سياسة أوروبا اليومية

سياسة أوروبا اليومية

كيف تبني السلطات السياسية الدعم لنفسها، وحكمها؟ في الحقيقة، القيام بذلك أمر مهم لإحقاق السلطة على أرض الواقع، لكنه لا يخلو من الصعوبات والتعقيدات، خاصة في اتحاد أوروبي يضم العديد من الدول المتنوعة بلغاتها، وأعراقها، وأفكارها. تقف المؤلفة كاثلين ر. ماكنمارا في عملها الجديد هذا، على تفاصيل السياسة اليومية في أوروبا، وكيفية بناء السلطة الفعلية في الاتحاد الأوروبي، التي يمكن أن يكتب لها العمر الطويل وسط التحديات الكبرى.
يوضح هذا الكتاب (الصادر في 224 صفحة باللغة الإنجليزية عن مطبعة جامعة أكسفورد)، كيف يمكن للعمليات الاجتماعية أن تشرعن حكاماً جدداً، وتجعل ممارسة سلطتهم تبدو طبيعية. تاريخياً، استخدمت السلطات السياسية الرموز والممارسات بعناية لخلق بنية تحتية ثقافية للحكم، وعلى الأخص عبر القومية وبناء الدولة.
اليوم، يواجه الاتحاد الأوروبي، بوصفه شكلاً جديداً من أشكال الحكم، مجموعة من التحديات الحادة. ومع ذلك، فإن التحول البطيء في رموز وممارسات الحياة اليومية، جعل الاتحاد الأوروبي السلطة السياسية «التي تمت الموافقة عليها»، فأوجدت نوعاً معيناً من الهوية الأوروبية المشتركة. ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي ليس مجرد دولة قومية. وبدلاً من ذلك، نجد أن البنية التحتية الثقافية للاتحاد الأوروبي متجذرة في نوع معين من السلطة «العادية» التي تتنقل إلى الولاءات الوطنية، في الوقت الذي يتم تصوير الاتحاد الأوروبي فيه على أنه مكمل للهويات المحلية، وليس في صدد منافستها. وتشير الكاتبة إلى أنه كثيراً ما يتم تهميش الملصقات والخرائط الذهنية والروايات التي تولدها سياسات الاتحاد الأوروبي، ويتم تطهير ارتباطاتها بسلطات الدولة القومية، وتوحيدها في حالة من الغموض التي لا تبدو موضع اعتراض.
ومن خلال الأخذ بنهج تنمية سياسية جديدة، يساعدنا هذا الكتاب على فهم كل من شرعية الاتحاد الأوروبي، كممثل ناشئ جديد، والحدود المحتملة للعمليات الثقافية التي أرساها. يأتي الكتاب في ثمانية أقسام موزعة كالتالي: 1- المقدمة. 2- بناء الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية. 3- تقنيات البناء الثقافي. 4- المباني والأغاني. 5- المواطنة والتنقل. 6- اليورو والسوق الموحد. 7- السياسة الخارجية الأوروبية. 8- الخاتمة.

الثقافة السياسية الأوروبية

تتحدث الكاتبة في مقدمة العمل عن الأدبيات المتعلقة بالتنمية السياسية المقارنة، ودور الرموز والممارسات في خلق الثقافة السياسية الأوروبية، التي يمكن أن تساعد في الكشف عن العمليات الاجتماعية اليومية التي تضفي الشرعية على الاتحاد الأوروبي. كما تلقي المقدمة الضوء على الحجج الرئيسية للكتاب، وتحديداً فكرة إنشاء بنية تحتية ثقافية للحكم عند الضرورة لتجنيس السلطات السياسية الجديدة، وتوليد الهوية السياسية، وتوضح الكاتبة كيف نشأ هذا في حالة الاتحاد الأوروبي. وتخلص المقدمة إلى مناقشة الاستراتيجيات المنهجية لدراسة الثقافة.
ومما تقوله الكاتبة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتأثيره في بقية الدول في الاتحاد: «استفتاء التصويت الذي حدث في 23 يونيو/حزيران 2016 من قبل المملكة المتحدة على عضويتها في الاتحاد الأوروبي، يمثل رحيلاً مذهلاً من طريق لا مفر منه على ما يبدو للاتحاد، حيث يظهر أقرب من أي وقت مضى. أغلبية المصوتين في المملكة المتحدة فضلت الخروج من الاتحاد على الالتزام بالعضوية المستمرة في الاتحاد الأوروبي، وهذا الاختيار أطلق فترة لا مثيل لها من الشك والمجهول بالنسبة لمستقبل واتجاه المشروع الأوروبي، في الوقت الذي تستمر فيه الملامح الدقيقة للخروج بالتطور. ومع ذلك، فإن الخروج البريطاني هو أبعد ما يكون عن التحدي الأساسي الذي يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم. فأمواج اللاجئين التي تجرفها البحار إلى شواطئ إيطاليا واليونان تصاعدت في صيف 2015، منتجة بذلك أزمة إنسانية، مع تقديم القليل من الحلول في الأفق.
في تلك الأثناء، تستمر التوترات ضمن منطقة اليورو، مع برامج التقشف، وتخفيض الإنفاق التي تنتج أزمة طاحنة في اليونان، ونمواً مشوهاً بشكل ضار عبر أغلب أوروبا الجنوبية. «ويبقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي بظلاله ليهدد أوروبا، مع خوف العديد من توغل أكثر للقوات الروسية إلى ما وراء منطقة أوكرانيا. وفي النهاية، شهد الاتحاد الأوروبي صعود الأنظمة الأوتوقراطية ضمن حدوده، حيث تبدو التطورات الأخيرة في هنغاريا وبولندا أنها تقلص التماسك الديمقراطي في النطاق السوفييتي السابق، خالقة بذلك تحدياً أساسياً للاتحاد الأوروبي كنظام ديمقراطي ليبرالي».
وتضيف: «كل هذه الأزمات التقت مع ما يبدو أنها استجابات غير فعالة من قبل الاتحاد الأوروبي، وقادته القوميين، والإحباط والغضب الذي اعترى الجمهور الأوروبي. وبشكل غير مفاجئ، نمت الأحزاب المشككة في اليورو أضعافاً مضاعفة، وطالبت بإعادة فرض السيادة الوطنية على كل من الحدود والأسواق. وفي الوقت الذي تعثر فيه الاتحاد الأوروبي بشكل سيئ في العديد من النقاط خلال فترة وجوده في نصف قرن من الزمن، وخطورة وتعدد التحديات التي يواجهها اليوم لم يسبق لها مثيل».

البناء الاجتماعي والثقافي

يوضح الفصل الأول من الكتاب أهمية «البنية التحتية الثقافية» في إضفاء الشرعية على السلطة السياسية. ويوضح أن علينا فهم الثقافة كعملية دينامية مكونة من معنى تشكّل بين مجموعة محددة من الناس الذين يشتركون في الهويات الجماعية المستمدة من هذه الثقافات والتفاعل معها. ثم يربط الفصل بين الثقافة والهوية بالسياسة، استناداً إلى المفاهيم بما في ذلك المجتمعات المتخيلة لوصف التأثير السلبي للقومية وغيرها من مساعي صنع الأساطير، ويشير إلى أننا بحاجة إلى النظر في الاتحاد الأوروبي في ضوء ذلك. كما يوضح الفصل الآليات المحددة التي تخلق الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية، وتحدد آليات أساسية للبناء الاجتماعي في مجال الرموز (كتمثيل جماعي) والممارسات مثل (التجارب المعيشة، والإنجازات، والتفاعل مع العالم المادي).
على مر التاريخ، نشرت الجهات الفاعلة السياسية الماهرة مجموعة متنوعة من التقنيات السياسية المجربة والحقيقية التي غالباً ما كانت تنطوي على التصنيف والفئوية، لتوليد سلطة شرعية للحكم.
ويتساءل هذا الفصل ما هو المحور المحدد الذي وضعه الاتحاد الأوروبي على هذه العمليات الاجتماعية؟ ثم يحدد التقنيات الخاصة للبناء الثقافي التي تؤسس الاتحاد الأوروبي كحقيقة اجتماعية وطبيعية مسلم بها، حتى إن كان من الممكن الاعتراض على أفعالها وسياساتها. فالعمليات المنتشرة لوضع العلامات ورسم الخرائط والروايات العامة تصنع المعاني وتشكّل تفسير التجارب اليومية لأوروبا بطرق مترابطة منطقياً على الصعيد السياسي. إلا أن الاتحاد الأوروبي ينشر ثقافته الخاصة في مجال الحوكمة مع تحقيق توازن دقيق بين الرموز والممارسات الأوروبية والوطنية، والتخلي عن المشروع نفسه كسلطة سياسية محظورة.
ويعرض الفصل الرابع البرامج الثقافية للاتحاد الأوروبي، ويستخدم أمثلة عن العمل الذي تقوم به السياسات الثقافية من أجل إظهار كيف أن هذه الأنشطة تساعد على تجنيس وتشريع السلطة السياسية الأوروبية. غير أنه يحذر على العموم من أن معنى المنتجات والخبرات الثقافية المحددة لم يخضع لأي سيطرة على الإطلاق من قبل أي فرد، أو بيروقراطية، أو شركة، ما يجعل المنتجات والخبرات الثقافية مجالاً محتملاً ينطوي على مخاطر بالنسبة للأنشطة الرمزية. ويتم فحص جغرافية الحوكمة من خلال العمارة العامة للاتحاد الأوروبي، وبناء المساحات ونماذج من بروكسل. كما يتطرق إلى الساحة الثقافية الثانية في مسابقة الأغنية الأوروبية وخلق الأوروبيين. ويركز الجزء الأخير منه على تبني الاتحاد الأوروبي وجهوده لإعادة اختراع الرموز القومية، خاصة في النشيد الأوروبي «نشيد الفرح».

المواطنة والتنقل

يبدأ الفصل الخامس بمناقشة موجزة عن السبب الذي يجعل الحدود والتنقل والمواطنة تنطوي على ديناميات ثقافية، ثم يقدم لمحة عامة عن تاريخ السياسة في هذا المجال. ويعاين الفصل عن قرب الآثار الرمزية والعملية للمواطنة الأوروبية كتصنيف قانوني، وجواز السفر الأوروبي، وإعادة تأطير تعليم التاريخ عبر الاتحاد الأوروبي من الدولة القومية إلى رؤية مناصرة لأوروبا. كما يتوقف عند أهمية ممارسة التنقل في منطقة شينغن الحرة، وبرنامج إيراسموس، والتغيرات الأخرى في الرموز اليومية، وتجارب التنقل الأوروبي التي ترتبط أيضاً بالسلطة السياسية للاتحاد الأوروبي. وتقول الكاتبة: «النمط العام الذي يبرز هو بناء نوع معين من المجتمع المتخيل من الأوروبيين، يميل بخجل نحو الدولة القومية، في حين يستعين بشكل متحرر من تقنيات مجرّبة وحقيقية لبناء الأمة».
ويرى الفصل السادس أن الأسواق هي مواقع ثقافية، وليس أكثر من أي مكان آخر، خاصة على اليورو ومشروع السوق الواحدة. وبعد إبراز التطور التاريخي بإيجاز، تبرز الكاتبة مختلف الرموز والممارسات الكامنة في هذه المشاريع. ويصف الفصل كيف أن اليورو والسوق الواحدة -بعيداً عن التأثيرات المادية المهمة – يخلقان «أوروبا الخيالية» للمواطنين من خلال العمليات الاجتماعية لوضع العلامات، ورسم الخرائط، والروايات العامة، على سبيل المثال مع صور أيقونية لليورو، أو إنشاء «سي»، أو فئة «سوسيتاس يوروبايا» للشركات الأوروبية. وكما هو الحال مع التجربة التاريخية للدول القومية، فإن هذه العمليات تعمل على شرعية نقل السيادة بشكل كبير، على الرغم من أنها تفعل ذلك باستخدام استراتيجيات توطين أوروبا في محاولة لجعل أنشطة السوق في الاتحاد الأوروبي تبدو أقل تنافسية من الناحية السياسية.

السياسة الخارجية

يبدأ الفصل السابع بمناقشة دور الثقافة في السياسة الخارجية، كما يستعرض التطور التاريخي المدهش للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، ويسلط الضوء على بطء إضفاء الطابع المؤسسي على القدرات الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي وكذلك على التنسيق الأمني له. وتشير الكاتبة إلى فهرسة الرموز والممارسات التي تصنف السياسة الخارجية الأوروبية، وترسم خريطة لها وترويها، وهي: البناء القانوني للاتحاد الأوروبي ككيان سيادي، وتعيين دبلوماسيين أوروبيين في دائرة العمل الخارجي الأوروبي، ووضع استراتيجية أوروبية كبرى، (وإن كان متداخلاً دائماً ضمن بعثات الناتو وبعثات الأمم المتحدة). وتشير المؤلفة إلى أن المعاني الناتجة عن السياسة الخارجية الأوروبية تشكل جزءاً أساسياً من إنشاء مجتمع أوروبي متخيّل بشكل أوسع، لكنها تظهر أيضاً أنه مجتمع يعاني قيوداً ونواقص مضمنة بشكل كبير.
وفي ختام العمل تلقي الكاتبة نظرة عامة على محتوى الكتاب، وتنظر في نتائج ما تطرحه على مستقبل أوروبا. وتقول إنه «على الرغم من أن رموز وممارسات الحياة اليومية قد خلقت نوعاً من الشرعية للاتحاد الأوروبي، إلا أنه يتم التعامل مع سلطتها بشكل متسامح، وليس بدافع حب الأوروبيين له. وقد أظهر فشل الدستور الأوروبي في عام 2005 قيود السلطة الضعيفة للاتحاد الأوروبي، وهشاشة المظهر الزائف للتكامل لديها مع الدولة القومية. كما أن أزمة منطقة اليورو ومشاعر الإقصاء الاجتماعي الأوسع، تفرضان تسييساً جديداً للاتحاد الأوروبي». ويخلص الكتاب إلى أن التنافس الأكثر انفتاحاً وشفافية وتوجيهاً بشكل فعّال، هو الذي يكون مدعوماً ببنية تحتية ثقافية من شأنه أن يسمح بالصراع العلني للقيم السياسية التي حدّدت حلقات تاريخية سابقة من التطور السياسي، وهو السبيل الوحيد لإضفاء الشرعية الدائمة على الاتحاد الأوروبي.

نبذة عن المؤلفة

كاثلين ر. منمارا، أستاذ مشارك في الخدمة الحكومية والخارجية، ومديرة مركز مورتارا للدراسات الدولية بجامعة جورج تاون. وهي كاتبة «عملة الأفكار: السياسة النقدية في الاتحاد الأوروبي» (كورنيل ونيفرزيتي بريس، 1998)، وشاركت في تحرير كتاب «صنع التاريخ: التكامل الأوروبي وتغيير المؤسسات في الخمسينات» (مطبعة جامعة أكسفورد، 2007)، ونشرت العديد من المقالات عن سوسيولوجية الاتحاد الأوروبي، والاقتصاد السياسي الدولي، والخدمات المصرفية المركزية، ودور الأفكار والثقافة في صنع السياسات. حاضرت ماكنمارا في جامعة برينستون وساينس بو (باريس)، وكانت باحثة زائرة في مؤسسة راسل ساجا، وزميلاً في صندوق مارشال الألماني، وزميلاً فولبرايت. وهي مشاركة في مجموعة متنوعة من مجموعات السياسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية، وهي عضو في مجلس العلاقات الخارجية. حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، وبكالوريوس من جامعة مكغيل الكندية.

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

 

نهاية أوروبا.. وعصر الظلام القادم

نهاية أوروبا.. وعصر الظلام القادم

 

مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، باتت صورته الصامدة خلال عقود مهتزة، حيث تخرج تحليلات هنا وهناك تفيد باحتمال خروج دول أخرى منه، ما يضع المستقبل الأوروبي على المحك. ويجد مؤلف هذا العمل أن غياب أوروبا عن الساحة العالمية سيكون «مأساة» ليس للدول الأوروبية وحدها، وإنما للولايات المتحدة الأمريكية وللعالم. لأن وجود أوروبا أضعف وأقلّ تأثيراً يعني تفكك كيان سياسيّ واجتماعي واقتصادي يحافظ على توازن عالمي، مما سيؤدي إلى اختلالات ليس من السهل تصور عواقبها.
يأتي كتاب «نهاية أوروبا: ديكتاتوريون، ديماغوجيون وعصر الظلام القادم» (288 صفحة، منشورات جامعة يال، 2017) للكاتب الصحفي والباحث الأمريكي جيمس كريتشك في مرحلة شديدة الحساسية فيما يتعلق بالراهن الأوروبي والعلاقات المتشابكة فيما بين الدول الأوروبية ثم علاقة القارة مع العالم. وإذ يحمل عنوان الكتاب رسالة متشائمة حول واقع أوروبا ومستقبلها في ظلّ حالة تبادلية من السياسات التي ترسم علاقاتها والعلاقات التي تضع سياستها في القضايا كافة، فإن الكاتب لا يغفل فرصة التصريح بأن ثمة أملاً في أن تستطيع أوروبا إنقاذ الكيان الذي حافظت عليه لعقود، وحفظ لها بالتالي تماسكها الذي بات اليوم مهدداً أكثر من أي وقت مضى.

أوروبا وغياب الدور الأمريكي

في كتابه، يسجّل جيمس كريتشك، بمزيج من العمل الصحفي والسرد التاريخي، أن أوروبا التي كانت تعدّ معقل القيم الليبرالية والديمقراطية، هي ذاتها التي باتت اليوم تعاني المشاكل التي كانت تعتقد أنها تجاوزتها منذ عقود. إذ إن ظواهر من نوع معاداة السامية، القومية الشعبوية واستخدام العنف والقوة العسكرية في مناطق النزاع باتت تهدد اليوم بتفكيك الكتلة الأوروبية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية. يحدد كريتشك في دراسته نقاطاً أساسية توضح مواضع الضعف في الاتحاد الأوروبي؛ السياسة الضحلة والمخادعة للقادة الذين دفعوا باتجاه خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، بالإضافة إلى الدور الذي لعبته موجة الهجرة الكبيرة والعلاقة المتوترة بين المجتمعات الأوروبية والأقليات المسلمة.
وهذا كله يأتي مع تهديد الإدارة الأمريكية الجديدة بتجاهل الدور التقليدي الذي كانت تضطلع به الولايات المتحدة في أوروبا، كمناصر لنظام العالم الليبرالي وضامن لأمن القارة. وبهذا، يزداد التهديد الجدي بأن تصبح أوروبا وحيدة في مواجهة هذه التحديات «غير المسبوقة»، بحسب تعبير كريتشك.
يتألف الكتاب من مقدمة بعنوان «الكابوس الأوروبي»، يليه ثمانية فصول، يشكّل كل واحد منها دراسة حالة لبلد أوروبي محدد. الفصل الأول: «روسيا: على حافة أوروبا». الفصل الثاني: «هنغاريا: ديمقراطية من دون ديمقراطيين». الفصل الثالث: «ألمانيا: عودة رابالو؟» (بالإشارة إلى معاهدة رابالو عام 1922 والتي اتفقت على أساسها كل من ألمانيا وروسيا على تقاسم مناطق النفوذ والمكاسب بعد معاهدة برست ليتوفسك (1918) التي خرجت روسيا إثرها من الحرب العالمية الأولى. ) ثم الفصل الرابع «الاتحاد الأوروبي: أزمة غير متوقعة». يليه الفصل الخامس: «فرنسا بلا يهود»، والسادس «بريكست: من بريطانيا العظمى إلى إنجلترا الصغيرة». ثم الفصل السابع «اليونان: من الأحزاب السياسية إلى الشعبويين»، والفصل الثامن «أوكرانيا: برلين الغربية الجديدة». ثم تأتي خاتمة بعنوان: «الحلم الأوروبي». وهو يشير في أكثر من مكان لكتاب مهم هو «الحلم الأوروبي» للباحث الأمريكي جيريمي ريفكن (تُرجم إلى العربية عام 2016 وصدر عن دار الفارابي)، وهو دراسة شاملة للتحوّل الذي عاشه المجتمع الأمريكي إبان انهيار مفهوم الحلم الأمريكي والتوجه نحو حلم آخر بديل متمثّل بالحلم الأوروبي، على اعتبار أن أوروبا باتت تشكل كياناً مقابلاً ومنافساً للولايات المتحدة في التأثير العالمي. وحيث إن «الحلم الأوروبي أكثر راحة وأكثر أماناً، ورخاء، ويؤدي إلي إطالة أمد الحياة البشرية». ويشير كريتشك إلى التنظيم الجغرافي والفكري لفصول الكتاب، بغية تقديم سياق متسلسل للأزمات التي باتت تعصف بأوروبا.

روسيا وانتهاك القانون الدولي

في الفصل الأول من الكتاب، «روسيا: على حافة أوروبا»، يبدأ جيمس كريتشك بتقديم رؤية يحاول أن تكون قريبة ودقيقة للأزمة متعددة الأوجه التي تواجهها أوروبا، من روسيا شرقاً وصولاً لأزمة المهاجرين في الجنوب. وهي من ضمن أزمات ما فتئت تتفاقم لا سيما مع عدم قيام الولايات المتحدة، متمثلةً بإدارة الرئيس ترامب، بتحقيق دورها التقليدي والاكتفاء بالتعبير دائماً عن نظرة قلقة ومقلقة بشأن العلاقة مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي وروسيا. وبالتالي، يحاول الكاتب عبر خبرته التي اكتسبها من سنوات التنقل في الدول الأوروبية والاطلاع على أزماتها عن قرب تقديم رؤية متكاملة قدر الإمكان للتحديات الحاضرة. وهو يبدأ بروسيا التي خصّها بالفصل الأول، انطلاقاً مما يراه رغبة روسية في «تدمير» الاتحاد الأوروبي. وهو في هذا لا يتردد في استخدام لغة قاسية لوصف الإجراءات الروسية تجاه أوكرانيا أولاً وضمّ شبه جزيرة القرم تالياً. فهو يصف التصرف الروسي ب «الانتهاك الواضح للقانون الدولي، وخرق القواعد السياسية الدولية».
ويشير إلى أن هذه الحالة من ضمّ مناطق جغرافية بقوة السلاح تعدّ الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما يدفع المراقبين للتساؤل حول جدوى الوثائق الدولية والمعاهدات إن لم تتخذ الإجراءات الرادعة المطلوبة. على اعتبار أن روسيا تقدم رسالة مضمونها أنها غير معنية بالالتزام بالبند الخامس من معاهدة حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو ببيان بودابست (1994). وهو ما ينذر بخطر تكرار هذه الخروقات لاحقاً من دول كبيرة تجاه دول أصغر وأقلّ إمكانية وقدرة. وفي هذه المسألة، يمكن ربط هذا الفصل بالفصل الثامن الذي يسمّي فيه الكاتب أوكرانيا «برلين الغربية الجديدة». ويوجه اللوم للدول الأوروبية التي فضّلت علاقاتها مع روسيا على محاسبة هذه الأخيرة على انتهاكاتها للقانون الدولي. وهذا عائد، جزئياً، إلى عدم إدراك تلك الدول لحقيقة ما تقوم به روسيا فعلياً، وأهدافها غير المعلنة، وهو ما سيحمّل إدارة الرئيس ترامب في الجانب الآخر من المحيط مسؤولية إعادة ضبط العلاقات مع روسيا. ويقول إنه «إذا لم تستمر قيم أمريكا وأوروبا بتشكيل المستقبل كما فعلتا في الماضي، فإن هذا سيتيح المجال لقوى متسلطة لفعل ذلك.

ألمانيا: تحديات السياسة والصدمة الثقافية

في تناوله لحالة ألمانيا، يحذّر كريتشك مما يسميه «تقاطع مخاطر البوتينية والإسلاموفوبيا» الذي سيكون عائقاً أمام إعادة انتخاب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تواجه منافسة شرسة من مارتن شولتز، رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني ورئيس البرلمان الأوروبي «العاجز»، وفق توصيف الكاتب، منذ عام 2012. ومع موقف ميركل من التعددية الثقافية، إلا أن قبولها بوجود مليون لاجئ مسلم في ألمانيا سيكون عاملاً رئيسياً في إضعاف وضعها السياسي عموماً وفرصها في الفوز بالانتخابات خاصة.
تقوم السياسة الألمانية على تقبّل حذر للتعددية الثقافية، مع خلق توازن في العلاقة مع روسيا من جهة، والولايات المتحدة في الجهة الأخرى. ومع هذا، فإن العلاقة الألمانية-الأمريكية تبدو مملوءة بالتناقضات، وهو ما لا يمكن أن تخفيه صورة الدولة الصديقة والحليفة التي تبدو بها حالياً تجاه أمريكا. كما أن ألمانيا مسؤولة عن سياسة استقبال هذا المدّ الكبير من المهاجرين الشرق أوسطيين، على الرغم من المخاوف التي عبرت عنها دول أوروبية أخرى مراراً حول عدم القدرة على استيعاب هذا التدفق الكبير من المهاجرين واحتوائهم ودمجهم.
وصل هذا التدفق غير المسبوق إلى ذروته في فترة الهجرة الكبرى بين 2015-2016، وأدى إلى حصول توتر كبير بين الأوروبيين والأقليات المسلمة. وكان من مسببات هذا التوتر وصوره، على وجه الخصوص، التباين الجذري للمهاجرين من الدول التي تحمل نظرة خاصة ومواقف محددة تجاه المرأة، بما يختلف كلياً مع ما هو متبع في الغرب. وتعدّ هذه من النقاط الإشكالية للغاية، وتسببت بمشاكل كبيرة. وبحسب الأرقام، فإنه من بين 1.5 مليون طالب لجوء ممن وصلوا إلى أوروبا عام 2015، كانت نسبة الذكور 73 في المئة.
في البداية، كان هناك توجّه لعدم الإبلاغ عن بعض حالات التحرش الجنسي بدافع خلق حسّ عام لنفي صفة الإسلاموفوبيا عن المجتمع. لكن نقطة التحول كانت في ليلة رأس السنة الميلادية عام 2015، يوم حصلت حادثة التحرش بنساء ألمانيات خارج محطة القطار الرئيسية في كولونيا. يومذاك، قدّمت أكثر من 650 امرأة شكاوى جنائية تتراوح بين تعرضهن للتحرش وصولاً إلى محاولات الاغتصاب.
ونتيجة لهذه الصدامات الثقافية والزيادة في عدد الضربات الإرهابية في أنحاء القارة، أعيدت مرة أخرى إجراءات التحقق من الهوية في المعابر الحدودية التي كانت مفتوحة في السابق، وأخذت دول مثل ألمانيا والسويد، تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية بتخفيض أعداد المهاجرين المقبولين.

مستقبل الحلم الأوروبي

يعود الكاتب إلى فكرة الحلم الأوروبي، وهو وإن حمل عنوان كتابه رؤية متشائمة عبر تعبير «عصر الظلام»، فإنه يصرّ على أن ثمة ما يمكن عمله؛ وهو تذكر التاريخ والقيم والاستعادة الواعية للمفاهيم التي وحدت أوروبا وخلقت ذلك الكيان الذي حافظ على استقرار القارة لعقود. وهو يركز على قيم الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق الحرة. ويصرح أن على الديمقراطيات الأوروبية (والأمريكية) تخصيص المزيد من الموازنات ورفع الإنفاق على الجانب العسكري بغية الدفاع عن هذه القيم التي تسعى دول أخرى لتحطيمها. إذ إن غياب أوروبا عن الساحة العالمية سيكون «مأساة» ليس للدول الأوروبية وحدها، وإنما للولايات المتحدة الأمريكية وللعالم. لأن وجود أوروبا أضعف وأقلّ تأثيراً يعني تفكك كيان سياسيّ واجتماعي واقتصادي يحافظ على توازن عالمي، ما سيؤدي إلى اختلالات ليس من السهل تصور عواقبها.
في خاتمة الكتاب يقول: «يجب أن ينتهي وقت التخبط. فمن أجل أن نضمن أن العقود السبعة الماضية مما يشبه اليوتوبيا كانت هي القاعدة، لا مجرد استثناء تاريخي، فإن أوروبا بحاجة ماسة لتجديد مراكز قوتها الليبرالية من جهة، والاستعداد لاستخدام القوة للدفاع عن نفسها من جهة أخرى». ويتطرق إلى استقبال أوروبا للمهاجرين واللاجئين المسلمين، ويطالب بأن تكون إجراءات دمجهم في المجتمعات الأوروبية مشروطة بإنتاجيتهم، مع التزام هذه الدول بمبادئ الرفاه الاجتماعي وقطاع الأعمال الخاصة. ويقول إنه هناك الكثير مما هو على المحك، كالسفر من فرنسا إلى ألمانيا من دون جواز سفر، أو وجود تلك الإجراءات البيروقراطية المكثفة في بروكسل. ويكرر مطالبته بأوروبا تحمل قيم وأفكار عصر التنوير، تعزز دورها العالمي في إنتاج المنجزات الحضارية والقدرة على حمايتها، وإلا فإن الديماغوجيات والديكتاتوريات ستحوّل هذه الحضارة إلى فوضى، وسيتم تغليب المصلحة الفردية على مصلحة الدولة والخير العام، وستنتفي مميزات الهوية الأوروبية وسيختفي دورها. وأقل ما يقال عن هذه الحالة أنها انهيار، وبالتالي، فإن المستقبل -إذا تحققت هذه المخاوف لأي سبب من الأسباب- لن يكون سوى عصر ظلام جديد.

نبذه عن المؤلف

ولد الكاتب الصحفي والباحث الأمريكي جيمس كريتشك عام 1983. يعمل مراسلاً لموقع «ذا دايلي بيست» الإلكتروني، وهو زميل باحث في مبادرة السياسة الخارجية في واشنطن. له مقالات صحفية في العديد من وسائل الإعلام مثل «واشنطن بوست» و«ذا ويكلي ستاندرد»، «وول ستريت جورنال» و«فورين بوليسي». يعيش في العاصمة الأمريكية واشنطن. نال كتابه «نهاية أوروبا» ترحيباً ملحوظاً في وسائل إعلام أوروبية، وهو نتاج ست سنوات من البحث والمتابعة والتنقل بين العديد من الدول الأوروبية لجمع مادة الكتاب. ظهر في العديد من منصات التواصل والمحطات التلفزيونية لمناقشة أفكار الكتاب ورؤيته لمستقبل الاتحاد الأوروبي.

 

ترجمة: نضال إبراهيم

 

من يحكم العالم

من يحكم العالم

أصبح المشهد العالمي قاتماً في ظل الإمبريالية الأمريكية التي زرعت الشقاق والفوضى في بقع عديدة من العالم، وخلفت دولاً مدمرة وشعوباً منهكة بسبب حروبها، هذا لسان حال أكثر المنتقدين لسياساتها الخارجية، البروفيسور نعوم تشومسكي الذي يعاين عن كثب في كتابه هذا تغير القوة الأمريكية، والتهديدات على الديمقراطية في العالم، ومستقبل النظام العالمي، وذلك من خلال تقديم تحليل عن الوضع الدولي الراهن، في ظل صعود أوروبا وآسيا، ويقف عند الكثير من المحطات التاريخية من علاقة الولايات المتحدة بكوبا إلى تطوراتها الأخيرة مع الصين، فضلاً عن مذكرات التعذيب والعقوبات على إيران، ويبين تشومسكي أن الخطاب الأمريكي الداعي إلى العدالة وحقوق الإنسان انحرف عن مساره ليخدم مصالح المؤسسات المالية والشركات الكبرى.

الكتاب صادر عن دار «ميتروبوليتان بوكس» الأمريكية في 307 صفحات من القطع المتوسط، 2016.

يوضح تشومسكي أهم النقاط التي تشكل تحدياً للقوة الأمريكية، ويناقش كذلك تأثير الحرب الأمريكية لمحاربة الإرهاب على العالم الإسلامي، وكيف أن أفغانستان والعراق عانتا من الويلات والجرائم البشعة، ويستعرض ذلك من خلال التطرق إلى مشاريع النخب الأمريكية التي لا تكترث بعواقب الحروب على الشعوب.

يسعى تشومسكي في عمله هذا إلى استكشاف سؤال «من يحكم العالم؟» كيف تقدم هؤلاء في جهودهم؟ وأين وصلت بهم هذه الجهود؟ ويتألف عمله من 23 فصلاً بعد المقدمة وهي: «مسؤولية المثقفين»، «الإرهابيون أرادوا إنهاء العالم»، «مذكرات التعذيب وفقدان الذاكرة التاريخي»، «اليد الخفية للقوة»، «الانحدار الأمريكي: الأسباب والعواقب»، «هل انتهت أمريكا؟»، «الماجنا كارتا (الوثيقة العظمى) مصيرها ومصيرنا»، «الأسبوع الذي وقف فيه العالم صامتاً»، «اتفاقيات أوسلو: سياقاتها ونتائجها»، «عشية الدمار»، «««إسرائيل»» – فلسطين: الخيارات الحقيقية»، «لا شيء للآخرين.. الحرب الطبقية في الولايات المتحدة»، «لمن الأمن؟ كيف تحمي واشنطن نفسها وقطاع الشركات؟»، «غضب»، «كم عدد الدقائق إلى منتصف الليل؟»، «إيقاف النيران التي لم تتوقف انتهاكاتها أبداً»، «هل الولايات المتحدة دولة إرهابية بارزة؟»، «حركة أوباما التاريخية»، «طريقان»، «يوم في حياة قارئ لصحيفة نيويورك تايمز»، «التهديد الإيراني: من الخطر الأكبر للسلام العالمي؟»، «ساعة القيامة»، «أسياد البشرية».
ويشير في مقدمته إلى أنه منذ الحرب العالمية الثانية تقوم الولايات المتحدة بفرض تأثيرها في السياق العالمي، وتلعب دوراً في العديد من الصراعات والدول مثل: ««إسرائيل»»/ فلسطين، إيران، أمريكا اللاتينية، الحرب على الإرهاب، المنظمات الاقتصادية الدولية، حقوق الإنسان ومسائل العدالة، والكثير من القضايا المتعلقة ببقاء الحضارة الإنسانية على صعيد الحرب النووية والدمار البيئي، ويعلق: «قوتها على العموم، بدأت تتلاشى منذ أن وصلت إلى ذروتها التاريخية في عام 1945، ومع الانحدار الحتمي، فإن قوة واشنطن إلى حد ما أصبحت مشتركة مع الحكومة العالمية الفعلية ل «أسياد الكون» في «العصر الإمبريالي الجديد»، في إشارة إلى مجموعة السبع إلى جانب المؤسسات التي يتحكمون بها مثل صندوق النقد الدولي ومنظمات التجارة العالمية.

يؤكد تشومسكي أن «أسياد الكون» اليوم، ليسوا بالتأكيد الشعوب، حتى في الدول الديمقراطية ليسوا هم، فتأثيرهم محدود فيما يتعلق بالقرارات الخاصة بالسياسة والتخطيط، مشيراً إلى أن النخب الاقتصادية والمجموعات المنظمة وحدها تملك التأثير في القرارات الأمريكية، في حين أن المواطنين الأمريكيين لا يملكون إلا القليل من التأثير، وأحياناً لا يملكون بحسب باحثين بارزين يستشهد بهم تشومسكي.

أسياد البشرية؟!

خلال فصول الكتاب التي ذكرناها في الأعلى يحاول تشومسكي الإجابة عن سؤاله «من يحكم العالم؟» ويقول «عندما نسأل هذا السؤال، نتبنى في العادة الإجماع العام أن الأطراف الفاعلة في الشؤون العالمية هي الدول، وعلى رأسها القوى العظمى، ونفكر في قراراتها والعلاقات فيما بينها. هذا ليس أمراً خاطئاً. ولكن سنقوم بعمل جيد لو أخذنا في الاعتبار أن هذا المستوى من التعبير التجريدي يمكن أيضاً أن يكون مضللاً للغاية».
ويضيف: «الدول، بطبيعة الحال، لديها هياكل داخلية معقدة، والخيارات والقرارات الصادرة عن القيادة السياسية تتأثر بشكل كبير بالكتلة الداخلية المركزة في السلطة، في حين يتم تهميش السكان عموماً. هذا صحيح حتى بالنسبة لأكثر المجتمعات الديمقراطية. ولا يمكننا الحصول على فهم واقعي عمن يحكم العالم، بينما نتجاهل «أسياد البشرية»، كما سماهم الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث في عصره، حيث قصد التجار والصناعيون من إنجلترا، أما في عصرنا، هؤلاء الأسياد هم التكتلات متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية الضخمة، إمبراطوريات التجزئة وما شابه ذلك».
ويشير إلى أنه بمتابعة سميث، أيضاً من الحكمة أن نأتي إلى «القول الدنيء» ل «أسياد البشرية» وهو: «كل شيء لنا، ولا شيء للآخرين» – وهو مبدأ معروف بطريقة أو بأخرى كحرب طبقية مريرة ومستمرة، في كثير من الأحيان من جانب واحد، ويكون على حساب الشعوب والعالم على نحو كبير.

ويؤكد أنه في النظام العالمي المعاصر، المؤسسات التي لأسياد البشرية سلطة هائلة عليها، ليس فقط في الساحة الدولية ولكن أيضاً داخل بلدانها الأصلية، يعتمدون عليها لحماية سلطتهم وتقديم الدعم الاقتصادي من خلال مجموعة واسعة من الوسائل.

القوة العظمى الثانية

يبين تشومسكي أهمية قوة الاحتجاجات الشعبية وتأثيرها في القرارات السياسية والتي تعتبر مصيرية لشعوب دول أخرى، قائلاً: «ركزت برامج الليبرالية الجديدة من الجيل الماضي على وضع الثروة والسلطة في أيدي قلة قليلة، في حين أنها أضعفت الديمقراطية الحقيقية، لكنها أثارت المعارضة أيضاً، وأبرزها في أمريكا اللاتينية، وأيضاً في مراكز القوى العالمية. وأصبح الاتحاد الأوروبي، أحد أكثر التطورات الواعدة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، يترنح بسبب التأثير القاسي لسياسات التقشف خلال الركود، الأمر الذي لقي إدانة حتى من قبل الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي. وقد تم تقويض الديمقراطية، حينما انتقل صنع القرار إلى بيروقراطية بروكسل، مع إلقاء البنوك الشمالية بظلالها على إجراءاتها».

ويوضح: «وأصبحت الأحزاب الرئيسية تخسر بسرعة أعضاء لصالح اليسار واليمين. وعزا المدير التنفيذي لمجموعة أبحاث «يوروبانوفا» ومقرها باريس، الاستياء العام إلى «مزاج العجز الغاضب حيث إن القوة الفعلية لصياغة الأحداث تحولت إلى حد كبير من القادة السياسيين الوطنيين (الذين، من حيث المبدأ على الأقل، كانوا يخضعون للسياسة الديمقراطية) إلى السوق، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي والشركات»، حيث يأتي الأمر تماماً في صيغة اتفاق مع مذهب الليبرالية الجديدة».

ويضيف: «تجد أن عمليات مماثلة جداً جارية في الولايات المتحدة، لأسباب مشابهة إلى حد ما، وهي مسألة ذات أهمية وتثير القلق ليس فقط بالنسبة للبلاد لكن، بسبب قوة الولايات المتحدة في العالم. وتسلط المعارضة الصاعدة في وجه الهجوم النيوليبرالي الضوء على جانب مهم آخر على القول الدارج: إنه يضع الجمهور جانباً، والذي غالباً ما يفشل في قبول الدور المسند له ك «متفرج» (بدلاً من «مشارك») في النظرية الديمقراطية الليبرالية. وكان مثل هذا العصيان دائماً مصدر قلق للطبقات المسيطرة في تاريخ الولايات المتحدة».

جريمة غزو العراق

يشير تشومسكي إلى أنه كثيراً ما يقال إن «المعارضة الشعبية الهائلة لغزو العراق لم يكن لها تأثير. الأمر يبدو غير صحيح بالنسبة لي». ويعلق: «أحياناً تختار الدول اتباع الرأي العام، منتزعة بذلك الكثير من الغضب في مراكز السلطة. وكان الحال كذلك في عام 2003، عندما دعت إدارة بوش تركيا للانضمام إلى غزوها للعراق. حيث عارض 95 في المئة من الأتراك هذا التحرك».

ويشير إلى أن الجمهور التركي لم يكن وحده في هذه المعارضة، فقد كانت المعارضة العالمية للعدوان الذي شنته الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى كاسحة. ويضيف: «بالكاد ما يصل الدعم لخطط حروب واشنطن إلى 10٪ في أي مكان تقريباً، وفقاً لاستطلاعات الرأي الدولية. كما أثارت المعارضة احتجاجات ضخمة في جميع أنحاء العالم، وفي الولايات المتحدة أيضاً، ربما كانت المرة الأولى في التاريخ التي لقي فيها العدوان الإمبريالي احتجاجاً بهذه الشدة حتى قبل إطلاقه رسمياً».
ويذكر: على الصفحة الأولى من صحيفة نيويورك تايمز، قال الصحافي باتريك تايلر إنه «ربما لا يزال هناك قوتان عظيمتان في العالم: الولايات المتحدة والرأي العام العالمي». ويشير إلى أن الحركة الشعبية المناهضة للحرب أصبحت قوة لا يمكن تجاهلها، الآن، وحتى في السابق عندما جاء رونالد ريغان إلى السلطة مصمماً على شن هجوم على أمريكا الوسطى، حيث قامت إدارته بمحاكاة الخطوات التي اتخذها جون كيندي قبل 20 عاماً عند شن الحرب ضد فيتنام الجنوبية، لكنها اضطرت إلى التراجع بسبب هذا النوع من الاحتجاج الشعبي القوي الذي لم يكن متواجداً بذاك الزخم في سنوات الستينات.

ويجد أن الغزو على العراق كان مرعباً بشكل لا يمكن تصوره، وتداعياته كانت بشعة تماماً. ومع ذلك، كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير، لولا الاحتجاجات الشعبية التي عارضت هذا الشكل من الغزو.

نقاط مهمة في الصراع

إن مسألة «من يحكم العالم؟» – يقول تشومسكي في الفصل الأخير من هذا العمل – يقود على الفور إلى قلاقل مثل صعود نفوذ الصين على المستوى العالمي، وتحديها للولايات المتحدة و«النظام العالمي»، والحرب الباردة الجديدة التي تنضج بهدوء في أوروبا الشرقية، والحرب العالمية على الإرهاب والهيمنة الأمريكية والانحدار الأمريكي، ومجموعة من الاعتبارات المماثلة«. ويتحدث عن ثلاث نقاط تعتبر بالغة الأهمية في الصراع على النفوذ العالمي، وهي: شرق آسيا بدءاً من الباسيفيك والتي يشبهها ك»بحيرة أمريكية»، خاصة أن الفترة الأخيرة شهدت قضية خلافية حول تحليق القاذفات الأمريكية في مهمة فوق بحر الصين الجنوبي.

كما يتحدث تشومسكي عن التطورات الصينية في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، التي تضم دول آسيا الوسطى وروسيا، ومن المحتمل أن تضم إليها الهند وباكستان وإيران، وهو ما يمكن اعتباره إحياء الصين طريق الحرير القديم، ويمكن لها أن تصل إلى أوروبا، ويتضح ذلك من خلال برامجها التنموية في عدد من الدول.
كما يذكر إقامة الصين في عام 2015، البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والتي شاركت في افتتاحها دول كثيرة، إذ يمكن أن يصبح منافساً لمؤسسات «بريتون وودز» (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، الذي تملك الولايات المتحدة حق النقض فيها. وهناك أيضاً بعض التوقعات بأن منظمة شنغهاي قد تصبح في نهاية المطاف النظير لحلف شمال الأطلسي.
أما النقطة الثانية وهي التحدي القادم من أوروبا الشرقية، حيث توجد أزمة على الحدود الأطلسية الروسية، تعود بجذورها إلى سقوط الاتحاد السوفييتي، وهي ليست مسألة صغيرة، إذ إن توسع الأطلسي باتجاه جورجيا وأوكرانيا يعتبره الكثير «خطأ سياسياً قبل أن يكون مأساوياً»، وهو أمر أعلن عنه الحلف بصراحة في 2008 بصيغة لا لبس فيها، حيث أشار إلى أن:»حلف شمال الأطلسي يرحب بتطلعات أوكرانيا وجورجيا الأطلسية للحصول على عضوية في حلف شمال الأطلسي». الأمر الذي يعتبر تهديداً لمناطق نفوذ روسيا ومصالحها الأساسية بحسب تشومسكي.
أما النقطة الثالثة فهي «العالم الإسلامي» والتي يقف عندها تشومسكي إذ يجدها من التحديات البارزة، حيث تعد مسرحاً للحرب العالمية على الإرهاب التي أعلن شنها جورج دبليو بوش في ال11 من سبتمبر/أيلول من عام 2001 بعد الهجوم الإرهابي على برجي التجارة في نيويورك، ولا يجده تشومسكي إعلاناً مستقلاً بحد ذاته، بل إعادة إعلان، إذ إن ريغان عندما تولى منصبه، تحدث في خطاب محموم عن الإرهاب وما سماه جورج شولتز وزير خارجيته «عودة إلى البربرية في العصر الحديث»، وما ينتقده تشومسكي هو تحولها بسرعة كبيرة إلى حرب قاتلة ومدمرة عانت منها دول كثيرة، مع تداعيات لها حتى الوقت الحاضر، وتدان عليها الولايات المتحدة.
يتحدث عن الحرب الأمريكية في أفغانستان، التي كلفت الأفغان الكثير من الدماء والمعاناة والدمار، ويتوقف عند الهدف التالي لإدارة بوش وهو العراق، حيث يشير إلى أن الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق جريمة كبرى في القرن ال 21. إذ أدى إلى مقتل مئات الآلاف من الناس في بلد كان يعاني في السابق دمار المجتمع المدني فيه، بسبب العقوبات الأمريكية والبريطانية التي كانت تعتبر أشبه ما يكون ب «الإبادة الجماعية. فضلاً عن أن الغزو خلف ملايين اللاجئين، وحرض على الصراع الطائفي الذي يعانيه العراق وكذلك المنطقة بأسرها».
ويذكر أن استطلاعات وزارة الدفاع الأمريكية والبريطانية وجدت أن 3٪ فقط من العراقيين اعتبروا الدور الأمني للولايات المتحدة في أحيائهم تتسم بالشرعية، وأقل من 1٪ اعتقدوا أن «التحالف المكون من (الولايات المتحدة وبريطانيا) كان جيداً لأمنهم، في حين أن 80٪ منهم عارضوا وجود قوات التحالف في البلاد، والأغلبية دعمت الهجمات ضد قوات التحالف. ويؤكد أن الولايات المتحدة عانت من هزيمة قاسية في العراق، وتخلت عن الأهداف الرسمية للحرب، وغادرت العراق لتتركه تحت تأثير المنتصر الوحيد، إيران. كما يشير تشومسكي إلى الدور السلبي لكل من (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) في ليبيا، التي أصبحت مرتعاً للإرهاب، بعد أن أصبحت في حالة من الخراب والدمار، تعيث فيها الميليشيات المتحاربة فساداً.

نبذة عن المؤلف

نعوم تشومسكي: عالم في اللغويات واللسانيات، وفيلسوف أمريكي، من بين أبرز المنتقدين للسياسة الخارجية الأمريكية في العالم، وأكثر من يستشهد بآرائه في الكتب آخر مئة عام. نشر عشرات الكتب المؤثرة، والمقالات عن السياسة الدولية والتاريخ واللغويات. ومن بين كتبه الأخيرة: «أسياد البشرية»، و«آمال وتوقعات»، «واشنطن وفاشية العالم الثالث» بالتعاون مع إدوارد س. هيرمان.

 

تأليف: نعوم تشومسكي/عرض وترجمة: نضال إبراهيم

 

المال الأسود

المال الأسود

 

تتكرر الكثير من الأسئلة عن حالات عدم المساواة في الولايات المتحدة، والفئات المتحكمة التي تؤثر في الكثير من القرارات السياسية الأمريكية. يحاول هذا العمل تحليل ذلك عبر تناول الواقع السياسي الأمريكي الفاسد، وكيفية إنفاق المال السياسي وتأثيره في مستقبل الديمقراطية الأمريكية التي باتت على المحك فيما يبدو، ويقف عند ما يحدث من وراء الكواليس في العمليات الانتخابية بالولايات المتحدة، وكيفية تشكل تحالفات اقتصادية سياسية في الخفاء، تهدف إلى الحفاظ على مصالح قلة من المتنفذين، وكيفية دعم صعود اليمين المتطرف على حساب القيم الأمريكية.
لماذا تعيش الولايات المتحدة الأمريكية في عصر من عدم المساواة الاقتصادية العميقة؟ وعلى الرغم من الحاجة الماسة للتصدي لقضية تغير المناخ، لماذا نجد جهود الناشطين البيئيين المتواضعة قد تعرضت لنكسات مراراً وتكراراً؟ لماذا لم يعد هناك من حماية للموظفين؟ لماذا يدفع أصحاب المليارات ضرائب أقل بكثير من العاملين من الطبقة الوسطى؟ الجواب التقليدي هو أن انتفاضة شعبية ضد «الحكومة الكبيرة» أدت إلى صعود حركة محافظة ذات قاعدة عريضة، ولكن تظهر الكاتبة والصحفية الاستقصائية جين ماير في هذا السرد التاريخي، شبكة من الأشخاص بالغي الثراء لهم وجهات نظر تحررية متطرفة يموّلون خطة ممنهجة خطوة بخطوة لإحداث تغيير جذري في النظام السياسي الأمريكي.
تعتقد هذه الشبكة التي تتكون من أغنى الناس على هذا الكوكب، بشكل راسخ أن الضرائب هي شكل من أشكال الاستبداد، وأن الرقابة الحكومية على الأعمال التجارية هي عملية اعتداء على الحريات. وهذا الاعتقاد نشأ عن الدور الحكومي في وجه المصالح الشخصية لهم ومصالح شركاتهم، خاصة أن العديد من هذه الشركات تعمل بشكل يتناقض مع قوانين التلوث الاتحادي، وتخالف القوانين المتعلقة بسلامة العمال، والأوراق المالية، وقوانين الضرائب وغيرها.

فلسفة سياسية

الشخصيتان الرئيسيتان في الشبكة، هما الأخوان تشارلز وديفيد كوك، ابنا المهندس الكيميائي ورجل الأعمال الأمريكي فريد سي. كوك (1900-1967) مؤسس شركة «صناعات كوك» الذي جمع ثروته بشكل جزئي من بناء مصافي تكرير النفط في روسيا زمن ستالين وألمانيا أثناء حكم هتلر. وكان فريد كوك في وقت لاحق من الأعضاء المؤسسين لجمعية «بيرش جون» التي اتسمت بأنها يمينية راديكالية معادية للشيوعية، لدرجة اعتقادها أن الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور شيوعي في سياساته. وترى الكاتبة أن الأخوين كوك تربيا على فلسفة سياسية أكدت لهما أن الدور الوحيد للحكومة هو توفير الأمن وإنفاذ حقوق الملكية.
وتشير إلى أنه عندما أثبتت الأفكار التحررية التي كانا يناديان بها، أنها لا تحظى بشعبية لدى الناخبين بشكل قطعي، اختار الأخوان كوك وحلفاؤهما مساراً آخر، حيث جمّعوا مواردهم الهائلة، التي يمكنهم من خلالها تمويل مجموعة متشابكة من المنظمات التي يمكن أن تعمل بشكل متناسق للتأثير والسيطرة في نهاية المطاف على المؤسسات الأكاديمية، ومراكز الأبحاث، والمحاكم، المجالس الحكومية، والكونغرس، وكانوا يأملون، في التأثير في الرئاسة.
أجرت جين ماير في كتابها هذا الصادر حديثاً عن دار «دووبلدي» الأمريكية في 464 صفحة من القطع المتوسط، مئات المقابلات خلال خمس سنوات، من بينها عدة مصادر داخل الشبكة، والسجلات العامة، والأوراق الخاصة، وإجراءات المحاكم في الإبلاغ عن هذا الكتاب. وفي سرد مقنع، تتبع الكاتبة كيفية إنفاق مليارات الدولارات من قبل الشبكة، وتقدم صوراً حية من الشخصيات المتلونة وراء الأوليغارشية الأمريكية الجديدة.
ويأتي الكتاب في ثلاثة أقسام أساسية بعد المقدمة وهي: «تسليح العمل الخيري: حرب الأفكار 1970-2008»، وينقسم إلى خمسة فصول، أما القسم الثاني فهو بعنوان «رعاة سريون، عمليات خفية 2009-2010» وينقسم إلى أربعة فصول، ويحتوي القسم الأخير بعنوان «خصخصة السياسة: المعركة الإجمالية 2011-2014» على أربعة فصول.

الاستثمار في الحملات السياسية

تشير الكاتبة إلى أنه كانت سنة 1980 سنة من الأمل للمحافظين في أمريكا، ولكنه تضاءل بعد سنوات من الفشل المستمر على مستوى القاعدة الشعبية. فالجمهوريون لم يحكموا أياً من المجلسين (الشيوخ والنواب) في الكونغرس، أو الأغلبية في المجالس التشريعية للولايات، لمدة ربع قرن. لكن في نهاية ذلك العام حدث شيئان. أحدهما تم انتخاب الجمهوري رونالد ريغان رئيساً للبلاد. والآخر كان حدثاً خاصاً تماماً لم تظهر أهميته على مدى سنوات. إذ قرر الأخوان تشارلز وديفيد كوك، من مقرهما في كانساس، إنفاق مبالغ ضخمة من المال لانتخاب المحافظين في جميع مستويات الحكومة الأمريكية. ترشح ديفيد كوك لمنصب نائب الرئيس الأمريكي عن الحزب الليبرتاري في عام 1980، ولكن عندما انتهت الحملة، قال إنه مصمم على عدم السعي إلى وظيفة عامة مرة أخرى. وهذا لم يكن مهماً، لكن خلص هو وأخوه إلى أنهما يمكن أن يستثمرا في حملات الآخرين، ويشتريا طريقهما إلى السلطة السياسية.
وتشير إلى أنه بعد ثلاثين عاماً، بشّرت الانتخابات النصفية لعام 2010 باقتراب النظام السياسي الذي قضى كوك سنوات عديدة بالتخطيط لجلبه. وبعد التصويت في تلك السنة، سيطر الجمهوريون على المجالس التشريعية للولايات، وكانوا يسيطرون على أغلبية واضحة للحكام، وقد حصلوا على أحد مجلسي الكونغرس وكانوا في طريقهم للفوز بالآخر. ولعل الأهم من ذلك، كان عدداً لا بأس به من الجمهوريين الذين فازوا بهذه المناصب من البراغماتيين الذين لا زالوا في منتصف طريقهم. كانوا ليبرتاريين مناهضين للحكومة من نفس الخط السياسي للأخوين كوك اللذين أنفقا مئات الملايين من الدولارات لجعل الأغلبية على صورتهما التي يريدانها. وقد نجحا في ذلك. ليس فقط في الانتخابات، بل أنهما ساعدا على تمويل وتنظيم شبكة متشابكة من مؤسسات الفكر والرأي والبرامج الأكاديمية ووسائل الإعلام التي تجاوزت بكثير المعارضة الليبرالية.
حاولت الكاتبة خلال إعداد العمل التحدث إلى تشارلز أوديفيد كوك، لكنهما رفضا التحدث إليها، كما لم تستطع الوصول إلى أهم الشخصيات في هذه الشبكة السياسية. ولكنها في الوقت ذاته وصلت إلى مئات من المصادر التي أرادت التحدث، وهم من نشطاء حملات المحافظين لفترة طويلة، وشركاء الأعمال ومعارضين سياسيين وخبراء التمويل السياسي.

خطف الديمقراطية

تعتقد الكاتبة جين ماير أن الأخوين كوك وحلفاء لهما من الطبقة الثرية المتنفذة خطفوا أساساً الديمقراطية الأمريكية، وذلك باستخدام أموالهم ليس فقط للتنافس مع الخصوم السياسيين، بل لإغراقهم. وفي رأيها، خلق الأخوان كوك وحلفاؤهما بنكاً سياسياً خاصاً يستطيع منح وإنفاق كميات غير محدودة من المال على المرشحين المفضلين، ويتم عمل ذلك بشكل عملي من دون الكشف عن هوية المصدر.
وتلقي ماير أيضاً بعض الضوء على المتواطئين مع الأخوين كوك الذين ساعدوا على بناء الحركة التي تنتشر إلى أبعد من السياسة الانتخابية. ومن بينهم ريتشارد ميلون سكيف، وارث ثروة مصرفية هائلة، وكان حضوره المالي وراء مؤسسة التراث. وأيضاً جون. م. أولين، الذي كانت شركة عائلته الكيميائية المستفيد الأكبر من مشتريات الأسلحة الاتحادية، ركز على استحداث وظائف لأعضاء هيئة التدريس للمحافظين في الجامعات العريقة. والأخوان هاري وليند برادلي، اللذان استخدما الإيرادات من اندماج شركتهم العائلية للإلكترونيات مع روكويل الدولية لتمويل مجموعة كاملة من مشاريع النشر والبحوث. ولكن الهدف الرئيسي كما توضح الكاتبة هو الفوز في الانتخابات.
وتشير الكاتبة إلى أن كل هذه المنظمات والجهات المانحة كانت تروج أيضاً لعقيدة السوق الحرة، والسير وفق ما أعلنه تشارلز كوك في التسعينات «مبادئ السوق غيّرت حياتي». وتجد الكاتبة أن هذه الإيديولوجيا تساعد على تفسير واحدة من أهم حملات كوك في السنوات الأخيرة وهي: الكفاح من أجل منع اتخاذ إجراءات ضد تغير المناخ. وكانت مجموعة «أمريكيون لأجل الازدهار» في طليعة الجماعات المعارضة لفرض إجراءات تتعلق بتغير المناخ على مدى العقد الماضي. وعندما تولى الجمهوريون مجلس النواب في عام 2011، ضغطت مجموعة «أمريكيون لأجل الازدهار»، على المشرعين لدعم عدم فرض ضريبة متعلقة بالمناخ.

المال السياسي

توضح الكاتبة أن القصد من وراء دفاع الأخوين كوك الشرس عن أفكار السوق الحرة، هو من منطلق الحفاظ على المصلحة الذاتية، حيث إنهما استثمرا أموالهما في الكربون، وأي ضريبة على الأمر يمكن أن تتسبب في تأثير كبير في تجارتهما، خاصة أن «صناعات كوك» تعد واحدة من أكبر منتجي النفايات السامة في الولايات المتحدة، ودخلت في قضايا قانونية وقضائية متعلقة بنشاطاتها التلوثية، حتى إنها دفعت عشرات الملايين من الغرامات لتسوية هذه الحالات. هنا تبين الكاتبة أن الأخوين كوك وحلفاءهما من خلال تمويل الشبكة السياسية التي تحقق مصالحهما، يحافظون على ثرواتهم، ويضمنون عدم إصدار قوانين ضد مصالحهم الفعلية.
تشير أيضاً إلى أنه مع المال السياسي، لا توجد وسيلة سهلة لتحديد أين تنتهي الأيديولوجية؟ وأين تبدأ المصلحة الذاتية ومسألة الفساد؟ وتقف ماير عند العديد من القضايا في التاريخ الأمريكي لضمان الحفاظ على المصالح وإسكات الخصوم. إلا أنها على العموم بذلت جهداً كبيراً في هذا العمل، التي تتوقف فيه أيضاً عند حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أنفق 66 مليون دولار من ثروته ليتم انتخابه، وسار في خط معاكس ل«وول ستريت»، وهو كسياسي دعم نفسه بأمواله من دون الحاجة إلى أصحاب الثروات.
يحتوي هذا العمل على تفاصيل كثيرة أيضاً تتعلق بالعلاقات الاستخباراتية مع التكتلات الاقتصادية السياسية، وكيفية استخدام المال السياسي بطريقة من شأنها أن تهدد القيم الديمقراطية الأمريكية، وتساهم في التأثير في العديد من القرارات المصيرية في عدد من القضايا التي تهم الأمريكيين أولاً والبشرية بشكل عام.

نبذة عن الكاتبة:

جين ماير كاتبة صحفية استقصائية أمريكية، تعمل لصالح مجلة «نيويوركر»، وهي مؤلفة لثلاثة كتب تعد من الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة الأمريكية وهي: «تدمير الرئيس 1984-1988»، مع دويل مكمانوس، و«العدل الغريب: بيع كلارنس توماس»، مع جيل أبرامسون.
وكتابها «الجانب المظلم: كيف تحوّلت الحرب على الإرهاب إلى حرب على المثُل الأمريكية» حيث منحت زمالة «غوغنهايم» لأجله، كما كان هذا الكتاب من بين عشرة كتب أكثر مبيعاً على قائمة صحيفة «نيويورك تايمز».
وحصلت جين ماير على عدد كبير من الجوائز الصحفية من بينها جائزة «ج.أنتوني لوكاس للكتاب»، وجائزة «غولدسميث للكتاب»، وجائزة «إدوارد وينتال»، جائزة «ريدنهاور»، وجائزة «هيلين بيرنشتاين لمكتبة نيويورك العامة للتميز في الصحافة»، وجائزة «روبرت كينيدي للكتاب». كما كانت من بين المرشحين النهائيين لجائزة الكتاب الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية. تعيش ماير في واشنطن العاصمة.

 

تأليف: جين ماير
عرض وترجمة: نضال إبراهيم

 

السلطة والحنكة السياسيّة في العصر الرقمي

السلطة والحنكة السياسيّة في العصر الرقمي

من سيكون في السلطة في القرن الواحد والعشرين؟ الحكومات؟ أصحاب الأعمال الكبيرة؟ عمالقة الإنترنت؟ وكيف يمكننا التأثير في المستقبل؟ يتطرق هذا العمل الذي وضعه توم فليتشر إلى مسألة مهمة، وهي «الدبلوماسية»، متناولاً تاريخها من القرون الوسطى إلى التاريخ الحديث، وصولاً إلى العصر الرقمي الذي فرض أساليب جديدة في اللعبة السياسية على المستوى الدولي، وتأثيرها في الشعوب، ثم يحدد سمات الدبلوماسي الجيد، ومتى يكون العمل الدبلوماسي صعباً ومتى يصبح سهلاً.
يقدم فليتشر في عمله «الدبلوماسيّة العارية: السلطة والحنكة السياسيّة في العصر الرقميّ»، الصادر عن دار «هاربر كولينز» للنشر والذي يقع في 320 صفحة من القطع المتوسط، أمثلة واقعية لكيفية استمرار الدبلوماسية في إيجاد تأثير كبير في حياة الناس، والسبب في مواصلتها القيام بذلك، ويسأل القادة: من تمثل؟ وكيف يمكنك أن تقوم بعملك على نحو أفضل؟
ينقسم الكتاب بعد التمهيد بعنوان «الدبلوماسي الذي وصل في وقت متأخر للغاية»، والمقدمة بعنوان «هنا ترقد الدبلوماسية»، إلى ثلاثة أجزاء: الأول، تاريخ قصير عن الدبلوماسية ويأتي في ستة فصول هي: 1- الدبلوماسية الأولى: من رجال الكهوف إلى القناصل. 2- دبلوماسية عن طريق البحر: من كولومبوس إلى كوبيبويز. 3- أفضل قرن للدبلوماسية. 4- من البريد الإلكتروني إلى المبعوثين. 5- ما الذي يصنع دبلوماسياً جيداً؟
أما الجزء الثاني فهو بعنوان «الحنكة السياسية وحرفة الشارع: القوة والدبلوماسية في عالم متصل». والجزء الأخير: ماذا بعد؟
يستكشف توم فليتشر، السفير البريطاني السابق في لبنان، والذي يعدّ أصغر سفير عين لبريطانيا على مدى 200 عام – المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية المتقدمة في القرن الواحد والعشرين: كيفية تحقيق التوازن بين التدخل والمصلحة الوطنية، واستخدام الحوكمة العالمية من أجل تحقيق الأهداف الوطنية، ووضع برنامج للأنظمة الدولية التمثيلية. ويطرح سؤالاً: هل سيحتاج العالم في السنوات ال 100 المقبلة، إلى التعامل مجدداً مع نفس الكمية من التنمية الاجتماعية في القرون الماضية، من إعادة الولادة للدولة المدينة، والصراع للحصول على الطاقة الجديدة، واختفاء الحدود، إلى رغبة العالم في الانتقال إلى الدول المتقدمة؟
ويستند في ذلك إلى تناول تجربة عدد من القادة الأكثر نفوذاً في عالم السياسة والدبلوماسية، ومن بين من يتطرق إلى تجاربهم: الدبلوماسي الفرنسي شارل موريس تاليران (1754 -1838)، والسياسي الأمريكي هنري كيسنجر، والراحل نيلسون مانديلا، والسياسيان الأمريكيان جون وروبرت كينيدي، حيث يحلل صعود القوة الذكية، والقوة الناعمة، والتدخل الجديد.

تجربة شخصية

يتحدث عن تجربته الشخصية في الدبلوماسية قائلاً: «خلال فترتي كسكرتير خاص، رأيت أن التكنولوجيا تغيّر الحنكة السياسية. تعاملت مع الورقة والقلم مع رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، وأرسلت البريد الإلكتروني الأول مع رئيس الوزراء غوردون براون، وبدأت باستخدام المراسلات على جهاز الآيباد مع رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون». كما يشير إلى أنه في البداية شعرنا بارتباك في التعامل مع الشريط الإخباري على شاشة «سكاي نيوز» التي تتسع ل 140 حرفاً، ثم انتقلنا إلى التغريدات على موقع «تويتر»، والتي أيضاً لا تتسع إلا ل 140 حرفاً، فكان لا بد من الإيجاز وانتقاء الكلمات بعناية، والتأكد من تأثير الكلمات.
ويقول عن ذلك أيضاً: «هذا التغيّر يمثّل تغيرات بنائية أوسع في الاتصالات، وبالتالي المجتمع على العموم. ولدى جيل الإنترنت فرصة أكبر من أي جيل سبقه في مسألة فهم عالمهم، من ناحية الانغماس فيه وتشكيله»، مضيفاً أنه «في السنوات التي تلت الأحداث الإرهابية في نيويورك 11 سبتمبر/أيلول 2001، شهد العالم تحولاً على نحو أكثر من قبل المهووسين الأمريكيين بالحواسيب في مساكن الطلبة أكثر من نشطاء القاعدة في الكهوف. والعالم سوف يتذكر مارك زوكربيرغ لفترة أطول من أسامة بن لادن».
ويشير إلى أن المواطنين من تونس إلى كييف استخدموا هذه الوسائل في تحركاتهم السياسية والاجتماعية وجعلوا من وسائل التواصل الاجتماعي أداة استثنائية. ويقول: «في السنوات القادمة، ربما يقول الناس إن أكثر الأسلحة قوة لم تكن غاز السارين أو القنبلة النووية، بل الهواتف الذكية».

تاريخ الدبلوماسية

كما يقدم موجزاً عن تاريخ الدبلوماسية، بدءاً من شين ويغين، مستشار أحد الأباطرة الصينيين في القرن الثالث، إذ بعد أن خيّب أمل سيده في مساعيه السياسية، انتهى مصيره إلى قطع لحم صغيرة. ويقول الكاتب: «لحسن الحظ، هذا المصير لا ينتظر الدبلوماسيين اليوم، مهما كانت أوجه القصور لديهم».
كما يتوقف عند السفراء الإسبان والفرنسيين في لندن، الذين سعوا إلى التقليل من شأن بعضهما البعض، ويشير إلى أن النقطة البارزة في الدبلوماسية الأوروبية عموماً تعتبر انطلاقاً من مؤتمر فيينا في عام 1815، والتي أرست الأساس لقرن من السلام في أوروبا، ما أتاح نمو الإمبراطورية. كما أدى مؤتمر فيينا إلى ولادة السلك الدبلوماسي على نحو مهني.
ويذكر أنه عندما وصلت الملكة فيكتوريا (1819 – 1902) إلى العرش، كان لبريطانيا ثلاثة سفراء دائمين فقط؛ وعندما توفيت، كان هناك 100 سفير في أرجاء العالم، وانتهى كل هذا الأمر في ألم وبكاء على الصعيد العالمي، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى معاهدة فرساي، والتي بدورها زرعت بذور الحرب العالمية الثانية.
وعن مسألة الثقة بين السياسيين والعامة، اشتكى دبلوماسي فرنسي في 1931 من نشاطات الصحافة التي لا توفّر جواً ملائماً لتنفيذ المخططات السياسية، حيث تخبر الناس بالحقيقة، وهذا ما يصعب مهمتهم، وهذا الأمر يسير بالطبع عكس قيم الحكومات الديمقراطية والمنفتحة على شعوبها، إلا أنه رغم ذلك فالعديد من شعوب العالم المتقدم تجد أن السياسيين يمارسون تضليلاً وخداعاً معهم.
وفليتشر حين يتحدث عن انحدار الثقة في الطبقة السياسية، لا يجدها أزمة، أو على الأقل لم تصبح أزمة حقيقية بعد، خاصة أنه حينما يحدد السمات الأساسية لكل دبلوماسي جيد والتي نلخصها في: البراعة، الشجاعة، الفضول، وامتلاكه القدرة على التواصل مع الجميع. من دون أن يحدد الصدق والنزاهة على القائمة كما علق أحد النقاد عليه لاحقاً.

الدور المتغير للدبلوماسي

ويتناول فليتشر في الجزء الثاني من عمله الدور المتغير للدبلوماسي في عالم شهد تحولاً سريعاً عن طريق صعود السوق العالمية وولادة الإنترنت. ويبين كيفية تعاطي وزارة الخارجية البريطانية مع الدبلوماسيين، ومسألة التطور الدبلوماسي، إذ إنه حتى وقت متأخر من عام 1970، كانت الوزارة تلجأ إلى «دليل الدبلوماسي»، الذي كان يقدم النصيحة للدبلوماسيين، وعن تصرف زوجاتهم، والمرأة الدبلوماسية كان ينبغي عليها أن تقدم استقالتها إذا تزوجت.
كما يوضح أن الدبلوماسيين البريطانيين كانوا يتسمون بالأناقة، ويحصّلون تعليمهم من مجموعة معروفة من الجامعات والمدارس، وأوساطهم كانت نخبوية بامتياز، كما أن مهارة السفير في كتابة برقية أنيقة كانت تزيد من رصيده في عمله. إلا أن ذلك كله تغير في العصر الرقمي الذي فرض تعاملاً جديداً مع الدبلوماسية والسياسية، إذا بات على الدبلوماسي الحديث أن يوسع من قاعدة جمهوره، وأدوات العصر الرقمي من مواقع التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني وغيرها تساعده في القيام بذلك. ومن المتوقع أن يكون الدبلوماسي في الخط الأمامي عندما يتعلق الأمر بتعزيز المصالح التجارية والثقافية والسياسية لبلاده، بالتالي عليه إدراك أسلوب التخاطب مع جمهوره من الصغار والكبار، الأغنياء والفقراء، وجميع الأديان والمذاهب والطوائف.
يؤكد الكاتب أنه على السياسيين والدبلوماسيين التحلي بالمرونة والشجاعة في خوض غمار عالم جديد من العولمة والثورة الرقمية، حيث وتيرة التغييرات متسارعة، ولا شيء يبقى سرياً لفترة طويلة في عصر الشفافية و«ويكيليكس».
ويبين أن الجماعات الإرهابية نفسها لجأت إلى التكنولوجيا الرقمية للترويج لأفكارها، واستقطاب مجندين جدد لها، حيث اتخذتها سلاحاً موجهاً ضدنا. وبالتالي، سواء أحببنا ذلك أو لا، فإن البقاء في هذا العالم الرقمي بات أشبه بمهمة، علينا التحرك فيه بحكمة، وجعل أدواته قوة للخير في وجه الجماعات الظلامية التي تريد أن تفرض سواداً قاتماً على عالمنا.

أدوات الدبلوماسية الحديثة

يوضح الكاتب أن الدبلوماسية تصبح صعبة عندما تكون أمتك أو دولتك أو دينك في انحدار ملموس أو فعلي، إذ يصبح الذهاب إلى البيت الأبيض أكثر صعوبة، والتخطيط للاتصالات الهاتفية أيضاً. وكذلك تصبح صعبة عندما تكون قوتك العسكرية في هبوط أو أن التقشف سائد، أو أن المواطنين أقل رغبة في التضحية لأجل مصالح الدولة. وتصبح الدبلوماسية صعبة أيضاً عندما يفقد المواطنون حس الابتكار والإبداع بسبب العوز والفقر، والتضوّر جوعاً، فالدبلوماسية القوية لا تظهر في أجواء الفساد السياسي والجوع وانعدام القوانين.
ويشير الكاتب إلى أن الدبلوماسية تصبح سهلة عندما تكون القواعد والقوانين واضحة للمواطنين، وعندما يلعب جميع مواطني الدولة على طاولة الشطرنج ذاتها. وتصبح سهلة عندما تكون البلاد في حالة من الصعود، حينها تجد مكالماتك مردود عليها بالسرعة الممكنة، وتجد سهولة في التوسع على صعيد السفارات والوفود الاقتصادية.
وهنا يؤكد الكاتب أنه يترتب على الدبلوماسيين أن يتبنوا الذهنية التي تلائم أدوات العصر الرقمي الجديد الذي يشكل استثناء وثورة. ويقول: «العديد منا ارتكب أخطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الخطأ الأكبر هو عدم التواجد عليها. وكذلك نحن بحاجة إلى السيطرة على هواتفنا الذكية».
وعموماًَ، يقدم الكتاب العديد من المناقشات والحجج والقصص السياسية، كما يظهر تعاطفه مع لبنان وشعبه، والجهد الهائل الذي بذله للتواصل مع هذا البلد الذي يشهد تعقيدات كبيرة على الساحة السياسية.
وفي الختام، يحدد ثلاثة تحديات كبيرة للدبلوماسي في القرن الواحد والعشرين وهي: متى وكيف ينبغي لنا أن نتدخل في حروب الآخرين؟ كيف نبني المؤسسات الدولية التي تصلح لتحقيق أهدافنا البشرية، أبرزها الأمم المتحدة، والتي غالباً ما تصبح عاجزة أمام التنافس بين مصالح الدول الكبرى؟ وكيف يمكننا الحد من عدم المساواة في العالم دون ترك دمار؟
يشكل هذا العمل نداء لنا كشعوب ودول لإعادة التفكير بمكاننا في المجتمع وفي عالمنا المترابط. كما يحثنا على التحلي بالشجاعة والإبداع والاتصال مع الآخرين في عالم يفتقد إلى الدبلوماسية في أجزاء كبيرة منه.

نبذة عن الكاتب:

توم فليتشر هو أستاذ زائر في العلاقات الدولية في جامعة نيويورك، ومستشار لتحالف الأعمال العالمي للتعليم ولأكاديمية الإمارات الدبلوماسية. شغل موقع السفير البريطاني في لبنان من 2011 إلى 2015، ومستشار السياسة الخارجية ل«داوننغ ستريت» لثلاثة رؤساء وزراء من 2007 إلى 2011.
كما يعد فليتشر زميلاً فخرياً في جامعة أكسفورد، يدوّن باسم «الدبلوماسي المجرّد»، ويترأس المجلس الاستشاري الدولي لاتحاد الصناعات الإبداعية، حيث يقوم بالترويج لهذا القطاع الأكثر ديناميكية وجاذبية لبريطانيا في الخارج. وقاد توم فليتشر مؤخراً استعراضاً للدبلوماسية البريطانية لأجل وزارة الخارجية في المملكة المتحدة، ويعمل حالياً على تقرير حول مستقبل الأمم المتحدة للأمين العام الجديد للأمم المتحدة. وهو متزوج من الدكتورة لويز فليتشر، طبيبة نفسانية، ولهما ابنان.

مجانية التعليم العالي وإصلاح الهجرة يحققان المساواة

مجانية التعليم العالي وإصلاح الهجرة يحققان المساواة

مجانية التعليم العالي وإصلاح الهجرة يحققان المساواة

تأليف: بيرني ساندرز

في كتابه حديث الصدور، يحرص السياسي الأميركي المخضرم بيرني ساندرز على عرض وبلورة تجربته الحافلة التي امتدت مؤخراً على مدار الفترة 2015 2016، حين كان مرشحاً في سباق الرئاسة الأميركية.

وفيما يتابع مع قارئ الكتاب مراحل حملته الانتخابية التي استندت إلى طروحاته ومقترحاته، ومن ثم رؤيته كمرشح وسياسي، فقد ركز في الباب الثاني من الكتاب على الحديث عن تفاصيل رؤاه السياسية وتوجهاته الفكرية.

عندما أعلنوا عن اسمه، أثار الإعلان شبه عاصفة من الاستغراب مشوبة بالاستخفاف إن لم يكن الاستهجان: بيرني ساندرز مرشح الحزب الديمقراطي المنافس للمرشحة هيلاري كلينتون في سباق رئاسة الجمهورية الأميركية خلال السباق الرئاسي في موسم 2015 2016.

دارت التساؤلات أولا حول تأثير سن ساندرز الذي قارب الخامسة والسبعين، ودارت ثانياً حول تواضع شهرته كسياسي قادم من أرجاء ولاية فيرمونت شبه المجهولة، ثم دارت ثالثاً، وهذا هو الأهم، حول مضامين ونوعية الشعارات التي طرحها المرشح الذي اشتعل رأسه بشيب التجارب والسنين.

22مجانية التعليم العالي وإصلاح الهجرة يحققان المساواة

 

طروحات اشتراكية

سارع المراقبون السياسيون إلى وصف شعارات بيرني ساندرز بأنها طروحات اشتراكية وأفكار ودعوات لم يألفها المسرح السياسي من قبل في الولايات المتحدة، لا على ألْسنة الديمقراطيين بطبيعة الأحوال، ولا على ألسنة الجمهوريين.

لكن ساندرز خاض غمار المنافسة الانتخابية ضد هيلاري واستطاع أن يحوّل حملته الانتخابية ودعوته السياسية من خانة الهامشية على حد وصف ميديا الإعلام، إلى حيث ترسخت جذورها في أرضية الواقع الأميركي من الآن وحتى مراحل مقبلة من السنوات.

ثم ها هو يتحدث عن خلاصة هذه التجارب في كتابه الصادر في الأيام الختامية من العام الماضي وقد اختار له العنوان التالي: ثورتنا، كما اختار في تصدير الكتاب الشعار نفسه الذي كان معتمداً طوال حملته الانتخابية وهو: نحو مستقبل نؤمن به.

سحابات الانزواء

والحاصل أنه فيما تغلبت عليه هيلاري، ثم ما لبثت أن واجهت هزيمتها المعروفة على يد الرئيس (المستجّد) دونالد ترامب، ولدرجة باتت تؤذن في حالة كلينتون بسحابات الانزواء والغروب، إلا أن بيرني ساندرز مازال يمثل نموذجاً جديداً في مضمار الفكر والعمل السياسي في بلاده، بل يجسد،، قطباً جاذباً لأجيال الشباب الأميركي جيل الألفية أو الألفيين كما يسمونهم ممن لم تعد تجذبهم أو تقنعهم شعارات الساسة في بلادهم بما في ذلك رموز الحزبين الديمقراطي والجمهوري على السواء.

• كتاب ثورتنا يتألف من 16 فصلا يضمها بابان محوريان:

• الباب الأول (6 فصول) يسرد فيه مؤلفنا وقائع تجربته كمرشح رئاسي ثان كما قد نصفه عن الحزب الديمقراطي، ويحرص على تقصي جذور اهتماماته السياسية ما بين نشأته المتواضعة في بروكلين – نيويورك، وصولا إلى تنصيبه نائباً عن فيرمونت، الولاية المتواضعة، عضواً في الكونغرس ما بين مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ.

وهنا أيضاً يؤكد الكتاب على أن مؤلفنا ظل متمسكاً على مدار هذه الصفات البرلمانية التي بدأت في عام 1990 ومازالت مستمرة حتى الآن بصفته كسياسي مستقل فكراً ومبادئ وتوجهات.

أما الباب الثاني من هذا الكتاب (10 فصول) فيبسط فيه بيرني ساندرز تفاصيل منهجه العقائدي ورؤاه السياسية ما بين تأكيده على ضرورة التصدي للأقلية (الاليغاركية) المسيطرة على الحياة السياسية في أميركا، وهو ما أدى في تصوره إلى تراجع موقع الطبقة الوسطى، إلى ضرورات إصلاح أوجه الخلل في الاقتصاد، وتعميم خدمات الرعاية الصحية لصالح الجميع.

ومكافحة تغيرات المناخ (الكوكبي) والمبادرة من الآن فصاعداً كما يؤكد المؤلف إلى إصلاح قوانين الهجرة فضلا عن وقوف الدولة المؤسسة السياسية ودوائر النظام الحاكم في واشنطن إلى جانب أشد طبقات المجتمع الاميركي تواضعاً واستضعافاً.

قناعة

نلاحظ في السياق نفسه، أن المؤلف يُولي أهمية خاصة لقضية إصلاح التعليم العالي، ومن ثم جعله متاحاً لجميع مستحقيه من أفراد الشعب الأميركي. وهو يصدر في هذا الإطار بالذات عن قناعته العميقة التي يعبر عنها على النحو التالي: في القرن 21 لم يعُد نظام التعليم العام من الروضة إلى المدرسة الثانوية صالحاً بما فيه الكفاية.

فالعالم يتغير والتكنولوجيا تتغير وكذلك الاقتصاد. وإذا ما كان لنا (الأميركيون طبعاً) أن ننجح في غمار الاقتصاد العولمي التنافسي وبحيث تتوافر لدينا أفضل قوة عمل في العالم، فلابد أن يصبح التعليم مجانياً على مستوى الكليات والجامعات الحكومية.

عن التعليم والمساواة

ثم يعاود المؤلف التأكيد على الربط بين عنصر التعليم (ومجانيته)، وبين سبل تحقيق العدل الاجتماعي والمساواة بين طبقات وفئات المجتمع، ويضيف قائلا: المشكلة أنه مع ارتفاع نفقات التعليم إلى حد لم تعد تطيقه الأسر العاملة بكل ما تحمله على كاهلها من ديون، إذا بالتعليم العالي (بالجامعات والمعاهد الاختصاصية العليا) وقد أدى إلى تفاقم حالة اللامساواة الاجتماعية بدلا من تخفيف وطأتها.

وقبل أن يصل مؤلفنا إلى خاتمة هذا الكتاب يطالب في الفصل الثامن بإصلاح نظام هجرة الوافدين إلى أرض الولايات المتحدة.

 

عرض ومناقشة: محمد الخولي

 

 

«الرأسمالية» في غرفة الإنعاش

العملية الديمقراطية تواجه خطراً كبيراً في العالم

«الرأسمالية» في غرفة الإنعاش

«الرأسمالية» في غرفة الإنعاش

 

 

تأليف: فولفغانغ ستريك – 
بعد سنوات من اعتلال صحة الرأسمالية، تعيش الآن في حالة حرجة جداً، وتسبب إشكاليات كبرى في النظام السياسي العالمي، الذي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن أي أزمات اقتصادية حاصلة، وحروب تخاص باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذا النظام الرأسمالي خلق الحروب، والمجاعات، وفرض حالة كبيرة من عدم المساواة، وعدم الاستقرار الاجتماعي، لخدمة مصالح فئة قليلة متحكمة. الشعوب لم تعد تثق بهذا النظام، لكن متى سينتهي؟ وما هو البديل له؟
يحاول المحلل الألماني البارز فولفغانغ ستريك في عمله الجديد «كيف ستنتهي الرأسمالية؟ مقالات حول نظام فاشل» (صادر أواخر 2016 عن دار «فيرسو» البريطانية في 259 صفحة من القطع المتوسط)، أن يوضح أن العالم على وشك أن يتغير. فالزواج بين الديمقراطية والرأسمالية يقترب من نهايته، بسبب دفعه إلى لم شمل شركاء غير ملائمين معاً في ظل الحرب العالمية الثانية. فالمؤسسات التنظيمية التي قيدت ذات مرة تجاوزات القطاع المالي قد انهارت، وبعد الانتصار النهائي للرأسمالية في نهاية الحرب الباردة، ليس هناك من قوة سياسية قادرة على دحر تحرير الأسواق.
ويشير إلى أن عالمنا أصبح عالماً يعيش تحت رحمة انخفاض النمو، وحكم القلة، وتقلص القطاع العام، والفساد المؤسسي، والفوضى الدولية، وليس من علاج شافٍ في متناول اليد لهذه الأمراض الخطيرة التي تخلف الحروب بين الشعوب والدول، وتترك كوارث بيئية وسياسية واقتصادية واجتماعية في كافة الأرجاء.
وقد أوضح هذا في العام 2014، عند نشره لمقال مهم في عام 2014 في مجلة «نيو ليفت»، حيث أوضح فيه كيف أن الرأسمالية وصلت إلى نهايتها، وذلك من خلال مناقشة العديد من العوامل التي دفعت إلى ذلك. وذكر فيه أن الرأسمالية المعاصرة وصلت لهذه النقطة بسبب خمسة عوامل هي: انخفاض النمو، حكم الأوليغارشية، وتجويع الجمهور العام، والفساد السياسي، والفوضى الدولية. وأكد في مقاله، أنه في الوقت الحاضر لا توجد قوة سياسة فعلية لمواجهتها، وسوف تستمر في التراجع والضمور حتى تصل إلى نقطة الانتهاء. ووسع أفكاره حول هذا الموضوع في هذا العمل الذي بين يدينا.
يأتي العمل في 11 فصلاً بعد المقدمة هي بالترتيب: كيف ستنتهي الرأسمالية؟، أزمات الرأسمالية الديمقراطية، المواطنون كعملاء: آراء حول السياسة الجديدة للاستهلاك، صعود حالة التماسك الأوروبية، الأسواق والناس: الرأسمالية الديمقراطية والتلاحم الأوروبي، هيلر وشميت واليورو، لماذا يقسم اليورو أوروبا؟ تعليقات على البروفسور وولفغانغ ميركل: هل الرأسمالية متوافقة مع الديمقراطية؟، كيف تدرس الرأسمالية المعاصرة؟، عن البروفسور الأمريكي فريد بلوك: مجموعة منوعة من ماذا؟ هل ينبغي علينا اللجوء إلى استخدام مبدأ الرسمالية؟، والفصل الحادي عشر: مهمة علم الاجتماع العامة.

صراعات وتناقضات

سبق للكاتب أن نشر بعض فصول العمل، خمسة منها في مجلة «نيوليفت» بين 2011 و2015، وكتب فصلين أساساً باللغة الألمانية، والباقي باللغة الإنجليزية. وعمله هذا يدخل في التحليل السياسي الاقتصادي، الذي يجدهما مترابطين في تناول مسألة كبيرة مثل الرأسمالية، خاصة عند تناول عواقب الأزمة المالية في 2008 على العلوم الاجتماعية والنظرية السوسيولوجية، والسوسيولوجيا السياسية وعلاقتها مع الاقتصاد السياسي. ويعلق الكاتب في تمهيده على ما بذله من جهد: «هدف الكتاب هو إثارة المزيد من التفكير حول كيف سيصل النظام الرأسمالي إلى نهايته في المستقبل، حتى وإن لم يكن له من دون بديل في الأفق».
يبدأ الكاتب مقدمته بالقول إن الرأسمالية كانت على الدوام تكويناً اجتماعياً غير محتمل، فهي مليئة بالتناقضات والصراعات، بالتالي فهي بشكل دائم غير مستقرة، وفي حالة تغير مستمر، وتقوم بالدعم على أسس مشروطة وغير ثابتة، بالإضافة إلى فرضها تقييدات على المؤسسات والأنشطة.
ويشير إلى أن الرأسمالية تقدم وعوداً بنمو غير محدود للثروة المادية السلعية في عالم محدود، وذلك من خلال ضم نفسها إلى عالم التكنولوجيا والعلوم الحديثة، لتجعل من المجتمع الرأسمالي المجتمع الصناعي الأول، ومن خلال التوسع اللانهائي للأسواق الحرة الخطرة.
ويتطرق إلى التوترات والتناقضات ضمن الترتيب الاقتصادي السياسي الرأسمالي، والتي تؤدي منذ الآن إلى احتمالية الانهيار الهيكلي والأزمة الاجتماعية. ويقول: «إن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي تحت الرأسمالية الحديثة يجب أن يكون مؤمناً على خلفية قلق منتظم تنتجه التنافسية والتوسع، وهو سلوك توازني صعب مع نتيجة غير مؤكدة على الدوام».

الافتقاد إلى المركز

يشير الكاتب إلى أن الرأسمالية العالمية تحتاج إلى مركز لتأمين المنطقة المحيطة بها وتزويدها بنظام نقدي موثوق. فحتى سنوات 1920، كانت بريطانيا تقوم بهذا الدور، ومنذ العام 1945 وحتى 1970 تكفلت به الولايات المتحدة؛ وشهدت السنوات بين هذين الانتقالين، التي كان فيها المركز في عداد المفقودين، وكانت قوى مختلفة تتطلع لتضطلع بهذا الدور، فترة من الفوضى السياسية والاقتصادية على المستوى العالمي. ويؤكد أن العلاقات المستقرة بين عملات الدول المشاركة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي ضرورية لتدفقات التجارة ورأس المال عبر الحدود الوطنية، والتي هي بدورها أساسية لتراكم رأس المال؛ وهي تحتاج إلى ضامن مصرفي على المستوى العالمي يعتبر ملاذاً أخيراً. كما أن مركزاً فعالاً أيضاً مطلوب لدعم الأنظمة في المحيط الراغبة في التغاضي عن استخراج المواد الخام بكلفة منخفضة. وعلاوة على ذلك، هناك حاجة إلى التعاون المحلي لكبح جماح المعارضة التقليدية للاستعمار الرأسمالي خارج العالم المتقدم.

فوضى عالمية

ويذكر الكاتب أن الرأسمالية المعاصرة تعاني على نحو متزايد الفوضى العالمية، حيث إن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على القيام بدورها الذي أدته بعد الحرب العالمية الثانية، وليس هناك من نظام عالمي متعدد الأقطاب يلوح في الأفق. ورغم أنه لم تقع اشتباكات بين القوى العظمى، ولكن يتم التنازع على وظيفة الدولار كعملة احتياط دولية، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، نظراً لتدهور أداء الاقتصاد الأمريكي، وارتفاع مستويات الدين العام والخاص، والتجربة الأخيرة للعديد من الأزمات المالية المدمرة للغاية.
أما مسألة البحث عن بديل دولي، وربما في شكل سلة عملات، أمر صعب لأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تثقل كاهلها بالديون عبر عملتها. وعلاوة على ذلك، قامت منظمات دولية باتخاذ تدابير لتحقيق الاستقرار بناء على طلب واشنطن على نحو متزايد، لكنها خلفت آثاراً زعزعت استقرار الدول التي على هامش النظام، كما هو الحال بالنسبة للفقاعات التضخمية في دول مثل البرازيل وتركيا.
عسكرياً، الولايات المتحدة خاضت حتى الآن ثلاث حروب برية واسعة إما هزمت فيها أو وصلت إلى طريق مسدود منذ 1970، وربما تكون في المستقبل أكثر تردداً في التدخل في الصراعات المحلية مع «قوات على الأرض»، إذ يتوقع الكاتب أن تقدم على نشر وسائل متطورة جديدة من العنف لطمأنة الحكومات المتعاونة معها، وخلق حالة من إرساء الثقة في الولايات المتحدة باعتبارها التي تفرض القوانين العالمية المتعلقة بحقوق ملكية القلة، وكملاذ آمن للعائلات الأوليغارشية وثرواتهم.

ويقول الكاتب أيضاً: «ربما تلجأ من ضمن ما تلجأ إليه الولايات المتحدة إلى استخدام «القوات الخاصة» السرية للغاية للبحث عن أعداء محتملين. واستخدام طائرات من دون طيار أكثر تطوراً قادرة على قتل أي شخص في أي مكان تقريباً في العالم. والقيام بحبس وتعذيب عدد غير معروف من الناس في جميع أنحاء العالم عبر نظام معسكرات اعتقال سرية. وتقوم بمراقبة شاملة لأية معارضة محتملة في كل مكان بمساعدة تكنولوجيا «البيانات الكبيرة». وإذا كان هذا كافياً لاستعادة النظام العالمي، خاصة في ظل صعود الصين باعتبارها قوة اقتصادية مؤثرة، وإلى حد أقل، منافساً عسكرياً للولايات المتحدة، لكن مع ذلك، ينطوي الأمر على شك.

مشكلة مع الديمقراطية

يشير الكاتب إلى أنه عند مناقشة الأزمة ومستقبل الرأسمالية الحديثة، يجب أن نتحول إلى تناول السياسة الديمقراطية. إذ كانت الرأسمالية والديمقراطية على خصومة لفترة طويلة، حتى بدا أن تسوية ما بعد الحرب قد قامت بالمصالحة بينهما. في القرن العشرين، كان أصحاب رؤوس الأموال مذعورين من أن تلغي القوانين الديمقراطية الملكية الخاصة، في حين توقع العمال ومنظماتهم من الرأسماليين أن يمولوا العودة إلى الحكم الاستبدادي للدفاع عن امتيازاتهم.
ويذكر أنه فقط في فترة ما بعد الحرب الباردة أصبحت الرأسمالية والديمقراطية متماشيين مع بعضهما بعضا، والتقدم الاقتصادي جعل أغلبية الطبقة العاملة تقبل بالسوق الحرة، ونظام الملكية الخاصة، وهذا بدوره جعل هذه الحرية الديمقراطية تبدو وكأنها جزء لا يتجزأ من حرية الأسواق والربح، وتعتمد في الواقع عليها. لكنه يؤكد أنه «اليوم، مع ذلك، فقد عادت الشكوك بقوة حول مدى التوافق بين الاقتصاد الرأسمالي مع نظام الحكم الديمقراطي. إذ إن هناك شعورا سائدا بين الناس العاديين، بأن السياسة لم تعد قادرة على أن تحدث فرقاً يذكر في حياتهم، خاصة أمام حالة الجمود وعدم الكفاءة والفساد المتزايد بين الطبقة السياسية التي تقوم بخدمة مصالحها، وتتحد في ادعائها بأنه «ليس هناك بديل» لها ولسياساتها. وإحدى النتائج التي نراها هي انخفاض الإقبال الانتخابي إلى جانب تقلب الناخبين العالي، وإنتاج أكبر قدر من التجزئة الانتخابية، وذلك بسبب صعود الأحزاب «الشعبوية»، وعدم استقرار الحكومات السائدة».
ويقول الكاتب أن شرعية الديمقراطية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت على أساس فرضية أن الدول لديها القدرة على التدخل في الأسواق وتصحيح نتائجها في مصلحة المواطنين, لكن عقودا من تزايد عدم المساواة ألقى ظلالاً من الشك على هذا، وكذلك عجز الحكومات قبل وأثناء وبعد أزمة عام 2008.
ويعلق: «الموضوع الرئيسي من الخطاب المعادي للديمقراطية الحالي هو الأزمة المالية للدولة المعاصرة، كما يتجلى في الزيادة المذهلة في الدين العام منذ سنوات السبعينات من القرن الماضي»، ويضيف: «يتم زيادة المديونية العامة بهدف الوصول إلى الأغلبية الانتخابية، ونجد السياسيين الانتهازيين يشترون تأييد الناخبين قصيري النظر بالأموال التي لم تكن لهم يوماً من الأيام».
يجد الكاتب في خاتمة عمله أن العملية الديمقراطية تواجه خطرا كبيرا في العالم، بسبب الفوضى السياسية التي ترتبط ارتباط وثيقاً بالأزمات الاقتصادية التي تخلفها الرأسمالية على حساب الفقراء والبسطاء في العالم، ومما يقوله: «عند هذه النقطة، يبدو واضحاً أن الإدارة السياسية للرأسمالية الديمقراطية قد تراجعت بشكل حاد في السنوات الأخيرة، وفي بعض البلدان أكثر من غيرها، ولكن بشكل عام أيضاً، في النظام السياسي والاقتصادي العالمي الناشئ. ونتيجة لذلك يبدو أن المخاطر في تزايد مستمر، سواء على صعيد الديمقراطية أو الاقتصاد».

نبذة عن المؤلف

فولفغانغ ستريك أستاذ جامعي ومحلل سياسي واقتصادي ألماني من مواليد 1946. مدير معهد «ماكس بلانك للبحوث الاجتماعية في كولونيا، وأستاذ علم الاجتماع» في جامعة كولونيا. وهو عضو فخري في جمعية تقدم الاقتصادات الاجتماعية، وعضو في أكاديمية برلين براندنبورغ للعلوم، فضلاً عن أكاديمية يوروبايا. تركز أبحاثه على تحليل الاقتصاد السياسي للرأسمالية. وقد كتب على نطاق واسع في الاقتصاد السياسي الألماني، ومؤخراً كتب عن سياسة التقشف وتأثيرها في سياسات الاتحاد الأوروبي، وصعود ما أسماه بدولة الديون نتيجة الثورة الليبرالية الجديدة من سنوات الثمانينات، ومستقبل الاتحاد الأوروبي الذي يشهد تخبطاً في سياساته، وله العديد من المؤلفات منها: «شراء الوقت: تأخر أزمة الرأسمالية الديمقراطية».

عرض وترجمة:نضال إبراهيم

 

«سي آي إيه» تتآمر على البشر!

«سي آي إيه» تتآمر على البشر!

سي آي إيه تتآمر على البشر

 

تأليف: ديفيد إتش برايس

استخدمت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية طوال الحرب الباردة (1947-1991) العلوم الاجتماعية في سبيل تحقيق أهدافها، فكان للعديد من العلماء مساهمة في إراقة الدماء والتسبب في معاناة شعوب بريئة. يلقي هذا الكتاب الضوء على العلاقة بين علماء الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) والمخابرات الأمريكية والبنتاغون وكيفية الاستخدام المزدوج للمشاريع البحثية الصادرة عن العلماء والمتخصصين في هذا الحقل طوال الحرب الباردة.
يتطرق هذا العمل البحثي إلى العلاقات السرية والعلنية بين وكالات الجيش / المخابرات وعلماء الأنثروبولوجيا في الولايات المتحدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حرب فيتنام. ويبدأ الكاتب عمله بمقولة لعميل سابق لوكالة المخابرات المركزية في الولايات المتحدة المعروفة اختصاراً ب«سي آي إيه» وهي: «بعد كل ذلك، لا تعتبر وكالة المخابرات المركزية سوى أنها الشرطة السرية للرأسمالية الأمريكية، التي تقوم ليل نهار بسد التسريبات التي تحدث في السدّ السياسي، لكي يستمتع أصحاب الشركات الأمريكية العاملون في الدول الفقيرة بنهب مقدرات شعوبها».

ضدّ حقوق الإنسان

يشير الكاتب برايس إلى أن نهاية الحرب العالمية الثانية تركت الولايات المتحدة في موقف نادر بين المنتصرين، إذ لم تكن أمريكا الدولة الوحيدة على الأرض التي تمتلك سلاحاً جديداً قادراً على تسوية مدن بالأرض على نحو فوري وبشكل كامل، لكن عدم إلحاق الضرر بجبهتها الصناعية أعطاها الفرص الاقتصادية الحصرية التي جعلتها تمتد عالمياً.
ويرى أن الولايات المتحدة دخلت حينها عصراً من الازدهار الاقتصادي لم يشهده العالم من قبل، معلقاً: «مع نظام اقتصادي عالمي متمدد، وبطء في تعافي الكثير من دول العالم من أضرار الحرب، وجدت أمريكا نفسها مع ما وصفها سراً في 1948 جورج كينان مهندس الحرب الباردة، والذي كان يدعو إلى احتواء الاتحاد السوفييتي: «دولة بيدها حوالي 50 في المئة من ثروة العالم، لكن فقط 6.3 في المئة من سكانها يتمتعون بها.. في هذا الوضع، نكون مثار حسد واستياء. مهمتنا الحقيقية في الفترة المقبلة هي ابتكار نمط من العلاقات التي من شأنها أن تسمح لنا بإبقاء هذا الوضع من التفاوت… للقيام بذلك، علينا أن نتخلى عن العاطفية وأحلام اليقظة، واهتمامنا سوف يكون منصباً في كل مكان على أهدافنا القومية الآنية… يجب أن نتوقف عن الحديث عن الغموض والأهداف غير الواقعية مثل حقوق الإنسان ورفع معايير مستوى المعيشة والديمقراطيات».
ويعلق البروفيسور ديفيد برايس على ما قاله كينان مخطط السياسات الخارجية الأمريكية في سنوات الأربعينات والخمسينات قائلاً:»فهمَ كينان أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة لا يمكنها بشكل جدي أن تدعم الجهود لتحسين حقوق الإنسان، ورفع معايير مستوى المعيشة، وإدخال إصلاحات ديمقراطية فعلية. ومع ذلك، فقد قلل من أهمية الحاجة «للحديث عن» هذه الأهداف غير المنطقية والغامضة كأدوات البروباغندا الدولية والمحلية. استهزاء كينان كان مرتبطاً بعدم قدرة العديد من علماء الاجتماع الأمريكيين حينها على الاعتراف بأن مثل هذه التحفيزات التي تكون في خدمة مصالح ذاتية تتموضع في قاعدة العديد من البرامج والسياسات الخارجية الأمريكية في فترة الحرب الباردة المرتبطة بالأكاديميين الأمريكيين».
ويتحدث عن نهاية الحرب التي جلبت الشك لوكالات المخابرات الأمريكية، إذ إنه بموجب قانون تنفيذي أصدره الرئيس ترومان، تم حل مكتب الخدمات الاستراتيجية المعروف اختصاراً ب«OSS» في 1 أكتوبر/تشرين الأول 1945، وأوكلت مهام المخابرات إلى وزارتي الخارجية والحرب، ويتناول الفترة التي سبقت تأسيس وكالة المخابرات المركزية «سي آي إيه» فكانت حوالي 664 يوماً، قامت المخابرات خلالها ببعض وظائفها إلا أنها شهدت خللاً مؤسساتياً في أدائها.

علاقة ملتبسة

يتناول هذا العمل في سرد دقيق ومفصل العلاقات المتنوعة بين علماء الأنثروبولوجيا (الدراسة العلمية للإنسان وسلوكه وأعماله) الأمريكية ووكالات الاستخبارات في الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية إلى حرب فيتنام. وقد سبق للمؤلف أن ناقش في أعماله السابقة علماء الأنثروبولوجيا الذين كانوا يعملون للدولة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، واضطهاد علماء الأنثروبولوجيا تحت المكارثية.
لجأ الكاتب خلال بحثه إلى مجموعة ضخمة من المواد الأرشيفية من مذكرات ووثائق غير منشورة طلبها من وكالة المخابرات المركزية في الولايات المتحدة ووزارة الدفاع «البنتاغون»، وهياكل الدولة الأخرى.
ويقدم فيه تحليلاً دقيقاً لتواطؤ علماء الأنثروبولوجيا مع أجهزة الدولة الأمريكية خلال الحرب الباردة، مقسماً عمله إلى قسمين، يتناول فيهما بشكل عام التغيرات في موقف أغلبية أشكال الانضباط والسلوك بشأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، حيث تغيرت من موقف الانحياز إلى الاعتراض.
يأتي القسم الأول بعنوان «البنية الانضباطية السياسية والاقتصادية في الحرب الباردة»، يركز فيه الكاتب على تطور علاقات الانضباط والسلوك مع أجهزة الاستخبارات بعد الحرب العالمية الثانية.
ويؤطر برايس حجته في سياق تغير السياسة الخارجية للولايات المتحدة حينها من مكافحة الفاشية والشمولية إلى تبني سياسات التحديث والتطوير الاستعمارية الجديدة.
ويناقش فيه الروابط بين أجهزة الاستخبارات الفيدرالية ما بعد الحرب العالمية الثانية وعلماء الأنثروبولوجيا، بالإضافة إلى هياكل التمويل الكبيرة مثل وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية ( USAID). ويتناول على نطاق واسع تأثير البيئة السياسية في تطور أي شكل من أشكال العلوم.
ويتألف هذا القسم من خمسة فصول هي: أولاً، الاقتصاد السياسي وتاريخ المخابرات الأمريكية في الحرب الباردة. ثانياً، الظل الطويل للحرب العالمية الثانية. ثالثاً، إعادة توظيف الأنثروبولوجيا المهنية في عالم ما بعد الحرب. ثالثاً، بعد الحرب: المراكز واللجان والندوات، ومشاريع الحرب الباردة الأخرى. رابعاً، علماء الأنثروبولوجيا والدولة: المساعدات، والديون، وأسلحة الحرب الباردة الأخرى للأقوياء. خامساً، اللحن الفاصل.

عسكرة الأبحاث الاجتماعية

وفي القسم الثاني من الكتاب بعنوان «ارتباط علماء الأنثروبولوجيا مع حالة الأمن القومي» يركز فيه برايس عبر تحليل دقيق على علماء أنثروبولوجيا ومؤسسات معينة، بما فيها الهياكل الأكاديمية مثل»مؤسسة آسيا وعلماء الأنثروبولوجيا المستقلون»مثل جيرالد هيكي. ويناقش برايس أيضاً تأثير القلق المتزايد لعلماء الأنثروبولوجيا في كل من التورط العلني والسري مع الدولة التي غلبت عليها العسكرة، وبلغت ذروتها في أواخر ستينات القرن الماضي، حيث تغلغلت فصائل راديكالية في اتحاد الأنثروبولوجيا الأمريكية من خلال مدونة قواعد السلوك.
ويدعو إلى معاينة نقدية ومستمرة للتاريخ والأعمال المعاصرة لعلاقات الاستخدام المزدوج، ويجد أنه مع الأزمات المتكررة والجهود التضليلية التي تجري لا بد من حل المشكلات السياسية باستخدام الأخلاق، وليس السياسة، مركزاً على انعدام الأخلاق لدى الكثير من السياسيين الأمريكيين وحلفائهم في المخابرات والجيش.
ويتكون هذا القسم من تسعة فصول هي: أولاً، أنثروبولوجيو الحرب الباردة في وكالة المخابرات المركزية. ثانياً، كيف تمول وكالة المخابرات المركزية الأمريكية البحوث الأنثروبولوجية؟ ثالثاً، أنثروبولوجيون متعاونون مع وكالة المخابرات المركزية بشكل غير مقصود. رابعاً، العمل الميداني في الحرب الباردة داخل عالم المخابرات. خامساً، أحلام مكافحة التمرد الأنثروبولوجية في الحرب الباردة. سادساً، اتحاد علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين يتصدى لاستعمال الجيش والمخابرات للمعرفة التأديبية. سابعاً، مكافحة التمرد المبلغ عنه بشكل أنثروبولوجي في جنوب شرق آسيا. ثامناً، علماء الأنثروبولوجيا لأجل العمل السياسي الراديكالي والثورة داخل اتحاد علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين. تاسعاً، فك الأسرار المفتوحة، التواريخ المخفية، الغضب المرفوض، مواضيع الاستخدام المزدوج المتكررة.

الاستخدام المزدوج

يعتمد تحليل ديفيد برايس على إطار الأنثروبولوجيا «ذات الاستخدام المزدوج»، ويذكر أن مصطلح «الاستخدام المزدوج» المعتمد من العلوم الفيزيائية، يشير إلى العلاقات التكافلية، غالباً غير المعترف بها، بين العلوم «التطبيقية» و«النقية»، مع إيلاء أهمية خاصة لاستخدام العلم من قبل الجيش ولأجله.. وفي مسألة وصف العلاقات بين الانضباط السلوكي والأخلاقي والجيش، يجد برايس أنه كان هناك درجات مختلفة من التواطؤ.
ويقول إنه أولئك الأنثروبولوجيون الذين آمنوا بأن عملهم كان محايداً من الناحية السياسية، كان في كثير من الأحيان متهوراً وغير محايد – في بعض الأحيان بشكل مقصود جداً – فيما يتعلق ب«التحالفات غير المفحوصة» مع الدولة المعسكرة. وبالتالي، في تحليله يتم وصف عدد قليل نسبياً من الجهات والمؤسسات التي تعمل بشكل مباشر مع أجهزة الاستخبارات العسكرية، والجزء الأكبر من تحليله يذهب إلى مؤسسات وهياكل التمويل التي فتحت الأبحاث لمناطق مختلفة، دفعت للتدريب على اللغة، وروجت للمنح الدراسية في مجلات معينة.. إلخ.
ويقول برايس إن هذه العلاقات الأخيرة شكلت في النهاية الأنثروبولوجيا من خلال الترويج لمناطق جغرافية معينة تحظى باهتمام أجهزة الاستخبارات، وكذلك من خلال الوسط السياسي العام الذي تم من خلاله إنتاج المنح الدراسية.

انعدام البوصلة الأخلاقية

يشير البروفيسور ديفيد برايس في نهاية عمله إلى الأنثروبولوجي الأمريكي الشهير ابن ال86 عاماً مارشال ساهلينز، الذي استقال في 2013 من الأكاديمية الوطنية للعلوم بسبب اعتراضه على أن الأكاديمية كانت تستخدم أعضاءها الأنثروبولوجيين في السعي إلى العمل لأجل مشاريع بحثية بتمويل من معهد البحوث العسكرية.
وفي رسالة استقالته، وصف ساهلينز إدراكه المتزايد بالطرق التي ساهمت فيها الأكاديمية بشرعنة العلوم الاجتماعية المعسكرة، والتي قادته إلى نقطة لم يتمنَ أن يكون طرفاً في مساعدة ودعم مشاريع بحثية تساهم في بحوث اجتماعية علمية لأجل تحسين الأداء القتالي للجيش الأمريكي، الذي يجده نهب دماء وثروة وسعادة الشعب الأمريكي، وتسبب في فرض معاناة على شعوب كثيرة في حروب لم يكن من داع لها.
يشكل هذا الكتاب مصدراً مهماً للقراء والمتخصصين والأكاديميين على وجه الخصوص في الاطلاع على تأثير تيارات التمويل في صنع القرار العلمي والبوصلة الأخلاقية التي يجد الكاتب أنها وصلت إلى مرحلة خطرة، وتحتاج إلى مراجعة شاملة، نظراً للكوارث التي يعانيها سكان مناطق ودول كثيرة في العالم.

من هو إتش برايس؟

ديفيد إتش برايس بروفيسور أمريكي من مواليد 1960، يعمل حالياً أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة سانت مارتن في لاسي، بواشنطن. أجرى العديد من الأبحاث والمهام الميدانية الأنثروبولوجية والأثرية في الولايات المتحدة وفلسطين ومصر واليمن. وهو عضو مؤسس لشبكة علماء الأنثروبولوجيا المعنيين، ويساهم بكتابته بشكل مستمر في موقع «Counterpunch»، وغيرها من المجلات والمواقع الرصينة. كتب ثلاثية تاريخية صادرة عن جامعة ديوك الأمريكية شمالي كاليفورنيا تناول فيها تفاعلات علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين مع وكالات الاستخبارات. الكتاب الأول بعنوان»الاستخبارات الأنثروبولوجية: استخدام وإهمال الأنثروبولوجيا الأمريكية في الحرب العالمية الثانية، (2008)، يوثق فيه المساهمات الأنثروبولوجية في الحرب العالمية الثانية. أما الكتاب الثاني فهو بعنوان «تهديد الأنثروبولوجيا: المكارثية واضطهاد مكتب التحقيقات الفيدرالي لعلماء الأنثروبولوجيا الناشطين (2004)، يعاين فيه الآثار المكارثية في علماء الأنثروبولوجيا. أما الكتاب الثالث فهو الذي بين يدينا بعنوان «أنثروبولوجيا الحرب الباردة: سي آي إيه والبنتاغون، ونمو أنثروبولوجيا الاستخدام المزدوج»، صادر في أواخر 2016 في 488 صفحة من القطع المتوسط، ومن كتبه أيضاً «تسليح الأنثروبولوجيا: العلوم الاجتماعية في خدمة الدولة المعسكرة» (2011، كاونتر بونج) يعاين فيه بشكل نقدي الاتجاهات الحالية في عسكرة الأنثروبولوجيا والجامعات الأمريكية.

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

 

التعليم مفتاح إتاحة الفرص المتكافئة

التعليم مفتاح إتاحة الفرص المتكافئة

تأليف: فرانسوا بورغينون

%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%85%d9%81%d8%aa%d8%a7%d8%ad-%d8%a5%d8%aa%d8%a7%d8%ad%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%83%d8%a7%d9%81%d8%a6%d8%a9

 

صدر أصل هذا الكتاب بالفرنسية، ونشرت ترجمته الإنجليزية في عام 2015. وما برحت هذه المعلومة مهمة في ضوء اقتران هذا الكتاب بنظير آخر صدر بدوره بالفرنسية للباحث الأكاديمي الفرنسي الشاب توماس بيكيتي تحت عنوانه الشهير «رأس المال».

وبعد صدور كتاب البروفيسور بورغينون عن »عولمة اللامساواة« عمد المحللون إلى التعامل مع الكتابين من منظور مشترك، أولاً لأن كلا المؤلفين أستاذ في كلية باريس للاقتصاد، وثانياً لأنهما لا يزالان مهتميْن بقضايا اللامساواة في المجال الاقتصادي، الاجتماعي، سواء على مستوى المجتمعات القومية القطرية أو على مستوى مجتمع الدول الراهن الذي أصبح محكوماً بظاهرة العولمة.

مع هذا، فمن النقاد مَنْ تعامل مع هذا الكتاب على أنه يصدر عن نَفَس هادئ، بحكم أن مؤلفه، البروفيسور أستاذ جامعي مخضرم، وبالتالي فقد توخى في كتابه اتباع أسلوب يرتبط بالواقع العملي الملموس، فيما جاء كتاب بيكيتي حافلاً بالأفكار الكبيرة والطروحات النظرية.

وفي كل حال يُحسب لكتاب البروفيسور بورغينون أنه يشدد على الاهتمام برفع مستوى التعليم باعتباره المفتاح الأساسي للفرص المتكافئة في أي مجتمع نام أو متقدم، وخاصة أمام المنتمين إلى الطبقات الدنيا وأبناء شرائح الطبقة الوسطى الطامحين إلى حياة أفضل.

في اللغة اللاتينية تنصرف مادة “إكواليس” إلى معنى التوازن والتعادل والتواؤم.. ومنها اشتقت الثقافات الأوروبية مصطلحات تؤدي هذه الأغراض، وفي مقدمتها بطبيعة الحال لفظة إيكوال ثم إيكوالتي التي تفيد بداهة معنى المتساوي وحالة المساواة.

وفي السياق نفسه، ولأداء المعنى ذاته، اشتق الفرنسيون واستخدموا لفظة »إيجالتي« لتفيد حالة المساواة، حيث ذاعت اللفظة الأخيرة حين دوت صيحات المقهورين والمظلومين في كل أرجاء فرنسا، التي شهدت أولى شرارات ثورتها الوطنية الكبرى.

وقد اشتعلت بعد سقوط وتحطيم سجن الباستيل يوم الرابع عشر من يوليو عام 1789. وبعدها ارتفعت شعارات الثورة الفرنسية الكبرى مرفوعة على لافتاتها المثلثة لتقول بما يلي: الحرية.. الإخاء.. المساواة.

المعذبون في الأرض

ظلت المساواة شعاراً وهدفاً وحلماً على مستوى شعوب العالم كله باعتبارها الأساس القويم لتحقيق العدل والإنصاف، بعيداً عن المجتمعات التي تشهد احتكار القلة (الأوليغاركية) لكل ما يحفل به مجتمعها من إمكانات ومزايا مادية ومعنوية، فيما يتم هذا الاحتكار على حساب الملايين ممن يعيشون في أدنى قاع السلم الاجتماعي، فريسة، كما هو بديهي، لآفة الفقر المدقع والجهل المتفشي والمرض الذي لا يُرجى منه شفاء.

إنهم »المعذبون في الأرض« على نحو ما وصفهم عميد الأدب العربي طه حسين في كتابه الموجز الشهير الصادر في أواخر أربعينات القرن العشرين حيث صوّر في تصدير الكتاب حالة التباين الصارخ، المرفوض طبعاً، بين »الذين يحّرقهم الشوق إلى العدل«.. والذين يؤرّقهم الخوف من العدل.

صحيح أن مسيرة المجتمع العالمي، وخاصة عبر سنوات وعقود القرنين التاسع عشر والعشرين، ظلت تعلن عن مسيرتها نحو تحقيق المساواة، ولو بقدر متباين من مجتمع هنا إلى مجتمع هناك، إلا أن المتغيرات التي ظلت تستجد على المجتمع البشري ظلت ترتبط بأحوال وأوضاع تميزت بتحيزاتها الاجتماعية الاقتصادية لصالح طرف اقتصادي هنا وفئة اجتماعية هناك..

هكذا شهدت تلك الحقبة الزمنية الحديثة اختلال موازين المساواة بين الطبقات الأرستقراطية وعموم الجماهير، ثم بين فئات الأثرياء من أصحاب المصانع ومالكي رؤوس الأموال وبين الطبقات الدنيا، وخاصة الأفراد الذين لا يملكون سوى بيع جهودهم وساعات حياتهم لقاء أجر لم يكن حتى أواخر القرن 19 يفيد سوى في سد الرمق، على نحو ما تشهد بذلك مثلاً روايات المبدع الإنجليزي الشهير تشارلز ديكنز (1812، 1870).

كتاب من 5 فصول

يتألف كتابنا من خمسة فصول يعرض أولها لظاهرة يمكن وصفها بأنها اللامساواة الكوكبية. ويطرح الثاني سؤالاً يقول بما يلي: هل تتفاقم حالة اللامساواة بين البلدان؟

ويتعامل الفصل الثالث مع العولمة وعلاقتها بالقوى الكامنة خلف تزايد (تفاقم) اللامساواة. أما الفصل الرابع فيحمل العنوان التالي: نحو عولمة عادلة منصفة: الآفاق والمبادئ. ثم تعود نبرة التساؤل مع الفصل الخامس إلى حيث تقول: ما هي السياسات الملائمة لعولمة أكثر إنصافاً؟

وأخيراً ينهي البروفيسور فرانسوا بورجينون كتابه بخاتمة تحفل بنبرة لا تخطئها البديهة من التفاؤل وهي: »عولمة المساواة«.

على مدار فصول الكتاب لا يجد المؤلف بّدا من الاعتراف الواقعي بأن عالمنا الراهن إنما يعيش حالة من التناقض الغريب: بين اقتصاد نابض بالحركة (رغم ما قد يعانيه من أزمات في هذه المرحلة أو تلك) ولكنه أفضى بحكم دينامية حركته إلى رفع مستوى المعيشة لصالح ما يصل كما يقدّره المؤلف إلى نصف مليار إنسان كانوا يعيشون ويعانون في بلدان مختلفة: ما بين الصين إلى الهند إلى البرازيل .

ومع ذلك فثمة تيار متنام وملحوظ للأسف، ويشهد بازدياد حالة اللامساواة داخل البلدان ثم بين البلدان وبعضها البعض على خارطة العالم، تأمل مثلاً حالة أقطار في أوروبا أميركا.

وحالة أقطار في أصقاع العالم الثالث مازالت الأمم المتحدة تصنفها ضمن فئة أقل البلدان نمواً سواء من حيث الناتج المحلي الإجمالي أو من حيث الدخل اليومي للفرد الذي يتدنى في بعض أحراش آسيا أو أغوار أميركا اللاتينية أو أدغال أفريقيا عن دولارين .

عن أثر العولمة

والمعنى الذي يؤكد عليه المؤلف هو أن الوضع العالمي الراهن لم يعد يسمح بالتصنيف الكلاسيكي للدول إلى غنية متقدمة وإلى فقيرة آخذة في النمو. لماذا؟ لأن العولمة أصبحت حقيقة واقعة كمحصلة لما شهده كوكب الأرض من إنجازات في عوالم الاتصال وتكنولوجيا المعلومات..

وأيضاً لما بات يعانيه الكوكب المذكور أعلاه من مشكلات ليس أقلها جائحة تغير المناخ التي لا تستثني طرفاً من عقابيلها، يستوي في ذلك جنوب العالم النامي المتخلف وشماله الثري المتقدم على السواء.

ثم يمضي كتابنا إلى شرح مظاهر أو تجليات اللامساواة حيث يعرضها على النحو التالي: حالات اللامساواة (غياب الإنصاف) في: الأجور والدخول الفردية وفي الإيرادات الشخصية، وفي إنفاق المستهلكين، ورفاه الأفراد.

والمشكلة في تصور مؤلف الكتاب أن هذه التباينات.. هذه الثغرات الفاصلة، سواء كانت بين إيرادات الأفراد في المجتمع الواحد أو كانت بين إمكانات الدول في مجتمع العولمة، مازالت في حال من الاتساع ومن ثم التفاقم بكل ما ينجم عن ذلك من استشراء ظاهرة الفقر المدقع في الدول النامية التي حاولت منظومة الأمم المتحدة توصيلها إلى النصف على مدار الفترة 2000، 2015، ثم اعترفت أخيرا بأن جدول الأهداف الإنمائية للألفية التي سبقت إلى اعتماده المنظومة العولمية لم يُفْضِ إلى تحقيق هذا الهدف المنشود.

لكن يحسن مؤلف الكتاب صنعاً عندما يؤكد على حقيقة أن آفة اللامساواة لا تقتصر على العنصر المادي وحده، بمعنى عنصر النقود أو الدخل أو الإيراد المالي: ان المساواة تمتد في رأي المؤلف إلى المجالات غير النقدية كما تعبر عنها فصول الكتاب وتجسدها أحوال اللامساواة من حيث الحصول على الفرص المتكافئة إنما يتمتع بمزايا العدالة الاجتماعية.

اختصار المسافة بين الأغنياء والفقراء

ومن الطريف أيضاً أن نلاحظ كقارئين، تركيز الكتاب على مقولة تحذيرية كما نتصور ويصوغها الكتاب على النحو التالي: أيها الأثرياء، في ظل تحولات العولمة، لم تعد المسافة طويلة ولا عادت الشقة بعيدة كي تفصل كما كان في عصور انقضت، بين حياة الفقراء المحرومين، وحياة الأثرياء المحظوظين، المقياس نفسه ينطبق على حياة الدول، الشعوب النامية المتخلفة.

. المحرومة وحياة الدول، المجتمعات الموسرة التي ما برحت تنعم بأشهى ثمار التقدم الاقتصادي: كان العالم خلال القرون الماضية كوكباً شاسع الأرجاء، لكنه أصبح في ظل العولمة قرية تقاربت على صعيدها أحياء ومعايش الذين يملكون والذين لا يملكون..

وهو ما يجعل من حالة اللا إنصاف العولمي كما قد نسميه، وضعاً ملموساً ومرصوداً وخاصة من جانب الفقراء والمحرومين والمهمشين والمنبوذين، سواء كانوا يمثلون شرائح أو فئات أو طبقات اجتماعية، أو كانوا يشكلون دولاً تضمها خارطة النظام الدولي، العولمي الراهن.

التعليم: طوق الإنقاذ

في السياق نفسه تحذر فصول الكتاب مما يصفه المؤلف بأنه تراجع حظوظ الطبقات الوسطى بوصفها العناصر الضابطة كما نتصور، لحالة التوازن الاتزان الاجتماعي: إن هذه الطبقات تشهد حالياً انخفاضات بدأت تعتري مستويات معيشتها، فما بالنا بمن هم في قاع المجتمعات الموسرة ممن يرون شبكات الأمان (التأمينات، الضمان تدابير الرفاه.. إلخ) وهي تتبّخر وتكاد تفلت من أياديهم.

أخيراً يعترف المؤلف، محذراً في هذا المجال، بأن المشكلة لم تعد تتمثل في نوعية الإجراءات التي يتدارسها ويوصي باتخاذها أمثاله من الباحثين والدارسين:

المشكلة هي في التنفيذ الصحيح لما قد يصدر من توصيات، ومنها مثلاً التوصية بترقية أداء منظومات التعليم في البلدان النامية وفي الأقطار المتقدمة أيضاً، ومع ذلك يظل مستوى المعارف والمهارات المطلوبة دون المطلوب ودون مقتضيات العصر. لماذا؟.. لأن التنفيذ لم يكن على مستوى التوصية نفسه، وهو ما يتطلب مراجعة ما يتم تنفيذه ومن منطلق الاعتراف بالخطأ، وتوخّي مبدأ الأمانة مع الذات.

كتابات واجتهاد عن اللامساواة

لا عجب إذن أن يتواصل الاهتمام بقضية المساواة في إطارها الإيجابي.. ثم آفة اللامساواة في إطارها السلبي. حتى مع هذه السنوات الاستهلالية التي ما برحنا نعيشها في هذا القرن الحادي والعشرين.

من هنا فلاتزال قضية اللامساواة هي الشغل الشاغل لكوكبة من المفكرين والعلماء الباحثين في قضايا أوضاع الاقتصاد والتحولات الاجتماعية، سواء على المستويات القطرية أو المستويات الإقليمية فضلاً عن المستويات الدولية.

ويشهد بهذا الاتجاه صدور عدد من الكتب المحورية التي انشغلت بهذه المسألة ومن زوايا مختلفة بطبيعة الحال.

في هذا الإطار صدرت في المرحلة القريبة الماضية كتب من قبيل:

»اللامساواة وماذا يمكن أن نفعله حيالها« للمفكر الاقتصادي الإنجليزي أنتوني اتكنسون.

»الخطوط الفاصلة« للمفكر الاقتصادي الأميركي، الهندي الأصل راغورام راجان.

.»الهوة الواسعة« بقلم البروفيسور جوزيف ستغلتز، خبير البنك الدولي الحائز على جائزة نوبل.

وسط هذا السياق الحافل يصدر الكتاب الذي نعايشه في هذه السطور تحت عنوان ذاتيّ الدلالة كما نراه وهو: عولمة اللامساواة.

والمؤلف هو المفكر الفرنسي، البروفيسور فرانسوا بورغينون الذي اختار أن يطّل على قضية اللامساواة في هذا الكتاب من خلال منظورات ثلاثة هي: الاقتصاد + السياسة + العولمة.

ومن خلال هذا المنظور الثلاثي تتعامل طروحات كتابنا مع مشكلة اللامساواة: أولاً بين طبقات المجتمع البشري الراهن، وثانياً اللامساواة بين الدول المتقدمة والنامية ناهيك عن الدول المتخلفة، فيما تجري متابعة وتدارس هذه الظاهرة المَرضية والمنافية للقيم الإنسانية..

ولكن على صعيد أوسع نطاقاً هو ما يعرف باسم القرية العولمية، الإلكترونية التي بات يجسدها عالم اليوم على نحو ما سبق وأن تنبأ وبشّر به رائد الاتصال الإعلامي الشهير مارشال ماكلوهان منذ عقد الستينات من القرن العشرين.

عواقب اللامساواة داخل المجتمعات

يركز الكتاب كثيراً على عواقب اللامساواة داخل المجتمعات قبل نظيرتها فيما بين دول العالم. ومن الحلول التي يؤكد على طرحها هذا الكتاب ما يتمثل في النهوض بنظم التعليم في المجتمعات الفقيرة، ولكن على أسس تجمع بين إتاحة الفرص المتكافئة أمام أبناء الفقراء وبين توفير الأموال اللازمة في هذا المضمار من واقع نظام ضريبي أكثر فعالية يتم تطبيقه على فئات الموسرين.

وبديهي أن لهذه التطورات والأوضاع المستجدة عواقب فادحة الخطورة وهو ما يعبر عنه مؤلف كتابنا، قائلاً: إن هذه العواقب السلبية الناجمة عن تفاقم اللامساواة سوف تكون من الخطورة بمكان.

المؤلف

البروفيسور فرانسوا بورغينون أكاديمي فرنسي بارز اختصاصي في علوم الاقتصاد. حصل على الماجستير من جامعة مونتريــال الكندية ثم على الدكتوراه من جامعة براون بالولايات المتحدة.

وقد نشر المؤلف مئات المقالات البحثية ، فضلاً عما أصدره من كتب في هذه الموضوعات، ومنها مثلاً كتابه بعنوان أثر السياسات الاقتصادية على الفقر وتوزيع الدخل وكتابه عن ديناميات توزيع الدخل في شرق آسيا وأميركا اللاتينية.

 

كتاب من الصفر إلى الواحد

كتاب من الصفر إلى الواحد

0-to-1-book

 

نشر أب أمريكي تعليقا يعبر فيه عن تعجبه من أمر عجيب. هذا الأب له ابنتان، الأولى متفوقة دراسيا حتى ضموها لفصل خاص لأمثالها لمساعدتها على التفوق الدراسي، والثانية تعثرت دراسيا وحين كانت تحرز درجات المرور وعدم الرسوب فرحت العائلة كلها. حتى الآن لا عجب، فالعجب يأتي حين مرت الأيام وتخرجت المتفوقة وبحثت عن وظيفة فلم تجد سوى معلمة في حضانة أطفال براتب ضعيف، بينما الثانية أسست شركة مستحضرات تجميل خاصة بها تدر عوائد سنوية قدرها 2 مليون دولار.

حتى أنت الآن، ستقلب الأمر في عقلك ثم تقول لي هذه حالة وحيدة لا يمكن أن تبني عليها نظرية، لكنك من داخلك تعلم أن هذا ليس صحيحا، فالمتفوق دراسيا نهايته إما أستاذا جامعيا أو موظفا في رتبة عالية، وحتى هؤلاء نسبتهم قليلة، فالكثير من المتفوقين دراسيا إن لم تتلقفهم جهة حكومية تنفق على نبوغهم فللأسف سيخبو نجمهم ويضيع حلمهم ويعيشون حياة تقليدية غير التي كان الناس يظنون أنهم سيصبحون عليها. أرجو عدم التسرع، أنا هنا لا أهاجم المتفوقين علميا ودراسيا، أنا هنا ألفت الانتباه إلى أن التفوق الدراسي وسيلة وليس الغاية.

من الصفر إلى الواحد

هذه النقطة تناولها بيتر ثييل في كتابه الممتاز من الصفر الى الواحد،

(هذا العنوان كناية عن الدعوة للابتكار والانتقال من لا شيء إلى الواحد، وعدم التركيز على التقليد، والذي هو الانتقال من الواحد إلى ما لا نهاية).

 

بيتر ثييل نفسه مثال على هذه النقطة، فهو خريج الحقوق وتخرج ليتفوق بعدها في مجال المحاماة حتى أنه ترشح للعمل ضمن فريق المحكمة الدستورية العليا الأمريكية، لولا أن طلبه قوبل بالرفض وهو ما كان له الوقع النفسي الشديد عليه، فهو كان يظن أن هذه الوظيفة هي منتهى أحلامه. ما حدث بعدها أمر تقليدي يعرفه قارئ قصص النجاح الكثيرة في مدونة شبايك، ذلك أن هذا الرفض دفعه للعمل على مشروع ناشئ اسمه باي بال.

الشغف المدمر بالمنافسة

يرى ثييل أن النظام الدراسي العالمي الحالي هو انعكاس لشغف البشر الشديد بالمنافسة، لا لشيء سوى أننا معاشر البشر نحب المنافسة وهذا الولع ينسينا لماذا تنافسنا في المقام الأول. المدرسون يزكون هذه الروح التنافسية بين الدارسين، ذاكر جيدا لتسبق منافسك فلان الذي تغلب عليك في درجات الشهر الماضي. احذف الترفيه من حياتك حتى لا تتقدم عليك زميلتك الجامعية فكيف لبنت أن تسبق شابا واعدا. تحمل يا فتى فأنت في السنة الجامعية الأخيرة ويجب أن تحرز أعلى الدرجات لتكون أول الدفعة وتحصل على الامتياز والتقدير.

ثم ماذا؟

بعدما تحقق لهم الدرجات العلى، تجدهم يطالبونك بأن تحصل على الوظيفة الفلانية، وربما ساعدوك بواسطة تظلم بها غيرك، وبعدها يطالبونك بأن تنافس زميلك فلان، ثم تنافس غريمك علان في السوق، ومن منافسة لحرب لقتال لنزاع حتى لتظن أنك تحرر القدس. بعد فترة من الوقت ستجد أن هذه الروح التنافسية تشغل نظرك عن حقائق كثيرة.

لماذا ندرس جميعا؟

ببساطة، لتحصل على حياة أفضل. الآن، ما هو تعريفك للحياة الأفضل؟ هل هي أن تعيش وأنت تعرف أنك أفضل من جارك وأحسن من قريبك وتتفضل على صديقك الذي تعرفه على الرغم من أنه أقل من مستواك؟ بالتأكيد لا، لكن بكل أسف، ننزلق دون أن نشعر لأن نفعل ذلك ونفكر بهذه الطريقة. أنت تريد لابنك أن يكون أبز من أقرانه، ولبنتك أن تكون أفضل من نساء العالم وهكذا.

هل المنافسة خطأ؟

نعم و لا. معضلة هذا العالم هي أن كل شيء له حدود فضلى وأخرى خطيرة، وهذه يسمونها التفريط والإفراط، والمعضلة هي أن الحدود الفاصلة بين الإفراط والتفريط غير واضحة المعالم، تدركها دون أن تراها، و فوق كل هذا، هذه الحدود تتغير بتغير الوقت. المنافسة مطلوبة لكنها وسيلة لا الهدف. البشر بدون منافسة تميل للتكاسل والتقاعس. الكثير من المنافسة يدفع البشر للجريمة وللقبيح من الأفعال، بما يضرهم ولا ينفعهم ويشغلهم عما كان يجب عليهم الاهتمام به، و الانسان يعيش حياته مترددا بين الإفراط والتفريط.

اضرب لنا أمثلة

مايكروسوفت شركة تعمل في مجال برمجة التطبيقات وأنظمة التشغيل. جوجل شركة تعمل في مجال البحث على انترنت والإعلانات. بدلا من أن يركز كل منهما في مجال، شرعا في دخول منافسة طاحنة، وبدأت حروب تدور ما بين ويندوز و كروم او اس، نيكسيس و سيرفيس، متصفح كروم و اكسبلورر، جوجل و بينج، اوفيس و دوكس، وهكذا. ماذا حدث بعد اشتعال هذه المنافسة؟ في يناير 2013 كانت القيمة السوقية لشركة منافسة اسمها ابل 500 مليار دولار، في حين كانت القيمة السوقية للغريمين جوجل و مايكروسوفت 467 مليار دولار مجتمعين. 3 سنوات قبل هذا التاريخ، كانت القيمة السوقية لابل أقل من تلك لمايكروسوفت أو جوجل منفصلين! الحرب التنافسية أمر مكلف للغاية.

الويل كل الويل حين تتحول المنافسة من تجارية لشخصية

مثال آخر طريف حدث في 1996، حين اشتعلت منافسة ما بين مؤسس أوراكل و مؤسس شركة منافسة اسمها انفورمكس. لاري اليسون مؤسس أوراكل كان من النوع الذي يصنع أعداء له ومنافسين لكي يجعل موظفيه يشعرون وكأنهم في ساحة حرب، على أمل تحفيزهم أكثر. ما حدث هو شركة انفورمكس وضعت إعلانا ضخما بالقرب من مقر أوراكل قالت فيه: احترس، الديناصورات تمر من أمامك، في إشارة إلى أن شركة أوراكل (والتي تظهر في خلفية الإعلان) كبيرة جدا مثل الديناصورات المنقرضة.

0-to-1-book___2nd-image

 

قام لاري اليسون بالرد بأن وضع إعلانا ضخما بالقرب من مقر انفورمكس يشير إلى إنها أبطأ من الحلزون. استمرت هذه التصرفات الصبيانية حتى استيقظ مدير انفورمكس ذات يوم على فضيحة محاسبية في شركته دمرتها وأرسلته للسجن. هل لو كان مدير انفورمكس انشغل أكثر بأمور شركته بدلا من المنافسة الشخصية لتمكن من اكتشاف مشاكل شركته وحلها؟

المنافسة مطلوبة مثل الملح، حسبك القليل منه لا أكثر.

يجب عليك أن تؤمن بالأسرار

منذ قرنين، لم يكتشف الانسان كل بقاع الأرض، وكان هناك على الخريطة الجغرافية أماكن لم يصلها البشر بعد، وكان الناس حين يسمعون قصص وحكايات المستكشفين، كانوا يتمنون أن يكون مستكشفين بدورهم ويكتشفوا المزيد من الأسرار. اليوم مجلة ناشيونال جيوغرافيك تعرض لك صورا لأماكن غريبة وعجيبة ومثيرة، في كل بقعة من الأرض، ما قضى على إثارة الاستكشاف. اليوم، يسود الناس قناعة بأن العالم كشف كل أسراره وبالتالي لم يعد هناك جديدا لنكتشفه، وهذه قناعة كاذبة مدمرة.

رحلة شركة اتش بي من القمة للتقليدية

في عالم الشركات، هناك دائما أسرار تنتظر من يكشف غموضها، الإدارة القديمة لشركة اتش بي HP كانت تؤمن بهذه النظرية ولذا وظفت المهندس توم بيركنز في 1963 ليرأس قسم الأبحاث في الشركة. في عام 1990 كانت القيمة السوقية لشركة اتش بي 9 مليار دولار، ثم طرحت في 1991 أول طابعة حبر ملونة بسعر اقتصادي، ديسك جيت 500 سي (DeskJect 500c) ثم في عام 1993 طرحت لابتوب اومنيبوك وهو كان خفيفا سهل الحمل (في وقته) ثم في العام التالي طرحت طابعة اوفيس-جت OfficeJet أول طابعة شاملة تتضمن ماسحة ضوئية وجهاز فاكس معا. في عام 2000 كانت قيمة الشركة السوقية بفضل هذه الابتكارات 135 مليار دولار. في عام 2010 كانت قيمة الشركة السوقية 70 مليار دولار. ما الذي حدث؟

في 2005 كان هناك فريقان يديران الشركة، الفريق القديم بقيادة بيركنز والذي كان يرى أنه يجب على اتش بي أن تبحث عن أسرار جديدة لتكتشفها وتوفرها في صورة منتجات جديدة، وفريق آخر، بقيادة باتريشا دان رئيس مجلس الإدارة وهي امرأة استقت جل خبرتها من العمل في مجال البنوك الممل، هذا الفريق الأخير أصر أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان وأن الأسرار اكتشفت كلها ولم يعد هناك جديد لتقديمه وللأسف فاز هذا الفريق. النتيجة معروفة، بنهاية عام 2012 كانت القيمة السوقية للشركة 23 مليار دولار.

هناك دائما أسرار تنتظر من يكشفها، إذا لم تؤمن بهذا فاعرف أنك تقليدي ممل، أما إذا آمنت بذلك، فاعلم أن المستكشف يصيب ويخطئ، وإذا كنت تخجل ويصيبك الذعر من أن تضع نظرية ما ثم تكتشف خطئها وتعلن خطئك، فمن الأفضل لك أن تنضم لمعسكر التقليديين المملين، وانتظر حتى يأتي مستكشف فعلي ينجح فيما فشلت فيه. الاستكشاف لا يعرف الخوف أو الخجل من الوقوع في الخطأ.

(لهذا السبب لا أجد فائدة من الإعلان على انترنت لمدونتي، فهذه الإعلانات حين جربتها أتت لي بالسلبيين التقلديين المشككين (إلا من رحم ربي)، الذين لا يفعلون شيئا سوى التشكيك في مقالات المدونة وترك سمومهم الفكرية وإحباطهم ثم الرحيل. الإيجابي الباحث عن إيجابيين مثله سيعثر علينا وحده، دون حاجة لإعلان!)

مقتطفات قصيرة لأفضل ما جاء في سياق كتاب من الصفر إلى الواحد

في 2005، قام ديفيد شو  وهو فنان جرافيتي، بـدهان حوائط مكتب شركة جديدة اسمها فيسبوك، وطلب أن يكون أجره في صورة أسهم في الشركة لا نقدا (رغم عدم اقتناعه بفكرة فيسبوك إلا أنه آثر المغامرة). سبع سنوات وفي عام 2012 كان نصيبه من هذه الأسهم يعادل قرابة 200 مليون دولار.

تطلق الصحافة على الفريق الذي وظفه واختاره وانتقاه بيتر ثييل (أو تيل) في بدايات تأسيس باي بال لقب: مافيا باي بال، لأن كل واحد من هذا الفريق خرج بعد بيع باي بال إلى إيـباي ليؤسس مشروعا جديدا، قيمة كل مشروع من هذه المشروع لا تقل قيمته السوقية اليوم عن مليار دولار، وهم إيلون مصك مؤسس سيارات تيسلا و سبيس اكس، رييد هوفمان مؤسس موقع لينكدإن، الثلاثي ستيف شن – شاد هارلي – جواد كريم والذين أسسوا موقع يوتيوب، جيرمي ستوبلمان و راسيل سيمونس وأسسا موقع يلب Yelp وديفيد ساكس شارك في تأسيس يامر Yammer، بينما بيتر ثييل نفسه أسس شركة تقنيات بالانتير   Palantir

الناس تكره أن يبيع لها أحد أي شيء، ولذا تجد المسمى الوظيفي لرجال المبيعات والتسويق والاعلانات: مسؤول حسابات تنفيذي أو مدير تطوير الأعمال.