كيف تستعد سوق العملات للحرب التجارية العالمية؟

 

تحرير – سالي إسماعيل:

مباشر: في أسواق الصرف الأجنبية، لا ينتظر المستثمرون لمعرفة عما إذا كانت جميع التهديدات الجمركية ستؤدي إلى حرب تجارية شاملة.

ويشير تقرير نشرته شبكة “بلومبرج” إلى أن بعض مديري الأموال بدأوا في تحويل أموالهم إلى الملاذات التقليدية مثل الين، في حين ابتعد آخرون عن العملات تماماً وحتى أولئك الذين لا يراهنون كثيراً سوف يلجأون إلى التحوط تحسباً لأي وضع.

وتتمثل المخاوف في أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن فرض تعريفات على واردات الصلب والألومنيوم، ستؤدي إلى موجة من الردود الانتقامية التي تعوق التوسع الاقتصادي العالمي.

وجاءت استجابة الاتحاد الأوروبي للتعريفات المقترحة على المعادن عبر إعداد خطوات انتقامية على السلع الشهيرة، حيث تدرس حالياً أي من المنتجات الأمريكية سيتم فرض رسوم عليها.

 

على صعيد آخر، قادت استقالة “جاري كوهن” مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاقتصادي اتجاهات المستثمرين، حيث ارتفع الين في حين تراجعت قيمة البيزو والدولار الكندي.

و”كوهن” هو أحد كبار المدافعين عن سياسة التجارة الحرة، وهو ما يعني أن استقالته ترجع لرفضه الرسوم الجمركية التي تحولت بالفعل إلى قرار رسمي، لكن ترامب أكد لاحقاً بأنه سيعود إلى العمل مجدداً وأن أمر الاستقالة مؤقت.

تعزيز الين

ويرى “جين تانوزو” مدير محفظة في شركة “كولومبيا ثريدنيدل” أن العملات يمكن أن تكون صغيرة جداً لكنها ذات آثار قوية، حيث يمكن أن يؤدي استثمار قليل منها إلى تأثير كبير.

وجاء أول رد فعل للمتعاملين من خلال تعزيز حيازتهم للين الياباني، ثم الفرنك السويسري لكن بدرجة أقل، حيث وصلت العملة اليابانية في الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوى منذ عام 2016 بالتزامن مع الإفصاح عن الرسوم الجمركية.

وعقب الكشف عن تعريفات ترامب، أبدى الدولار الأمريكي ضعفاً ملحوظاً في أدائه ليواصل خسائره المسجلة في العام الماضي، في حين صعدت سندات الخزانة مع اتجاه الأسواق نحو الأصول الأقل خطورة.

الانسحاب

وبحسب “تانوزو”، كان الرد على المناوشات التجارية التي تلوح في الأفق هو تخفيض مخاطر العملة بشكل تدريجي.

وأوضح أنه تصرف على أساس هذا القلق في العام الماضي مع توقعات بتحول مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية “النافتا” إلى حالة من الفزع، حيث خفض التعرض إلى البيزو المكسيكي والدولار الكندي في صندوق الدخل الاستراتيجي في كولومبيا.

وكان الصندوق يضم حوالي 4% من العملة مقسومة بين العملتين قبل القيام ببيع صفقاته في منتصف عام 2017 بالإضافة لخفض الدولار الكندي في أواخر العام الماضي.

وقال “تانوزو” إن هذه المرة ربما تكون الأولى على الإطلاق التي لا يضم الصندوق فيها عملتي الدولار الكندي أو البيزو المكسيكي، والسبب الأساسي في ذلك يرجع إلى المفاوضات في الجانب التجاري.

 

ومن الواضح أن ترامب استخدم الرسوم الجمركية كورقة مساومة في محادثات “النافتا”، بعدما أشار إلى إمكانية إلغاء تعريفات الصلب والألومنيوم على كندا والمكسيك، حال التوصل إلى اتفاق جديد وعادل بشأن اتفاق التجارة في أمريكال الشمالية، وهو ما تم بالفعل.

وخلال هذا الأسبوع، تراجع الدولار الكندي إلى أضعف مستوياته منذ يوليو الماضي.

وتدرس الإدارة الأمريكية كذلك فرض تعريفات جمركية على مجموعة كبيرة من الواردات الصينية، وفقاً لما ذكره أشخاص مطلعون على الأمر.

وبالنسبة لبعض المستثمرين، فإن التحرك الأمريكي مقابل الصين من شأنه أن يشير إلى خطر متزايد من إجراءات الانتقام المتبادل.

ولا يتجاهل مدير المال في “جي.إيه.إم” البريطانية “أدريان أوينز” الخطاب بشأن التجارة، فبالنسبة له أفضل طريقة هي التنقل بين العملات التي يمكن أن تحمل تقلب مؤقت، على حد قوله.

ويركز “أوينز” على عملتي النرويج والسويد، والسبب في ذلك أن العملة الأخيرة تبدو رخيصة في حين تشير البيانات إلى قوة الاقتصاد.

وقال “أوينز” الذي تدير شركته حوالي 170 مليار دولار، إنه يحب هذا النوع المميز، معترفاً بأن أحد المخاطر هو تدهور الموقف مع ترامب ليصل إلى الحرب التجارية.

وأوضح أنه من أجل الحماية من مخاطر انخفاض الكرونة التي يصاحبها تصاعد التوترات التجارية وتقويض النمو الاقتصادي العالمي بالإضافة إلى الطلب على النفط النرويجي، فإنه يتحوط من خلال المراكز التي تحقق أرباحاً من مكاسب الين.

الخاسرون

ويقول “مايك موران” رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية في “ستاندرد تشارترد” إن تراجع الإنتاج العالمي وانخفاض رغبة المخاطرة من شأنه أيضاً أن يهدد عملات الدول الناشئة.

ويضيف أن هذا النوع من الحروب التجارية لم يوفر بيئة جيدة بالنسبة للأسواق الناشئة على الإطلاق، مشيراً إلى أن تلك الدول تعتبر أكثر حساسية للتجارة العالمية وبالتالي فإن أي ضرر فيها يؤثر سلباً عليهم.

وعلى النقيض، يراهن “ريتشارد بينسون” رئيس استثمارات المحافظ في “ميلنيم جلوبال” والتي تدير أصولاً قيمتها 14 مليار دولار، على العملة الصينية كونها ستستفيد من التوترات التجارية.

 

معضلة الدولار

السؤال هنا، ماذا يعني كل ذلك بالنسبة للدولار؟ الحرب التجارية العالمية يمكن أن تتسبب في مأزق، هكذا يفسر الوضع محللون في بنك “باركليز”.

كما يتوقع المحللون تباطؤ نمو اقتصاد الولايات المتحدة بنسبة 0.2% في أعقاب تعريفات الصلب والألومنيوم.

لكن هذا الاتجاه سيتضخم اعتماداً على الطريقة التي سوف يستجيب بها شركاء الولايات المتحدة التجاريين للخطة الموقعة مؤخراً.

وفي وقت متأخر من يوم الخميس، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قرار ينص على فرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألومنيوم من جميع الدول مع استثناء كندا والمكسيك من تلك التعريفات.

 

ويُعد ذلك الوضع تطوراً مثيراً للقلق بالنسبة للولايات المتحدة، حيث سيؤدي النقص في التجارة والميزانية إلى جعل واشنطن أكثر اعتماداً على الطلب العالمي على سنداتها بصورة لم يشهدها التاريخ من قبل.

فيما يصف “تانوزو” مدير محفظة بـ”كولومبيا ثريدنيدل” الوضع الراهن بأنه سيف ذو حدين، موضحاً أنه يجب أن يتم تعزيز الدولار في نهاية المطاف على المدى القصير مقابل العملات التي ستتأثر بقرار التعريفات.

لكن الدولار يمكن أن يظل على المدى الطويل تحت الضغط بشكل عام كونه مطالب بتمويل العجز الكبير والمتنامي في الحساب الجاري.

 

ابتكارات لزيادة إنتاج الغذاء بدون استنزاف للتربة

 

عندما تتناول قطعة من الطعام، هل تفكر من أين أتت؟ وكيف وصلت من التربة إلى مائدتك؟ ومن هم المزارعون والمستثمرون الذين زرعوها ووزعوها؟ من الغريب ألا يخطر هذا على بالنا في كثير من الأحيان.
هذه القضية ينبغي أن نفكر فيها أكثر وأكثر. ومع استمرار النمو السكاني، هناك حاجة إلى ابتكارات جديدة لزيادة الإنتاج المستدام للغذاء بدون استنزاف للتربة. ومع وجود حقائق كتغير المناخ الذي يؤثر في إمدادات المياه والأمن، لم يعد سير الأمور بالنمط المعتاد كافيا.
لهذا السبب، جمع معرض الابتكارات: “ابتكر من أجل الري” الذي أقيم ضمن منتدى المياه من أجل الغذاء الذي عقد في 29 كانون الثاني (يناير) 2018، 19 منظمة تتصدر جهود مواجهة هذا التحدي من خلال التكنولوجيات المبتكرة التي تدعم ممارسات الري التي ينتهجها المزارعون.
في كلمتها الافتتاحية، أشادت لورا توك، نائب رئيس البنك الدولي للتنمية المستدامة، بالتركيز على “إبراز التكنولوجيات التي تحسن وتكثف الري الذي يتولاه المزارعون وتوسع نطاقه، لكنها أيضا تساعد حقيقة في التصدي للخطر الذي تشكله على ديمومة الموارد”.
وفيما يلي بعض الابتكارات التي قدمها عدد من أكثر المنظمات إبداعا في مجال الري:

“كيكستارت إنترناشيونال”
تهدف “كيكستارت إنترناشيونال” إلى تلبية احتياجات صغار المزارعين في إفريقيا ببيع منتجاتها من خلال سلاسل التوريد المحلية المملوكة للقطاع الخاص.
توضح جينا روجرز رافرتي، مدير التطوير والتحالفات الاستراتيجية، ذلك قائلة، “نحن نصمم ونسوق ونروج تكنولوجيات الري محدودة النطاق التي تتسم بالكفاءة والاستدامة وانخفاض التكلفة وارتفاع الجودة”.
وبإدراجها لآراء المزارعين، تعمل المنظمة حاليا على تطوير وتحسين تقنيات ضخ المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية، مركزة على طول مدة صلاحيتها وكفاءتها.
ووفقا لروجرز رافرتي، عملت “كيكستارت” أيضا مع فريق سينمائي من أجل إنتاج فيلم وثائقي قصير بعنوان “حبة ذرة”، يصور مدى صعوبة اتخاذ القرار على المزارعين حينما يفكرون في الاستثمار في شيء كالري. هذا الفيلم يستخدم كي يطلع كل من المزارعين وشركائهم على جميع الاعتبارات التي تتسق مع تبني ممارسات جديدة للري.

“آبستريم”
تستخدم “آبستريم” الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية مع معدات التعليم للرصد والقياس من الفضاء. ماذا يعنيه ذلك بالنسبة للري والزراعة؟ بالحصول على البيانات من مصادر شتى، فإن البرنامج يقدم في الأساس نافذة واحدة للبحث عن الآراء في مناطق معينة من الأراضي. على سبيل المثال، هل تروى الأرض؟ وما التقنيات المستخدمة في ذلك؟
تأمل “آبستريم” من وراء تقديم المعلومات بهذه الطريقة في المساعدة في عملية اتخاذ القرار: قال مارشال موتينو، الشريك المؤسس، “نحاول أن نجعل استخدامها سهلا بقدر الإمكان من خلال تبني نظم العمليات الجغرافية التي تتطلب درجة علمية، وتبسيطها بحيث يتعلمها أي ممارس أو مطور. إضافة إلى الرصد، يتيح البرنامج للمستخدمين تحديد أشياء البحث عنها، مثل حقول الأرز في كاليفورنيا، أو أين يمكن العثور في أي شبكة للري على مجال لتوليد الطاقة الكهرومائية”. وأضاف موتينو، “لا حدود لطموحاتنا. إذا وجدت الأقمار الصناعية، فيمكننا أن نحصل على أكبر قدر من التفاصيل التي تسمح لنا بها”.

“أكلايما”
تركز “أكلايما”، التي تهدف إلى زيادة الإنتاجية والفعالية في الزراعة، على الاستخدام الدقيق لمياه الري. في معرض الابتكارات، كانوا يعرضون جهازين لرصد الوصلات، يقومان بهذا بالضبط. في معرض الابتكار، كانوا يعرضون جهازين لقياس انعكاس الحقل الزمني TDR، اللذين يفعلان هذا بالضبط. بينما تجمع رهط من المشاركين في المؤتمر لاختبار مجسات جهاز قياس انعكاس الحقل الزمني، أوضح كينجسلي هورتون، المدير العام لـ”أكلايما”، أن هذا هو المجس الوحيد في السوق القادر على الرصد الدقيق لمكنون المياه في الأرض على الرغم من ملوحة التربة في الظروف الطبيعية للنمو. وقال، “إن مجسات الجهاز ترصد بدقة أيضا قابلية توصيل التربة للكهرباء ودرجة حرارتها، ومن ثم تسهل تسميدها بفعالية أكبر”.
ولأن الملوحة يمكن أن تؤثر في القياسات، فإن هذا المجس يتيح للمزارعين الحصول على قراءة دقيقة للحد من الفاقد في المياه وتقليص تكاليف الضخ، والتآكل، في الوقت الذي يزيد فيه غلة المحصول وتغذية النبات بالعناصر الغذائية.
إذن، ماذا على جدول الأعمال؟ من أجل مواصلة تخفيض الأسعار وإتاحة هذه المنتجات لصغار المزارعين، فإن “أكلايما” تنشد التعاون مع الشركاء الرئيسين في هذا المجال.

“دايناماكس”
تقوم “دايناماكس” بقياس مستويات الرطوبة، ولكن هذه المرة في النباتات. يقول إريك بينا، مدير تطوير الأعمال لدى “دايناماكس”، “نستطيع وضع مجسات على النبات تبين لنا بالضبط كمية المياه التي تتدفق في اليوم الواحد. ومن ثم نستطيع أن نحدد بدقة كمية المياه التي يحتاجها النبات”.
ثم تخزن البيانات في نظام يستند إلى تطبيق السحابة cloud حتى يمكن قراءتها ومقارنتها بجميع النباتات التي تم عمل مسح لها. وأردف بينا قائلا، “المستوى التالي هو الأهم على الإطلاق. فإذا زودت كل نبات بالكمية التي يحتاج إليها بالضبط من المياه بفعالية، فإن هذا في الواقع يزيد المحصول”.
في كلمته في معرض الابتكار، تحدث جيف فورتنبيري، العضو الجمهوري في الكونجرس الأمريكي عن ولاية نبراسكا، بنبرة قوية عن “فكرة تجديد النشاط الاقتصادي، لا سيما استغلال أراضينا ـ ولذا فإننا نحصد منها، ونتركها في حالة مستدامة لمن سيأتون بعدنا”.

بيل غيتس: العملات الإلكترونية تؤدي إلى الموت

 

قال بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، إن العملات الإلكترونية قد تقتل المستخدمين “بطريقة مباشرة إلى حد ما”.

وأشار غيتس إلى الطريقة التي تستخدم بها عملات إلكترونية، ومن بينها “بيتكوين”، لشراء عقاقير مثل فينتانيل الأفيون الصناعي، وهو عقار مخدر.

وقال خلال جلسة بعنوان “اسألني أي شئ” على موقع “ريديت” الإخباري، إن عدم الكشف عن هوية العملات الإلكترونية يعني أنها ذات صلة بتمويل إرهابي وغسل أموال.

وانتقده البعض وقالوا إنه غير مطلع على التكنولوجيا.

وسأله مستخدم عن رأيه في التكنولوجيا، فأجاب غيتس :”أهم خصائص العملات الإلكترونية هو عدم معرفة هويتها. ولا أعتقد أن ذلك جيد. فقدرة الحكومة في تحديد مصادر غسل الأموال والتهرب الضريبي وتمويل الإرهاب شئ جيد”.

وأضاف :”تستخدم العملات الإلكترونية حاليا في شراء الفنتانيل والعقاقير الأخرى لذا فهي تكنولوجيا نادرة تتسبب في الموت بطريقة مباشرة إلى حد ما”.

وقال رجل الأعمال الشهير وارين بافيت، في وقت سابق، إن جنون المضاربة بالعملات الإلكترونية “سينتهي نهاية سيئة”.

ولم يسخر غيتس دائما من عملة البيتكوين. ففي عام 2014 قال خلال مقابلة مع قناة “بلومبيرغ” التلفزيونية إن عملة البيتكوين “أفضل من العملة (التقليدية)”.

ولم يسفر رده الأقل حماسة على موقع “ريديت” عن خفض حدة المشاركة في النقاش، في حين انتقده البعض بسبب شعورهم بأنه محاولة للتأثير على السوق. واقترح آخرون أنه يحتاج إلى إعادة النظر في البيتكوين.

تبرعات خيرية

وقال غيتس للجمهور إن أهدافه الثلاثة الأولى تتلخص في “خفض معدلات وفيات الأطفال والحد من سوء التغذية والقضاء على شلل الأطفال”.

ويشارك غيتس في رئاسة مؤسسة “بيل أن ميليندا غيتس” التي تنفق مليارات الدولارات سنويا على التعليم ومشروعات الصحة.

كما ترعى المؤسسة تطوير تكنولوجيا “بلوكشين”، وهي تكنولوجيا تعتمد على العملات الإلكترونية للتجار في كينيا.

ودفعت زيادة قيمة العملات الإلكترونية الحكومات في شتى أرجاء العالم إلى النظر عن قرب في تأثيرها على الاقتصاد والمواطنين.

وعلى الرغم من الإشادة بالتكنولوجيا، إلا أن ثمة مخاوف بشأن تأثيرها في اضطراب الاقتصاد فضلا عن علاقتها بالجريمة الإلكترونية وغسل الأموال.

وتحقق لجنة وزارة الخزانة البريطانية حاليا في تأثير مثل هذه العملات.

توطين الصناعة وتقنياتها


في هذه الأيام أصبحت التقنية هي المحرك الرئيس للحضارة الحديثة في كافة المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والصناعية والاجتماعية والإعلامية والتعليمية والصحية والنقل والمواصلات والاتصالات وتحلية المياه وتوفيرها، ناهيك عن دخولها في كافة الخدمات الأخرى، بل إنها أصبحت أهم مصدر من مصادر الدخل، ولهذا أصبحت الدول المختلفة تتنافس في مجال توطين التقنية سواء كان في مجال إعداد الكوادر البشرية القادرة على تخليقها والتعامل معها وتصنيعها ورفع كفاءتها من خلال الابتكار والبحث والتطوير، وهذا ما مكن بعض الدول التي لا تملك ثروات طبيعية مثل اليابان وتايوان وغيرها من الإمساك بزمام التقنية والاعتماد عليها في مجال الدخل القومي.

وهذا هو مربط الفرس الذي يجب أن ننطلق منه لتنويع مصادر الدخل والحد من الاعتماد على عوائد البترول كمصدر وحيد للدخل، وإذا أخذنا الصناعة الوطنية القائمة نجد أنها قطعت شوطاً لا بأس فيه، إلا أن أهم معوقاتها يتمثل في استيراد المواد الخام التي يتم تصنيعها من الخارج فيما عدا الصناعات البتروكيميائية، ليس هذا وحسب؛ بل إن المصانع نفسها وقطع غيارها وكذلك المواد الحافزة وغيرها أيضاً يتم استيرادها، مما يعني أن تلك الصناعة يمكن أن تتوقف في حال الظروف الاستثنائية. ولهذا فإن الاهتمام بالأمن الصناعي (حماية الصناعة من الاعتماد على الخارج) يجب أن نوليه عناية قصوى أسوة بالأمن المائي والغذائي والعسكري والأمني لأن حركة الحياة تعتمد على منتجات تلك الصناعات.

نعم الأمن الوطني يتطلب أن نكون ذوي قدرة على الاكتفاء الذاتي في المجالات الصناعية والزراعية والمائية والغذائية خصوصاً في ضوء عدم الاستقرار الذي أصبح سمة عالم اليوم في ضوء التنافس الشرس على مناطق الوفرة واستخدام سلاح المقاطعة والحصار بديلاً للحروب المباشرة أو مقدمة لها.

ولعل من أهم مقومات الأمن الصناعي وجود شركات صناعية متكاملة بحيث إن بعضها ينتج المواد الخام والأخرى تحول المواد الخام إلى مواد أولية قابلة للتصنيع، والثالثة قادرة على تحويل المواد الأولية إلى منتجات نهائية، والجدير بالذكر أن كل منتج من تلك المنتجات الثلاثة له أسواقه وطالبوه على المستوى المحلي والإقليمي والدولي. ولذلك فإن أكبر مهمة يجب أن نضطلع بها تتمثل في توفير الكوادر الوطنية المؤهلة القادرة على الابتكار والبحث والتطوير لكي نستطيع من خلالها خفض التكلفة وجعل الصناعة الوطنية وتقنياتها منافسة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

إن الاستمرار في استيراد المصانع واستيراد المواد والاعتماد على الخبرة الأجنبية في تركيبها وتشغيلها وصيانتها يجعل تلك الصناعات في مهب الريح تتوقف عند أول عاصف؛ لهذا فإن الأمن الصناعي يجب أن يكون من أولوياتنا حتى يمكن الاعتماد على إيرادات تلك الصناعة كأحد مصادر الدخل الواعدة. ولعل صناعة التعدين تعتبر من أهم مصادر الدخل الواعدة خصوصاً أن بلادنا تحتوي على ثروات معدنية ضخمة، وتعتبر بكراً في هذا المجال، ولهذا فإن تشجيع وتسريع هذا التوجه الذي تبنته رؤية 2030 يعتبر أحد مفاتيح تعدد مصادر الدخل الذي تسعى تلك الرؤية المباركة جاهدة إلى تحقيقه.

مراكز الأبحاث في السعودية والتصنيف العالمي

تلعب مراكز الفكر دورا مهما جدا في صياغة السياسات، باختلافها، سياسات أمنية واقتصادية، تنموية، بل عسكرية، وتختلف تلك المراكز بحسب طبيعتها الإدارية والمالية والسياسية والفكرية، فتجد هنالك مراكز فكر في أقصى اليمين وأقصى اليسار، طبعا هذا بالنظر للسياسات الأمريكية في الخارج، فنجد مراكز مثلا تؤيد وجود دور عسكري أمريكي خارجي وهنالك من يرى العكس تماما بتخفيض التكاليف العسكرية الخارجية وهكذا.
تقوم جامعة بنسلفانيا بإصدار تقييم وتصنيف لتلك المراكز بحسب مدى تأثيرها في السياسات والمجتمع وتأثير الخبراء وقوتهم العلمية، وكذلك القدرات المالية لتلك المراكز، والاستدامة في عمل تلك المراكز.
تختلف مصادر دخل هذه المراكز عالميا، المراكز بعضها ممولة مثلا من الحكومة وأغلبيتها لها أوقاف ومجلس إدارة لتلك الأوقاف، تختلف طبيعة تخصصات تلك المراكز من سياسات دولية – تنمية ـــ اقتصاد ـــ أمن ـــ سياسات محلية، ومن أشهر تلك المراكز: بروكنجز ـــ كارنيجي ـــ مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ـــ هيرتج ـــ أمريكان بروجرس. والقائمة تطول.
هنالك درس مهم في تلك المراكز يمكن الحديث عنه: إن كثيرا من السياسات التي تتبناها الدول مبنية على عمل مؤسساتي وعلمي، وهناك تمكين لدور الأوقاف في خدمة المجتمع عن طريق السياسات وفوق ذلك المصالح الوطنية للدول.
تعد مراكز الأبحاث من الأدوات المهمة التي يمكن الاستفادة منها لتشكيل الأطر الموجهة للسياسات العامة وكذلك السياسات الخارجية، ويمكن لتلك المراكز لعب دور مهم في التأثير في الرأي العام الدولي، أو الرأي المتخصص في قضية معينة أو لدى جهات دولية وإقليمية. تتميز مراكز الأبحاث بأنها متخصصة في مجال علمي أو قضية في حد ذاتها، وتدرس تلك القضايا بشكل معمق ومكثف ما يجعلها بيت خبرة يستفيد من مختلف وجهات النظر، علاوة على أن تلك المراكز، تستعين بمختلف القدرات العالمية من أجل الوصول إلى أفضل التوجهات أو السياسات العلمية في مجالها.
وقد نظم مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية أخيرا ندوة حول دور مراكز الفكر في بناء الوعي الوطني في عصر الاضطرابات الرقمية والسياسية. وشارك فيه نخبة من قادة هذه المراكز في المملكة. وجاءت هذه الندوة بالشراكة مع برنامج مراكز الفكر ومؤسسات المجتمع المدني التابع لجامعة بنسلفانيا الأمريكية، وبالتزامن مع ندوات تناقش الموضوع ذاته حول العالم، وتكتسب هذه الندوة أهمية كبيرة من كونها الأولى من نوعها في المملكة.
وتمت الإشارة ضمن حلقة النقاش إلى أن قضية التمويل تظل هاجسا مستمرا لأصحاب المؤسسات البحثية لاعتمادهم على دعم الأفراد في المقام الأول.
وأكد الدكتور السلمي أن مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية يهدف إلى تجاوز التعامل مع إيران كمصدر تهديد لتقديم فهم أعمق للحالة الإيرانية وكشف الواقع فيها أمام صانع القرار، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن المركز يطمح إلى أن يكون له دور كبير في الجمع بين البحث الأكاديمي وتقديم الاستشارات للنخب المتخصصة. وشدد في هذا الإطار على ضرورة أن تدعم الحكومات مراكز الأبحاث كونها رافدا مهما لعملية صناعة القرار.
وركز المشاركون في الندوة من جانبهم على أهمية مراكز الأبحاث وما يصدر عنها كونها بمنزلة دليل استرشادي لصناع القرار. وأشاروا إلى أن وجود مراكز الفكر وانتشارها يعدان مقياسا لتطور المجتمعات ومقياسا لحالة النضج السياسي، واعتبروا أن الاعتماد على المعلومات القائمة على البحث والاستفادة منها أحد أسباب القوة.
وحول الوضع الحالي في الدول العربية أكد المشاركون أن هذه الدول تمتلك 580 مركزا بحثيا تشكل 7.49 في المائة من مجموع المراكز حول العالم، رغم الدور الفعال والمؤثر لهذه الدول. ففي إيران مثلا هناك 59 مركزا بحثيا، أما إسرائيل فهناك 58 مركزا تصوغ سياساتها في جميع المجالات، وفي مصر يوجد حاليا 53 مركزا، بينما يوجد في تركيا 32 مركزا، وفي العراق 31، وفي فلسطين 28، واليمن 22، وتضم الأردن 21 مركزا بحثيا.
وشدد المشاركون على الدور الذي يمكن أن تلعبه مراكز التفكير الاستراتيجي في تحقيق “رؤية 2030″، وأوضحوا أن هناك 543 مبادرة أطلقتها 26 جهة جميعها أكدت أهمية دور هذه المراكز في مستقبل المملكة. كما أكد قادة مراكز الفكر في المملكة أهمية ارتباط هذه المراكز بالفضاء الإعلامي كونه الوسيلة الأنجع لإسهامها في نشر الوعي وتبيان حقائق الأمور في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية نظرا لما تملكه من معلومات موثقة تستند إلى دراسات معمقة تجعلها ذات مصداقية عالية لدى المتلقي، وأشاروا أيضا إلى أهمية حضور هذه المراكز على منصات التواصل الاجتماعي لتعزز من قدرتها على التأثير.
وأكد قادة مراكز الفكر على ضرورة أن تحدث الجامعات السعودية مساراتها التعليمية لتسهم في صناعة الباحثين والمحللين الذين تحتاج إليهم مراكز الدراسات لتواصل مسيرتها وتطورها.
وبالله التوفيق.

 

أمام شباب وشابات العرب الكثير ليتعلموه

يخطئ من يعتقد بأن مجتمعات الوطن العربي ستقبل صاغرة أو متعبة بالأوضاع الحالية المزرية التي وصلت اليها، بعد أحداث وفواجع الحراكات الجماهيرية العربية الكبيرة التي اجتاحت الأرض العربية عبر الثماني سنوات الماضية. هذا قول يتناقض مع تاريخ المسيرة الانسانية ومع المنطق ومع رياح التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والتواصلية الكبرى التي تهب على العالم كله.
وبالطبع فإن فترات علق الجراح وتضميدها تتصف عادة بالهدوء الخادع، لكن ما يحمله المستقبل لا يمكن الا أن يحمل في أحشائه ما يصحح الحاضر. ولذلك فان مظاهرات الجياع والعاطلين عن العمل والمهمشين التي جابت شوارع العديد من عواصم العرب وأريافها ما هي الا النسائم التي تشير الى عواصف الأفق البعيد.
ولأن شباب وشابات الأمة العربية هم الذين سيصنعون ذلك المستقبل فان الحاجة ماسة لأن يذكروا بأهمية دراسة ووعي مسيرات بعض الأنساق السياسية والفكرية التي صنعت عالم اليوم. في مقدمة هذه الأنساق النسق الذي صنعته الايديولوجية الليبرالية عبر مسيرتها خلال القرنين الماضيين. لقد ولدت تلك الايديولوجية من رحم الحداثة، التي بدورها ولدت من رحم الثورتين الفرنسية والأميركية اللتين رفعتا شعارات تغييرات راديكالية اجتماعية وسياسية. لكن الليبراليين أصابهم الذعر من امكانية حدوث فوضى وصراعات دموية. ولذلك قرروا أن تكون ايديولوجيتهم وسطية، بين الراديكالية اليسارية واليمينية المحافظة. في قلب تلك الوسطية كان شعار الاصلاح التدريجي وعدم اختصار الوقت. وقدم الليبراليون صفقة متوازنة تقوم على تقليص امتيازات الطبقة المحافظة القديمة، ولكن دون اجتثاثها، وعلى تحسين أوضاع الطبقات العاملة والفقيرة من خلال السماح بتواجد تنظيماتها المدافعة عن حقوقها من جهة، ومن خلال القبول بدولة الرعاية الاجتماعية في حقول التعليم والصحة والاسكان والبطالة. ومن جهة ثانية.
وبالرغم من قيام الثورات الاشتراكية هنا أو هناك، وبالرغم من محاولة الانتقال الى النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق، الا أن النسق الليبرالي في الحكم والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ظل هو السائد والثابت عبر قرنين كاملين. من هنا ساد المجتمعات الغربية الهدوء والسلم الأهلي بصورة عامة. لكن الليبرالية انقلبت على نفسها عندما انتقلت من أصولها الكلاسيكية الى صورتها الجديدة: الليبرالية الجديدة العولمية البالغة التوحش والاستقطاب، بل وحتى المعادية لبعض جوانب الديموقراطية. لقد تم كل ذلك خلال الثلاثين سنة الماضية، بعد أن ادعى الليبراليون من أمثال السيدة المتوفاة، مارجريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، وأمثال المتوفى رونالد ريجان، الرئيس الأميركي السابق، بأن العمال والفقراء قد بالغوا في مطالبهم وأنهم بنقاباتهم القوية المنظمة يعرقلون الاقتصاد الرأسمالي الانتاجي.
اليوم يجري الحديث عن نهاية الليبرالية، بعد أن فشلت في تحقيق وعودها من خلال الاصلاحات البطيئة وقيام دولة الرفاهية الاجتماعية. فالاصلاحات تتراجع ودولة الرعاية الاجتماعية يجرى بناء حيادها الكاذب من خلال تخليها عن مسؤولياتها الاجتماعية ومن خلال هيمنة متطلبات حرية الأسواق التجارية على كل تصرفاتها.
أي أن الليبرالية أصبحت، بقصد أو بدون قصد، تعادي الديموقراطية الشاملة العادلة، التي تشمل السياسة والاقتصاد، والتي تصر على التوزيع العادل للثروة ولا تكتفي بوجود انتخابات وبرلمانات فقط.
ما الهدف من سرد تفاصيل تلك المسيرة على شباب وشابات الأمة العربية؟ الهدف هو تحذيرهم من الأهداف الخفية وراء الناقدين والشامتين لما جرى في الأرض العربية وذلك بقصد اقناع الناس بالتخلي عن شعارات الحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية، التي نادت بها حناجر الملايين من شعوب الأمة العربية، واستبدالها بشعارات غامضة تبطئ، بل وتعيق، انتقال المجتمعات العربية من أوضاعها المتخلفة الدموية الحالية، ومن علاقاتها الاجتماعية التسلطية الاستغلالية السابقة، الى أنظمة ديموقراطية تقوم على أسس الحرية والكرامة والمساواة والعدالة والمواطنة الحقة.
سيكثر الحديث عن العقلانية والسلم الأهلي ومخاطر الفوضى وجهالة الغوغاء، وتدمير فرص الاستثمارات الخارجية وحركة السياحة… الخ. ولكن سيجري القفز فوق قيم العدالة في توزيع الثروة والسلطة والجاه، وفجيعة الاستباحة الاستعمارية والصهيونية لكل الأرض العربية، وتصدع التضامن العربي، وتجديد الثقافة العربية والفقه الاسلامي، وغيرها الكثير الكثير.
للشباب العربي عبرة في مسيرة الأخطاء والخطايا للبرالية الكلاسيكية الغربية، التي لا تزال تنقل تلك المجتمعات من أزمة الى أزمة، ومعها مجتمعات العالم كله.
واذا كنا قد فصلنا مسيرة الأيديولوجية الليبرالية فلأنها النسق المطلوب في عصرنا. لكن هناك دروساً وعبراً في مسيرة الايديولوجيات الكبرى الأخرى. وهي الأخرى، تحتاج الى أن يؤخذ ويترك منها. مسيرة هذا العالم التاريخية مليئة بالوعود والأحلام الكاذبة. والذين يريدون أن يتصدوا للمستقبل من شباب وشابات هذه الأمة عليهم دراسة ذلك التاريخ، اذ حتى الآن ظلت تلك الأحلام والوعود وراء ألف قناع وقناع، والنتيجة هي عالمنا المريض التائه المأزوم الذي نراه أمامنا.

 

الكمبيوتر يقهر السرطان

قرب مدينة سياتل الأميركية وفي عمق غابة من السرو، يختبئ بناء صغير مربع، مكون من أربعة طوابق، لا يزيد ضلعه عن مئة متر، من دون نوافذ، ويحمل الرقم 99، وقد احتشد فيه عشرات من العلماء والفنيين العاملين في الحقل الطبي، وتئز فيه كمبيوترات متقدمة، تعس في جسد الإنسان. فهناك «إيفان تارابوف» وهو يمسح دماغ مريض مصاب بسرطان البروستات، ليحدد الطبقات التي تحد حواف السرطان، تمهيداً للمعالجة الشعاعية. أما «ديزني تان» فهو يشحذ جهازه لبناء مصائد إلكترونية، للقضاء على فيروس «الزيكا» الذي يضرب الرضع، فيضغط جماجمهم ويسلب آدميتهم.

لقد ضخت شركة أمازون مبلغ 16.1 مليار دولار في مشاريع قهر السرطان والعلاجات المتقدمة، وتلحقها شركة جوجل بمبلغ 13.9 مليار، والثالثة مايكروسوفت بمبلغ 12.3 مليار، وآبل بـ10 مليارات، وفيسبوك بـ5.9 مليار، ثم شركة باير الدوائية الألمانية بـ5.2 مليار.

ولكن كيف سنقفز بالآلة (الكمبيوتر) إلى التحدي المزمن، الذي أعجز أطباء العالم، في قهر السرطان حتى اليوم ومن أي بوابة؟ جوجل طورت نظاماً لوغارتمياً لمراقبة سرطان الجلد، ويمكن معالجة الكآبة بـ«السوفت وير»، كما أن احتشاء القلب يمكن أيضاً معالجته عن طريق تقنية «النانو».

هذا في حين نحا مارك زويكربيرج صاحب الفيسبوك طريقاً مختلفاً حيث قال: إذا كان سر السرطان في الخلية، ومنه يبدأ السرطان برنامجه التخريبي، فعلينا إذن وضع أطلس كامل للخلية كما فعلنا مع تشريح الجسم (Cell-Atlas). وأما «هويفونج بون» فيقود «مشروع هانوفر» ويعلق على عمل الأطباء بقوله، إنه يتأرجح دوماً في زوابع الاحتمالات، ولا يقود للدقة المطلقة قط، خلافاً لعمل الذكاء الصناعي والكمبيوترات المتقدمة، التي تقفز من دون توقف كل 18 شهراً بقوة مضاعفة، حسب «قانون مور» المعروف. وتعتمد الخطوة الأولى حسبما ظهر للسطح في هذه الخطة الطموحة، على نقل المصطلحات الطبية إلى الذكاء الصناعي فيلقم، وهناك ما لا يقل عن 27 مليون ورقة بحث في السرطان، ويتدفق كل يوم الجديد. ويقول «هويفنج بون» إن هذا أمر يعجز عنه أفراد الأطباء، في حين يستطيعه عالم الديجتال الجديد فقط، ويعرض «بون» بعضاً من الفتوحات الطبية في ثلاث صور، الأولى لسرطان جلد مستشرٍ تمت دراسته في عالم الديجتال ومعالجته، وصولاً إلى اختفائه في الصورة الثانية تقريباً، ثم المفاجأة في الصورة الثالثة من تمرد غير متوقع، حين بدأ السرطان يقفز إلى عالم الطفرة (Mutation) فيفلت من السيطرة!

وما وصل إليه الأطباء حالياً في معالجة السرطان هو المزج الدوائي، أي إدخال عنصرين أو أكثر في ضرب معاقل السرطان، وهو أمر ابتكره الأطباء في محاربة السل، حين مزجوا بين «الستربتومايسين» و«الباس» و«الأيزونيازيد». ولكننا في المزج الدوائي أمام معضلة فعلية، فهناك 200 مادة معروفة حتى اليوم تستخدم للعلاج، وتحت التطوير 1200 مادة، فإذا ذهبنا إلى المعالجة المزجية بين اثنين من العناصر، كانت الاحتمالات أمامنا مئات الآلاف! أما إذا بدأنا في مزج ثلاثة، فإن الرقم يصل إلى 300 مليون احتمال، وهو رقم يصاب الإنسان أمامه بالدوار، بين المحاولات والزمن والجهد والنتائج.

وهنا بالضبط يتدخل عالم الديجتال والأرقام والذكاء الصناعي كحل فعال، ففي سرطان الدم اللوكيميا مثلًا كانت لعبة المزيج هذا أمام 11026 احتمالًا، وخلال سنتين جربوا 102 منها، أما البقية الـ10900 فيمكن لعالم الديجتال أن يفك كثيراً من طلاسمها في أسابيع قليلة، بدل عقود من الانتظار، فهذه هي الثورة الجديدة في عالم الطب.

ومن تطبيقات هذه النماذج نذكر أيضاً فك الجينوم في سرطان الدماغ، وكشف التوحّد قبل أن يستفيق في الأشهر الستة الأولى، أو يطل بقرنه في الشهر 18. ومنها أيضاً تشخيص مشكلات القلب، من دون الاعتماد على مخطط كهربي قلبي طويل الأمد، وكذلك مساعدة أطباء الأشعة على تحديد حواف الأورام بدقة فائقة، لمعالجتها بالطريقة المناسبة. ومن فرائد هذه النماذج أيضاً مساعدة المريض في الدخول إلى عالم الديجتال ليستفتي طبيباً من دون الانتظار المضني لساعات طويلة، حتى يمن الطبيب على المريض بعد انتظار خمس ساعات ليتفرغ له في خمس دقائق.

أسعار الفائدة واستقرار النظام المالي

اعتمد الصفر تدريجيا في العالم القديم ـــ شرقا وغربا ـــ باعتباره النقطة المرجعية النهائية التي تتغير الأمور عند تجاوزها ارتفاعا وانخفاضا. فقد كان الصفر يمثل قاعدة الأهرامات عند المصريين القدماء، كما أصبح نقطة تجمد المياه في العلوم، ومنسوب البحر في الجغرافيا، ونقطة بدء التقويم في التاريخ.
وفي عالم السياسة النقدية، جرت العادة على رؤية الصفر باعتباره الحد الأدنى لأسعار الفائدة. هذه الرؤية تغيرت في السنوات الأخيرة في سياق التعافي البطيء من أزمة 2008، حيث وصلت عدة مصارف مركزية إلى الصفر، ثم بدأت تخوض تجربة سياسات أسعار الفائدة السالبة. وكان الدافع بالنسبة لمعظمها هو مواجهة التضخم شديد الانخفاض، وإن كان الدافع لدى بعضها هو القلق تجاه العملات بالغة القوة.

الاستقرار المالي
وظهرت التساؤلات: هل ينبغي أن نقلق بشأن مدى فعالية أسعار الفائدة السالبة وآثارها الجانبية المحتملة؟ هل يمكن لهذه السياسات أن تدعم الطلب؟ هل يمكن أن تؤثر في الاستقرار المالي؟ هل يكون لتخفيض أسعار الفائدة إلى أقل من الصفر آثار مختلفة عما تحدثه أسعار الفائدة التي تتجاوز الصفر؟ وأمام هذه التساؤلات، قدمنا بعض الإجابات في دراسة صدرت أخيرا تستند إلى التجربة المبدئية في منطقة اليورو والدنمارك واليابان والسويد وسويسرا.
وفي دراستنا هذه، نؤكد ونبني على المناقشات المبدئية في تدوينات هوزيه فينيالز، المدير الأسبق لإدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في الصندوق، وعدد من زملائه. ومن بين النتائج التي استخلصناها أن أثر آليات السياسة النقدية في الاقتصاد يتشابه فوق مستوى الصفر وتحته، وأن أثرها الكلي في أرباح المصارف والإقراض بسيط حتى الآن، ولكن لهذه السياسة حدود.
لماذا نهتم الآن بآثار أسعار الفائدة السالبة في الوقت الذي نرى تحولا في النقاش نحو عودة أسعار الفائدة العادية؟ هناك سببان. الأول هو أننا اكتسبنا خبرة تراكمية ـــ عامين في معظم الحالات وأكثر في بعض آخر ـــ تكفي لقياس الآثار بدقة أكبر. ثانيا، مع ما تشير إليه التوقعات من أن أسعار الفائدة المنخفضة عموما ستكون هي المعتاد الجديد، يرجح أن ترتفع احتمالات الوصول إلى الصفر إذا دعت الحاجة إلى تيسير السياسة النقدية من جديد.
ما الداعي للقلق؟
ما نخشاه هو أن تتسبب أسعار الفائدة السالبة في تقليص أرباح المصارف. فالمصارف تحقق أرباحها بتقاضي فائدة من المقترضين تتجاوز ما تدفعه للمودعين. هذا الهامش يمكن أن يتقلص إذا لم تنخفض أسعار الإيداع بسرعة انخفاض أسعار الإقراض، أو إذا استقرت في النهاية عند الصفر. وقد يؤدي هذا السيناريو إلى تهديد الاستقرار المالي؛ لأن انخفاض الأرباح يجعل المصارف أقل صلابة في مواجهة الصدمات، كما يمكن أن يضعف أثر السياسة النقدية في الإقراض والنمو واستقرار الأسعار.
وستتردد المصارف في فرض أسعار سالبة على المودعين الذين يمكنهم سحب أموالهم والاحتفاظ بها في خزائنهم. صحيح أنه من المكلف تخزين الأموال ونقلها وتأمينها، ولكن تكلفة ذلك قد تكون أقل مما تتقاضاه المصارف لحفظ الأموال إذا خفضت أسعار الفائدة إلى أقل بكثير من الصفر. أين النقطة الفاصلة إذن؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين، لكن المودعين أصحاب الأرصدة النقدية الأكبر واحتياجات السيولة الأعلى ـــ مثل الشركات ــــ يمكنهم تحمل مزيد من الأسعار السالبة قبل أن يقرروا التحول إلى النقد، ومن ثم تستطيع المصارف تطبيق الأسعار السالبة على بعض مودعيها، وهو ما قد كان.
كذلك تستطيع المصارف حماية هوامش ربحها بتخفيض أسعار الإقراض بنسبة أقل من التخفيض في أسعار الفائدة الأساسية. وسيحدث هذا تلقائيا إذا كانت حوافظها تتألف في الأساس من قروض وأصول أخرى طويلة الأجل وبأسعار فائدة ثابتة. “وفي الوقت نفسه، سيؤدي تطبيق التخفيض بهذه الدرجة المحدودة إلى تخفيف الأثر المترتب على تخفيض أسعار الفائدة الأساسية”. وفي هذا السياق، ستكون المصارف الأكثر اعتمادا على الودائع الكبيرة والتمويل بالجملة أكثر ربحية من المصارف التي تعتمد في الأساس على ودائع التجزئة.
وإضافة إلى ذلك، فإن بعض التراجع في هذه الهوامش لا يعني بالضرورة هبوط الأرباح. فبإمكان المصارف أن تدعم الأرباح بأن تتقاضى رسوما وعمولات، وتخفض مصروفات مخصصات الخسائر كلما ارتفعت درجة أمان المقترضين، وتتحول إلى تمويل الجملة الأقل تكلفة، وتخفض التكاليف، وتسجل مكاسب رأسمالية من تخفيضات أسعار الفائدة الأساسية. وإضافة إلى ذلك، سيؤدي انخفاض أسعار الفائدة إلى تحفيز النمو الاقتصادي، ومن ثم الطلب على الخدمات المصرفية، ما سيخفف الضغوط على هوامش الربح.

الأيام المبكرة
هناك ما يدعم هذه الرؤية الأكثر إيجابية إذا استعرضنا التجارب القطرية المبكرة في إجراء تخفيضات صغيرة نسبيا دون مستوى الصفر.
وعلى وجه الإجمال، يبدو أن السياسة آتت ثمارها. فقد هبطت أسعار الفائدة في سوق المال، وتراجعت عائدات السندات في كل البلدان التي أخضعناها للبحث. كذلك تراجعت أسعار العملات إلى حد ما، على الأقل مؤقتا. وظلت أسعار الفائدة على الودائع موجبة في الغالب، باستثناء ودائع الشركات الكبيرة. وانخفضت أسعار الإقراض إلى حد ما، وإن كان بدرجة أقل من أسعار الفائدة الأساسية. واستفادت المصارف من انخفاض تكاليف التمويل بالجملة، وزيادة بعض الرسوم. وظلت أرباح المصارف صامدة بوجه عام، كما ظل الإقراض متماسكا.
لكن بعض المصارف عانت. فكما كان متوقعا، أثرت أسعار الفائدة السالبة في أرباح المصارف التي يشكل فيها التمويل بالودائع نسبة عالية من التمويل، وصغار العملاء الذين يتعاملون بالتجزئة، والقروض قصيرة الأجل، والقروض المرتبطة بمؤشر سعر الفائدة الأساس “كما هو الحال لدى بعض الأعضاء في جنوب منطقة اليورو”. وتتضرر من ذلك أيضا المصارف التي تواجه منافسة أقوى من جهات الإقراض وأسواق رأس المال التي تقدم التمويل بتكلفة أقل.

إجابة غير كاملة
الأمور لا بأس بها حتى الآن. فيبدو أن سياسات أسعار الفائدة السالبة أسهمت في إحداث بعض التحسن في الأوضاع النقدية المحلية، دون آثار جانبية كبيرة في أرباح المصارف، أو نظم الدفع، أو كفاءة عمل الأسواق.
غير أن أسعار الفائدة الأساسية إذا ظلت سالبة فترة طويلة، أو كان هناك تفكير في إجراء خفض أكبر دون مستوى الصفر، فإن فعالية السياسة واستقرار النظام المالي يمكن أن يتعرضا للخطر. وإضافة إلى ذلك، فإن قدرة المودعين على التحول إلى النقد يمكن أن تحد من درجة التخفيض الذي يمكن إجراؤه في أسعار الفائدة. ولا يزال تعزيز التعافي يتطلب بالضرورة مزيدا من الدعم من السياسة النقدية، مع إصلاحات في سياسة المالية العامة إلى جانب الإصلاحات الهيكلية.

تدابير لكسر حلقة الفقر الممتدة من جيل إلى آخر

تدابير لكسر حلقة الفقر الممتدة

ما زال الوضع الاجتماعي للوالدين مؤثرا في تحديد مستقبل الأبناء حاليا كما كان قبل 50 عاما، وفقا لنتائج أولية من تقرير يصدر قريبا عن البنك الدولي القادم بعنوان التقدم العادل الحراك التعليمي حول العالم. وفي معرض الاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لليوم الدولي للقضاء على الفقر، حذر البنك من عدم تحقيق تقدم منذ الستينيات في مجال أساسي للقضاء على الفقر وعدم المساواة وتعزيز النمو.
تساعد الدراسة التمهيدية، التي صدرت على تجميع القطع الأولى من لغز الحراك الاقتصادي، مع التركيز تركيزا مباشرا على كيفية إسهام تعليم جيل واحد في نجاح الجيل التالي أو إفشاله، وهذا يسلط الضوء على الدور المهم الذي تؤديه السياسة العامة في إتاحة تكافؤ الفرص، بحيث يتمكن كل طفل، بغض النظر عن خلفية والديه، من تحقيق إمكاناته كاملة. وسيوسع التقرير الكامل، الذي يصدر في مطلع عام 2018، من نطاق البحث ويدرس العوامل الدافعة إلى الحراك في الدخل، بما في ذلك دور الأسواق وقوى التحول الاقتصادي الأوسع نطاقا.
“إننا نعيش في خضم أزمة من أزمات رأس المال البشري ونحتاج إلى بذل كل ما في وسعنا لإيجاد عالم يتمتع فيه الأطفال بالفرصة كي يصبحوا ما يريدونه… فإمكانيات مئات الملايين من البشر تضيع هباء مع بقاء فرصهم مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجيل السابق. يجب علينا الاستثمار في أطفالنا كي يرتبطوا بالنجاح، وتشجيع طموحات الشباب وتلبيتها، والعمل على جميع المستويات، خاصة المستوى المحلي، لضمان أن يزدهر الجيل القادم بصرف النظر عن مكان مولده ووالديه”.
فقد توقفت الزيادة في قدر التعليم الذي يحصله جيل بعد جيل خلال نصف القرن الماضي. فنحو نصف الأشخاص المولودين في أحد البلدان النامية العادية خلال الثمانينيات حصلوا على قدر من التعليم أكثر مما حصل عليه آباؤهم – ولم يَظهر بذلك أي تحسّن مقارنة بمن وُلد في الستينيات. وإذا لم يغير العالم الطريقة التي يستثمر بها في أطفاله، ولا سيما من ينحدرون من بيئة أقل حظا، فلا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا التقييم سيكون مختلفا بعد عشر سنوات من الآن، ما يزيد من التحدي المتمثل في إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030.
وتَظهر مستويات منخفضة من الحراك الصاعد في العالم النامي بشكل خاص، ولا سيما في إفريقيا جنوب الصحراء. فعلى سبيل المثال، لم يحصل إلا نحو 12 في المائة من شباب اليوم “المولودين في الثمانينيات” في بعض بلدان إفريقيا جنوب الصحراء على قدر من التعليم أكثر مما حصل عليه آباؤهم مقارنة بأكثر من 80 في المائة من الجيل نفسه في أجزاء من شرق آسيا. وجميع البلدان الـ 15 التي يرتبط فيها مستوى تعليم المواطنين ارتباطا وثيقا بمستوى تعليم آبائهم هي بلدان نامية.
وتشير الدراسة إلى ثلاثة مسارات عريضة نحو زيادة الحراك الاقتصادي من جيل إلى جيل.
ـ تكافؤ الفرص بين الأطفال: إن الاستثمار في تنمية الطفولة المبكرة، وإمكانية الحصول على التعليم وجودته، وصحة الأم والطفل، ومستوى التغذية، والبنية التحتية، والمياه والصرف الصحي، والخدمات الرئيسية الأخرى في السنوات المبكرة، هي عوامل بالغة الأهمية لتحسين الحراك وبناء رأس المال البشري. فعلى سبيل المثال، البلدان التي تسجل مستويات أدنى من التقزم “انخفاض الطول بالنسبة إلى السن، وهو علامة على سوء التغذية المزمن” بين الأطفال في سن الخامسة، والبلدان التي تستثمر قدرا أكبر من مواردها العامة في التعليم، تشهد مستوى أعلى من الحراك.
ويقدم تقرير عن التنمية في العالم الذي صدر أخيرا عن التعليم حجة قوية للاستثمار في التعلّم والتعليم الجيد بوصفهما مسارا للخروج من دائرة الفقر، وأعلنت مجموعة البنك الدولي أخيرا مشروع رأس المال البشري – وهو جهد متسارع الوتيرة لمساعدة البلدان على زيادة الاستثمار في مواطنيها وبمزيد من الفعالية، وذلك كخطوة حاسمة لتعزيز النمو الاقتصادي الشامل وإنهاء الفقر المدقع.
ـ الطموحات: عندما يدرك الناس أنهم لا يستطيعون الهرب من دائرة الفقر، يقل احتمال أن يتخذوا الخطوات اللازمة للقيام بذلك – تصوراتهم تعوق طموحاتهم، ما يبقيهم مُحاصرين. ومن الأهمية بمكان إدراج رؤى سلوكية في السياسات والبرامج من أجل الوصول بشكل أفضل إلى من تخلّفوا عن عملية التنمية.
ـ التدابير المحلية: للبيئة التي يولد فيها الشخص أهمية بالغة، إلى جانب الوضع الاجتماعي للوالدين. وتُعتبر التدابير التي يجري اتخاذها على الصعيد المحلي، من المناطق إلى الأحياء، حاسمة لكسر حلقة الفقر. فمن المرجح أن يعيش الفقراء في المناطق الأكثر فقرا التي تضم المدارس الأكثر سوءا، والبنية التحتية المتدهورة، مع قلة إمكانية الحصول على الخدمات وجودتها، وارتفاع معدلات الجريمة، الأمر الذي قد يؤثر في قدرة الطفل على التعلّم والنمو والازدهار.
يحقق العالم تقدما نحو تحقيق هدفي إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030 وتعزيز الرخاء المشترك في كل مكان. وبتركيز مواردنا على ثلاثة مجالات، هي تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والشامل، والاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات، وبقياس مدى التقدم، يمكننا أن نقطع بقية الشوط. ويتيح اليوم العالمي لإنهاء الفقر للمجتمع الدولي فرصة كل عام للتركيز على هدفينا والعمل مع الحكومة والمواطنين والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمنظمات الإنمائية من أجل بناء الدعم للتدابير اللازمة لتحقيق هذين الهدفين.

الطبيعة على حافة الإفلاس

باهر كمال
الضغوط الواقعة على موارد العالم من الأراضي الآن، أكبر من أي وقت مضى، حيث يترتّب على التزايد السريع في أعداد السكان، وارتفاع مستويات الاستهلاك، مطالب أكبر على رأس المال الطبيعي، القائم على الأراضي في العالم، كما يحذر تقرير جديد للأمم المتحدة.
تضاعف استهلاك المحميات الطبيعية على كوكب الأرض خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، مع التدهور الشديد لثلث أراضي الكوكب الآن، كما يضيف التقرير الجديد لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الذي صدر في 12 سبتمبر/أيلول في مدينة اوردوس في الصين، أثناء القمة الثالثة عشرة الخاصة بالاتفاقية 6- 16 سبتمبر 2017.

يقول تقرير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الذي يحمل عنوان: توقعات الأراضي في العالم: «في كل عام نفقد 15 مليار شجرة، و24 مليار طن من التربة الخصبة»، ويضيف أن نسبة كبيرة من النظم الإيكولوجية المدارة والطبيعية تتآكل، وتتعرض لخطر إضافي جرّاء تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي.
ومن ناحية أساسية، هنالك تنافس متزايد بين الطلب على السلع والخدمات التي تنفع الناس، مثل الغذاء والماء والطاقة، وبين الحاجة إلى حماية خدمات النظم الإيكولوجية الأخرى التي تنظم وتدعم كل الحياة على الأرض، وفقاً للنشرة الجديدة.
وفي الوقت نفسه يدعم التنوع البيولوجي الأرضي جميع هذه الخدمات، ويكفل التمتع التام بسلسلة واسعة من حقوق الإنسان، مثل الحق في الحياة الصحية، والأغذية المغذية، والمياه النظيفة والهوية الثقافية، كما يضيف التقرير.
ويعرض التقرير بعض الحقائق الرئيسية، ففي الفترة ما بين 1998 إلى 2013، أظهر نحو 20% من سطح الأرض النباتي، اتجاهات هبوط مستمر في الإنتاجية، تظهر في 20% من الأراضي الزراعية، و16% من أراضي الغابات، و19% من الأراضي العشبية، و27% من أراضي المراعي.
وقال التقرير، إن أكثر من 1.3 مليار شخص معظمهم في الدول النامية، عالقون في شرك أراض زراعية تتآكل، وتتعرض للضغوط المناخية، وبالتالي فإنهم مستبعدون من البنية التحتية الأوسع والتنمية الاقتصادية. ويثير تدهور الأراضي أيضاً المنافسة على الموارد الشحيحة؛ الأمر الذي يمكن أن يقود إلى الهجرة وانعدام الأمن، ويفاقم من عدم المساواة في فرص الوصول إلى تلك الموارد، وفي الدخل، كما يحذر التقرير.
وتآكل التربة والتصحّر وشحّ المياه، كلها تسهم في الإجهاد المجتمعي والانهيار. وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار تدهور الأراضي «مضخّماً للتهديد»، ولا سيما عندما يقلل ببطء قدرة الناس على استخدام الأرض، لإنتاج الأغذية وتخزين المياه، أو يقوّض خدمات النظم الإيكولوجية الحيوية الأخرى.
وفي الوقت نفسه فإن ارتفاع درجات الحرارة، وتغيّر أنماط سقوط الأمطار، وزيادة شح المياه بسبب تغير المناخ، سيغير ملاءمة مناطق شاسعة لإنتاج الغذاء والإقامة البشرية، وفقاً للتقرير.
«إن الانقراض الجماعي للنباتات والحيوانات، بما في ذلك فقدان النباتات البرية التي تعتبر من المحاصيل، والأنواع الرئيسية التي تجمع النظم الإيكولوجية معاً، يزيد من تعريض المرونة والقدرة على التكيف للخطر، ولا سيما بالنسبة إلى فقراء الريف الذين يعتمد معظمهم على الأرض لتلبية احتياجاتهم وكسب معاشهم».
ومن منظور إقليمي، تتنبأ هذه السيناريوهات بأن إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وجنوب آسيا، والشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، ستواجه أكبر التحديات، بسبب مزيج من العوامل، التي تشمل ارتفاع النمو السكاني، وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة إلى الفرد، والخيارات المحدودة أمام التوسع الزراعي، وزيادة الإجهاد المائي، وارتفاع خسائر التنوع البيولوجي.
وهذه حقائق ثابتة. والسؤال الكبير هو: هل يمكن عكس هذا الاتجاه المدمر للذات؟ والجواب هو نعم، أو على الأقل، إنه يمكن تقليل الخسائر إلى أدنى حدّ ممكن.
وهل يمكن أن تستعيد الطبيعة الأم عافيتها؟ والجواب، هو نعم، صريحة وواضحة. ولعله يكفي أن يولي السياسيون مزيداً من الاهتمام للاحتياجات البشرية الحقيقية، وأن تساعد الشركات والأعمال التجارية الكبيرة على تجديد رأس المال الطبيعي للعالم.

* مستشار رفيع لوكالة انتر برس سيرفس، إسباني مصري المولد. موقع: انتر برس سيرفيس نيوز