن العنف الذي تصاعد في السنوات الأخيرة، ويعلق الكاتب هنا: في الديمقراطيات المعطوبة، الديمقراطيون أمراء الحرب يمكن لهم أن يكسبوا المزيد ويجروا صفقات سياسية واقتصادية، تسمح لهم باستدامة شبكات الرعاية والحماية لديهم، وذلك من خلال السعي إلى إجبار النظام الحاكم عبر التهديدات، التظاهرات والعنف لتلبية طلباتهم.

أما الفصل الخامس فيتناول فيه الباحث هنريك فيج سيرة العسكري والسياسي جواو برناردو فييرا من غينيا بيساو، والذي يعد أحد أكثر الديمقراطيين من أمراء الحرب المبتكرين والمرنين في إفريقيا، استطاع خلال مسيرته السياسية أن يقدم نفسه بشكل ذكي كمقاتل لأجل الحرية محتفى به، لكنه في الواقع كان ديكتاتوراً ماركسياً خلال فترتين رئاسيتين من 1980 إلى 1984 ومن 1984 إلى 1999، حيث أسقطت الحرب الأهلية حكمه، ولكنه عاد إلى الحكم في 2005 وبقي حتى اغتياله في 2009.
وفي الفصل السادس يتوقف الباحثان ميمي سوديربيرج كوفاس وإبراهيم بانجورا على سياسة ما بعد الحرب في سيراليون، ويناقشان ثلاثة من الديمقراطيين الذين كانوا عسكريين متنفذين هم يوليوس مادا بيو وإلدرير كوينز، وصامويل هينجا نورمان. ويتطرق الفصل السابع للباحثين – يوهان بروشه وكريستين هوجلوند إلى شخصية السياسي رياك مشار النائب السابق لرئيس جنوب السودان ودوره في فرض هيمنة الحزب على الحياة الاقتصادية والسياسية في جنوب السودان بعد اتفاقية السلام الشاملة في 2005. ويختم المحرر أندرس ثيمنير عمله بالخاتمة المعنونة «أمراء السلام الغامضون: العوائد المتناقصة لديمقراطية ما بعد الحرب».